و جود م.ش في حياة ولده كان محنة سرعان ما انتهت, الى انها اودت بحياة كلا منهما لكي تنتهي. الأب امضى عمره في….. لا احد يدري, كثر القول و نسجت العديد من الاساطير حوله و حول انشطته, دعوني اقول ان ما قام به لهو الخبث نفسه. دعونا نبعد عن عالمه و اسمحوا لي ان اقص عليكم الحكاية, الواقعية جدا مع الكثير من الوهم , التي تتميز بسرد غاية في الموضوعية لقصة شديدة الواقعية لكنها لم تحدث, و لكن اغفروا لي عزوفي عن ذكر اسماء ابطالها.

————————–

————————–————————–————————–————-
ظل يجوب البلاد كثيرا, و يمشي هائماً على وجهه باحثاً عن ابيه في كل مكان. لا, لم يكن تائهً او مفقود, كان أ.م.ش يعلم جيدا اين يجده, لكنه بطريقةٍ ما لسببٍ ما لا يصل اليه ابداً مهما حاول. إلا انه في ليلة حالكة الظلمة وجد اباه م.ش واقفاً في نهاية شارع طويل,و على الرغم ان أ.م انهكه الترحال الا انه تعرف على اباه فور رؤيته له, رآه يحتسي جرعات كبيرة من النبيذ كعادته, و حوله الغانيات تتراقص تحت اضاءة عامود الاضاءة, حتى ان المشهد صار و كأنه في حانة لسكارى ذات اضاءة واهنة يتم فيها ممارسة كل ما يخطر على بال القارىء من محرمات.
أخذ م.ش يضحك و تجلجل ضحكاته في الطرقات, حتى انه لم ينتبه لوجود ابنه في نهاية الشارع, لم ينتبه ان ولده كان يصرخ فيه منادياً باسمه طالباً اياه ان يلتفت اليه او يلحظ وجوده.

تعب الابن من الصراخ, كان قد عقد العزم بالفعل على ان يذهب اليه الا انه و لدهشته وجد الارض تحته كانت قد صارت بحر من الرمال المتحركة. فلكم كان طويل الطريق و مرهق. ففي كل خطوة يخطوها تدمي رجليه و يتعثر, حتى صار الشارع الذي يفصله عن ابيه قارات بأكملها, او كقطر الكرة الارضية, لكنه لم ييأس و هو يرى والده على بعد عدة امتار منه.
————————–————————–————————–————————–—————
تعليقي:
قيل الكثير حول رحلة الابن لابيه, حتى ان نفس الشارع سُمّْي باسمه, و قيل الكثير حول صراخه المدوي, ففي هذه الليلة سمع كل أهل المدينة الصراخ, و استيقظ الكثير لكن لم يجد احداً منهم مصدر للصوت. كانت ليلة مرعبة … تناول الجميع مناقشة احداثها في صباح اليوم التالي… صراخ ليس له مصدر و دماء غسلت الشارع بأكمله.
لم يعلم أحد ان مصدر الصوت أختفى لان أ.م.ش لم يقوى على محاربة الرمال المتحركة أكثر من ذلك, و انه نزف الكثير من الدماء حتى صار لون الشارع قرمزي و فقد وعيه و هو يصرخ :” بص لي يا بابا…. الحقني انا متعور… انا محتاجك انت مش سمعني ليه يا بابا؟”.

بطريقة ما, نقله احدا ما الى اقرب مشفى حتي يستعيد ما تبقى له من صحة. فلم يكن عمر الفتى يتجاوز الرابعة عشر بعد و لم يقوى جسده الضئيل على ذلك المجهود البدني و العصبي الذي كاد يودي بحياته.
خلت المستشفى التي نقل اليها الابن من كل المرضى و الاطباء, نعم ظل هناك وحيداً في اغماءه, و نعم شُفي بطريقة ما و لا احد يدري كيف رغم عدم وجود أطباء. لا احد يعلم اين هذه المستشفى التي تخلوا من اي اثر لوجود انساني. لكني اكرر انها قصة شديدة الواقعية, و قلة التفاصيل لا تعني عدم واقعيتها.

————————–————————–——————-
حالما افاق أ.م.ش من اغمائته في المستشفى و استعاد صحته, رأى خلف النافذة السماء تمطر الواح زجاج, حتى هشمت رأس كل من جاب الشوارع ليلتها فمات العديد و أصيب الكثير. لم يتأثر كثيراً بما رآه بل اغمض عينيه و عاد للنوم حتى صباح اليوم التالي.
————————–————————–——————–
تعليقي:
عفواً, اغفروا لي, لم تمطر السماء ألواح زجاج, انني لا اسرد قصة رومانطيقية تتبدل فيها الطبيعة حتى تناسب الحالة النفسية لأبطالها, بل انني, اكرر, اقص قصة شديدة الواقعية و الموضوعية, بل شديدة الواقعية و التعقيد. دعوني اذن افسر ما حدث و أعقب على رؤياه بأنها تفسيره الخاص شديد الخصوصية لما حدث و ما يحدث, او ربما ان أ.م.ش شديد الشفافية حتى انه يتسنى له رؤية ما يعجز عن رؤيته العامة, او لعله تنبأ بشيء ما اذا ما حدث سيفقد العالم توازنه, و لكوني اسرد قصة موضوعية, دعوني اقول انها ستفقد توازن عالمه هو باللأخص و لا احد سواه.
————————–————————–——————–
استيقظ أ.م في صباح اليوم التالي من رؤياه, و ترك المستشفى و خرج للشارع, فاذا به معروف مشهور, يبتسم له كل من يراه, بل ان البعض طلب منه اخذ صور فوتوغرافيه معه منادين اياه ب “يا باشا, يا زعيم, يا ريس” و العديد من الالقاب التي ما ان تسمعها حتى تستنتج على الفور عِظَم شأن صاحبها.
و كعادته, اخذ يجوب الشوارع, ناسياً ما جرى و متناسياً البحث عديم الجدوى عن والده. الا انه في مسيرته راى عجوز شمطاء, قصيرة الى حد مرعب حتى انها بالكاد تجاوزت ركبةً أ.م.
كانت كريهة الشكل و المضمون, عفنة الرائحة كالمستنقعات, فلو كان الكابوس رجلاً لصارت هي زوجته, او امه, او اي بشر تربطه به علاقة وثيقة.

من هي؟ لا ادري, و لا يدري بشر, لكني أاكد انها حية حتى يومنا هذا, حتى اني أظن انها ربما تكون ماتت دون ان تدري, و ما نراه هو شبحها الدميم الذي يأبى الموت.
كانت تحمل الكثير من البيض الأبيض و تحاول عبور الطريق, فعرض عليها أ.م ان يساعدها في الحمل, فما ان راته حتى تهلل وجهها و صارت اكثر بشاعة.
عبر بها الطريق و تحدثوا كثيرا, اصطحبها أ.م و صادقها. لا ادري عما تحدثا الاثنين, و ما سر الصداقة التي تجمع بين هذه المذئوبة و بين أ.م الرقيق الوسيم.
————————–————————–———————-
دعوني أعود للأب, م.ش :

معروف, مشهور لكنه ليس بصاحب سلطة, بل في الأغلب هو من الذين يعملون خلف الكواليس. كان وسيم شديد الجاذبية, لبق و سريع الحضور, يبهر من يتكلم معه و لديه القدرة على الاقناع. كان فتنة, خطر, كان يجذب الجميع كالمغناطيس.. كان فتنة, كان مرض لا يترك مريضه الا بالموت.
في أثناء الحرب بين “…….” و “…” في عام “….” كان جاسوسا ل”…….”. اضافة لكونه قواد حيث قام باصطياد الفتيات من ابناء بلدته و وظفهن في الدعارة لصالح العدو.
لا… لم يقتل احد مباشرةً, و لم يمارس اي عمل من اعماله الخبيثة جهراً.
كثرت حوله الاشاعات و الاساطير, فقد قيل انه كان يبكي كثيراً في جوف الليل و انه يرتل القرآن بصوت باكي مسموع, ثم ما ان ينتهي من البكاء و الصلاة حتى يخرج مهرولاً للشارع يبتاع الخمر و يجلب معه اي عاهرة يجدها!
قيل انه في ذكرى انتصار بلدته على بلد اخرى – عمل لديها جاسوسا في فترة- بكى حتى فقد وعيه من شدة الفرحة لنصر بلده. و قيل انه علم عن الخطة التي رسمتها المنظمة التي يعمل من اجلها لقتل زوجته و لم يعمل على منعها, و لكنه بكى ليلة مقتلها كثيراً, و ليهون على نفسه أقام بمنزله حفلة لممارسة القمار و احتساء الخمر لكنه لم يجلب اي فتيات احتراماً لزوجته.
قيل انه عمل في تجارة المخدرات بعض الوقت, ولم يجده عمل شنيع بل هو فقط كي ” يفك الزنقة” حسب قوله.
اهم ما يميزه هو حرصه على الصلاة في وقتها. كان يصلي في المسجد الفرد بوقته. لا لم يكن يصلي رياء و لا يصلي كي يستر افعاله, انما كانت صلاته نابعة من خوف حقيقي من ربه.
ولأن تسالني عن تفسير اعجز عن الرد. فلقد احتار في امره كل من عرفه. لقراء الادب اجد اقرب الشبه له هو الدكتور فاوستس, فكان صاحبنا شديد الخوف من الله و من تبعيات افعاله, و شديد الكبر و العصيان في آن واحد.
و لكنه في نظر ابنه لم يكن سوى “بابا”, اي الكثير من الذكريات البريئة عن الضحك على الشاطىء و قصة ما قبل النوم. لم يدري أ.م عن كل مصائب والده, علم القليل عنها, القليل الذي كان أكثر من كافي ليشوه صورة الاب للابد في نظر ابنه, الكافي ان يحول حياة أ.م الى جحيم و رعب.
————————–————————–————————
إسمها آن, دعت أ.م الى حفلة ,جرّاء قيامه باصطحابها طوال الطريق, قائلة انه سيجد غايته في هذا الحفل الذي يضم صفوة المجتمع. وافق و ذهب معها.
المكان كان قصر كبير, سحري, حتى انه و للوهلة الاولى ليظن المتفرج انها الجنة, الا ان أ.م لم يجد المكان بكل هذه الروعة, فأخذت عينيه المتفحصة تتصيد الأخطاء, و اول ما تصيده هو عُرْي الحاضرون جميعا! و لدهشته, كانوا يتصرفون كما لو كانوا يرتدون اغلى ثيابهم. فهاهو رجل يحرك يديه كأنه يضعها في جيبه, و ها هي امرأة تحكم وضع ما يبدو انه الشال فوقها. و ما اثار دهشته ايضاً هو انتباه الجميع لحضوره, وتهافتهم على مصافحته, رغم كونهم جميعاً سادة البلد و اغنيائها!

تجاهلهم جميعاً و اخذ يجوب القصر, و يبتسم للحضور في أدب. و فجأة شعر باحد خلفه يجري تجاهه فتلفت ليجد والده م.ش, يجري مهرولاً ناحيته بوجه ضاحك.
كان رث الملابس, دوناً عن باقي الحضور العاري, مشوه الوجه كمن هشم وجهه الزجاج و الدماء تغطيه و شعره منكوش. تملك أ.م الرعب من هيئة والده, و اخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة حتى قال الاب ” انت خلتني فخور اوي بيك يابني, انا فخور بيك” ابتعد عنه أ. و هو في ذهول قائلاً في نفسه “ده مش بابا, ده مجنون, ده شكله شحات.. ” اخذ يجري و هو يتعثر في الناس حتى وجد نفسه يستند الى قضبان حديدية.

التفت ليجد والده خلف القضبان, لم يكن بنفس ذات الحالة الاولى, بل كان مرتدياً ملابس عسكرية, الا ان علامات السن كانت ظاهرة جدا على وجهه الذي لم يعد وسيما بالمرة و يتكاثر العفن الاخضر فوق وجهه و يديه.. تأمله للحظات وبادر بالكلام: “بابا؟”
“ايوة”
“بتعمل ايه هنا يا بابا؟ اطلعلي ايه الحديد ده؟”
“ياريت اعرف اطلعلك انا في السجن”
“سجن ايه!!!”
” انا طول عمري في السجن يا أ, متجليش تاني”
رجع للخلف عدة خطوات و هو يلهث ” ده اكيد كابوس ايه اللي بيحصلي ده! ده مش بابا.. لا يمكن يبقى بابا”

جلس في مكانه و اخذ ينظر للحشد, يضحكون و يلهون, و لا يعبأون به او بما يشعر, اخذ يجول بعينيه حتى راى من بعيد اباه.
كان جميل, كالملك, جالساً فوق اعلى كرسي في الحفل, و على يمينه صولجان السلطة, و فوق راسه تاج مرصع بالماس و الياقوت, ملابسه من ذهب خالص, كان في ابهى و اجمل صورة, كان اجمل بشر سكن الارض, عظيم و يشع نورً و ضيائاً, تعلو وجهه ابتسامة النصر كمن لتوه توج ملكاً على العالم.
انفرجت اسارير أ.م و طار ناحيته في سعادة و سرور. جثى على ركبتيه و اخذ يقبل اقدام والده, احتشدت دموعه في عينيه حتى سالت كالفيضان من الفرحة و هو يقبل أباه و يقول” اخيرا يا بابا, وحشتني اوي يا بابا, كده تسبني كل ده, كنت واثق انك مش مجنون او في السجن زي مقالوا..”
نظر لوجه ابيه فلم يجده ينظر له, لم يجد ملامحه حتى تبدلت. حتى وجد آن تربت على كتفيه فنظر لها قائلا:” هو مش بيرد علي ليه؟”
“عشان ميت”
هدأ الصخب و خشعت جميع الاصوات
————————–————————–———————-

اي ذنب اقترفه هذا المسكين حتى يهشم الزجاج وجهه الوسيم؟
اي فعلة اقترفها حتى يصير متعفن الوجه و الجسد؟
اي طريق سلكه حتى يؤل الي ذلك الحال؟
كيف امضى عمره حتى يضيع و يخسر كل شيء؟
لا احد يدري……
و لكني اكرر, انها قصة حقيقية, عن انسان وهمي, على قيد الحياة في مكانٍ ما, حالٍ ما, يرزق بطريقةٍ ما حتماً ولا بد انها غير شرعية.