إن ازدواجية المعايير هى مخالفة مبدأ الحياد الفكرى بـ أى شكل من الأشكال هذا هو التعريف المبسط على إزدواجية المعايير فى اللغة ,  أما بالنسبه لشرح هذه الجمله فسنجد ان ازدواجية المعايير هى الإقتناع بمجموعة من المبادئ التى تتضمن أحكاما مختلفه لمجموعة من الناس بالمقارنة مع مجموعة أخرى , و سياسة الكيل بمكيالين هى مبادئ ينظر إليها على أنها مقبولة لإستخدامها من قبل مجموعة معينه من الناس , و لكن عندما تستخدمها مجموعات أخرى تعد من المحرمات و المبادئ الغير مقبولة , و السبب الرئيسى لإختيارى مثل هذا الموضوع للتحدث عنه هو ما تعانيه المجتمعات الفكريه و الدينية من تصدع و إنشقاق بسبب ذلك , فخير مثال على ذلك هو التفكك الدينى الحادث بسبب الإختلاف النسبى فى الفكر بين الطوائف و الفرق فى مختلف الأديان بسبب إزدواجية المعايير , و لكن هل تعانى المجتمعات الدينيه فقط من ذلك ؟ بالطبع لا فالأغرب من ذلك هو ما يعانيه الملحدون (صفوة المفكرين و نخبة العقلاء) من إنقسام فكرى حاد بين ما يؤمنون به من مبادئ و أفكار و بين ما يقومون بفعله به من تطرف و عدوانية فكرية , و دعونى أوضح لكم ما أقصده فى أمثله تدلل على ذلك .

ففى المجتمعات الدينية دائما ما يحاولون إثبات مصداقية الكتاب المقدس سواء أكان قرآن أو أنجيل أو حتى توراة , معتمدين على إن الإله هو الحافظ لهذا الكتاب من التحريف و التناقض , و لكن دعونا نبدأ بالديانه اليهوديه, و خير مثال على ذلك هو التناقض الواضح فى وصف يهوه , فتذكر التوراة فى سفر أشعيا (إله الدهر الرب القدير خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا يتعب) , و هو ما يتناقض تماما مع ما تم ذكره فى مواضع أخرى زعمت ان الله يحتاج للاستراحه التى لا غنى عنها للمتعب بعد عناء العمل الطويل و المجهد , فبعد أن خلق الله السماوات و الارض تقول الأسفار2 انه استراح فنجد أن سفر التكوين يقول (فرغ يهوه في اليوم السابع من عمله الذي عمل فأخذ راحة) , و هو ما يؤكده سفر الخروج (في ستة أيام صنع الرب القادر السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح و تنفس الأبدية) , و نجد ان التوراه تشرح لنا ان يهوه العظيم ليس كمثل البشر فى ضعفهم و كذبهم , فنجد ان سفر العدد يقول (ليس الاله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم، هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي؟) و هو ما يشير الى ان الندم صفه الانسان الجهول بعواقب الامور و هو ما يؤكده سفر صموئيل (نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنساناً ليندم) , و لكن التوراة بنفسها تناقض ذلك فتنسب الى الله الندم على امور صنعها و من ذلك الندم على اختيار شاؤول لملك بنى اسرائيل حيث نجد فى سفر صموئيل ايضا (ندمت على أني جعلت شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي) , و هنا نجد السؤال المحير جدا هل يندم الاله ام لا ؟؟ , و أيضا مثال على التناقض الواضح فى التوراة هو وصفها ان الله لا يُرى نتيجه احتجابه فنجدد ان سفر أشعيا يقول (حقاً أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل) , و هو ما ان يتم ربطه بما قاله الاله لموسى فى سفر الخروج (ا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش) , ان الانسان مهما بلغ مقداره فلن يستطيع رؤية الاله , و هو ما نجد تناقضه الواضح فى الاسفار التوراتيه حيث تذكر ان هناك الكثيرين ممن رأو الاله منهم شيوخ بنى اسرائيل , ففى سفر الخروج نجد (لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل) , و أيضا رآه يعقوب حينما صارعه فنجد ان سفر التكوين يقول (لأني نظرت الله وجهاً لوجه، ونجيت نفسي) . 1

 اما بالنسبه للديانه المسيحية مثلها مثل الديانة الإسلامية تماما نجدها مليئه بالهفوات و التناقضات التى لا يتقبلها العقل البشرى الباحث بتأمل فى مصداقية الأيات , فنجد ان الاناجيل الاربعه التى يؤمنون بها و التى تسمى بالعهد الجديد صدمة بكل المقاييس للقارئ , فما أن تشرع فى قراءة كل إنجيل بالتوازى ستجد أن التناقض واضح و جلى , فأول تناقض متعلق بالمسيح و نسبه و إختلاف كنهه عند كاتبى الأناجيل , فنجد أن مرقس يقول فى فاتحه إنجيله (هذه بداية إنجيل يسوع المسيح إبن الله) , و هنا نجد الوصف صريح أن يسوع المسيح هو إبن الله , و هو ما يخالف رأى يوحنا فى إنجيله حيث يقول (فى البدء كان الكلمه و الكلمة كان مع الله و كان الكلمه هو الله) و هنا نجده يشير صراحة ان يسوع المسيح (أو الكلمه) هو الله , بينما نجد الإنجيلين الآخرين يقران ببشرية يسوع و أنه ابن يوسف النجار إذ جاء فى أول إنجيل متى (هذا سجل نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم …ومتان أنجب يعقوب ويعقوب أنجب يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح) , و يوافقه لوقا فى قوله ان يسوع هو ابن يوسف النجار و لكن يخالفه فى سلسله النسب الى داوود حيث قال فى الاصحاح 23 : 3 (و كان معروفان انه ابن يوسف ابن هالى بن متثان بن لاوى) و ذكر النسب إلى أن قال (ابن آدم إبن الله) , و قد ذكر قبل ذلك فى الاصحاح 33 : 1 ما يؤكد بشريته حيث قال (إنه يكون عظيما وابن العلي يدعى، ويمنحه الرب الإله عرش داود أبيه فيملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولن يكون لملكه نهاية) , إذن هو ليس إله ولا حتى إبن الإله و انما هو ملك من ملوك اليهود فى نظره .1

اما بالنسبه للديانه الإسلامية فمثلها مثل سابقتيها , فمن خلال نظرة دقيقة لآيات القران نجد ان هناك أيه فى سورة النساء تقول (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) , و بوضع تلك الآيه تحب الإختبار نجد أن القرآن ملئ بالتناقضات الواضحة و الجلية , فعندما نحاول البحث عن مصداقية الأيه نجد أن فى سورة يونس آية تقول (لا تبديل لكلمات الله) و هو ما تؤكده سورة الكهف فى الآية القائلة (لا مبدل لكلماته) , و لكن على النقيض نجد سورة النحل تقول (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) و هو ما تؤكده سورة البقرة فى الآيه القائله (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) , و أيضا نجد التناقض الجلى الذى إحتار فيه علماء المسلمين و مفسرى القرآن و المتعلق بمقدار اليوم الإلهى ففى سورة السجدة نجد أن هناك آيه تقول (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) , بينما نجد فى سورة المعارج أن هناك آيه تقول (تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة) , و أيضا من أسوأ التناقضات الجلية الموجوده فى القران هو التناقض و الإختلاف فى عمل الصالحات بين المسلمين و اليهود و النصارى , ففى سورة المائدة نجد الأيه القائلة (إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون) , بينما فى سورة آل عمران نجد ان هناك ايه تقول (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِين) .1

 و الآن كما أوضحت سابقا ان أغلب الديانات2 يوجد بها ما هو يعد تناقض صريح و بين ما يعد من تناقض مستتر او مجازى فى التعبير فنجد أن أغلب ملحدى الشرق الأوسط يأتون من خلفيات دينيه تعتمد فى الأساس على مثل هذه التناقضات و هو ما يعد تنشئه فكرية مستترة على تبنى المواقف المتناقضه بل و الإقتناع بها و لكن عدم السماح للطرف الآخر بتبنيها , فنجد أن الملحد يتطرف فكريا فى الدفاع عن عقيدته الفكرية و هو ما يظهر جليا النقاشات الجدليه بين المتدين و الملحد فكثيرا ما نرى جنوح أحد الطرفين إلى السب و الشتم فى مقابل الدفاع المستميت عن فكرة ما , و هذا بالتأكيد يؤثر على القدرة فى الحكم على الأمور عامة بطريقة منطقيه , مما يسبب خلل فى المنطق الحوارى الذى يتبعه , لا أقول ان كل الملحدين او المتدينين يتبعون نفس الأسلوب و لكن من يتبع هذا الاسلوب منهم يؤمن تماما بوجود إله فالمتدين يستميت و يعتبر السب ورقته الرابحه الأخيره فى الدفاع عن الهه , بينما الملحد يرى ان السب هو الطريقه الفعاله فى تغيير مجرى الحديث بما يتناسب مع قدرته على اجبار المتدين على الدخول فى منطقه الخاص دون النظر بحياديه , و أيضا من أشهر المعضلات الفكرية التى يعانى منها بعض الملحدين هى الدفاع المستميت على كينونة الدولة الإسرائيلية فيما يعد خرقا صريحا لفكرته القائمة على نبذ الأديان و عدم الإعتراف بكل كيان قائم على فكرة دينية , و هو ما يظهر واضحا جدا فى هجومه المستميت على دولة السعوديه فهو يراها فى وجهه نظره الممثله للإسلام لوجود الكعبه بها و يستميت فى الهجوم و السب , بينما على النقيض نجد الملحد يستميت فى الدفاع عن الكيان الاسرائيلى بدون أى مبررات رغم كونها الممثل الرسمى لليهوديه فى العالم (بغض النظر عن الإعتبارات السياسيه الأخرى) أى بشكل آخر هى دولة قائمه على فكرة دينية بالأساس , و أيضا ما يعد خرقا فى الفكر الإلحادى العربى (و بغض الغربيين أيضا) هو الإتجاه للإلحاد من منطلق عدم الإعتراف بديانه واحده (ديانة المنشأ) دون النظر و لو حتى بشكل سريع إلى محتوى باقى الديانات .

 و الآن يجب أن يكون هناك عدة تساؤلات مهمة جدا , هل نستطيع الوثوق فى مصداقيه مثل هذا التفكير ؟ و إتباعه او الإقتناع به من الأساس ؟ , بكل حيادية سنجد أن الإجابة هى بالطبع لا , فالمتدين لم يتمتع بالحيادية الكافيه لكى يقرأ فى باقى الديانات و يحكم بمنطقيه على قدرته الفكريه فى إختيار ديانته , و الملحد يعانى من خلل فكرى متمثل فى مساواته لجميع الأديان بغض النظر عن محتواها فهو لا يعترف بالأديان كلها من منطلق عدم إعترافه بديانته .

و هل يستطيع الملحد بالدخول فى جدل دينى مع شيخ أو حبر أو قس ؟  بالطبع لا فكهنة الأديان يفنون اعمارهم فى دراسة مناهجهم الدينية بحيث يستطيعون إستيعاب أكبر قدر ممكن من المعلومات عن هذه دياناتهم من مصادر موثوقه و تعد رسميه بالنسبه للكنيسه أو المسجد أو المعبد , و هو ما يظهر فى أى نقاش سريع بين ملحد و كاهن من كهنة أحد الأديان الثلاثة .

و هل يستطيع المتدين أن يتناقش مع ملحد متمكن من العلم أو الفلسفه ؟ بالطبع لا فالملحد يحاول إستيعاب أكبر قدر من العلم الذى يفيده فى إثبات فكرته , بينما يعتمد المتدين على النقل و الإقتباسات من المنتديات و المواقع بدون النظر فى أصل الموضوع أو حتى مراجعته بنفسه مما يكسبه مهارة الجدال .

 ————————————————————————————————————————-

(1) هذه مجرد أمثله على التناقضات الواضحه فى الأديان ناهيك عن التناقضات الموجوده مع صلب العلم و المنطق الفلسفى المحايد

(2) تحدثت هنا عن الإسلام و المسيحية و اليهودية نظرا لأنها تعد الأديان السماويه , و كونها الأكثر إنتشارا فى الشرق الأوسط