19 حزيران 2009، بقلم مينو من إيران

بالنسبة لي، بدأت الانتخابات الإيرانية لعام 2009 كأي انتخابات أخرى كئيبة شهدتها إيران خلال ال 30 سنة الماضية. كانت في نظري كمسرح الدمى الذي اعتدنا عليه وهو عبارة عن لعبة يقوم نظام الدولة الإسلامية بإشراك مواطنيه فيها. بعض المواطنين تافهين بما فيه الكفاية للمشاركة في هذه اللعبة، وبعضهم يؤمنون حقا بعقائد الثورة، وبعضهم متفائلون مفعمون بالأمل يعتقدون بإمكانية حصول التغيير (البطيء جدا)، وبعضهم لا مبالين، وبعضهم يؤمنون بأن مقاطعة الانتخابات هو الخيار الأخلاقي السليم الوحيد.

تنهدت مرة أخرى، رأينا التمثال الشعبي للختامي الذي تمكن من كسب قلب كل متفائل: موسافي. “هو شاعر وفنان!” “هو قومي!” “أنظروا إليه!” “كيف يمكن أن يكون متطرف؟!” “زوجته تدير حملة الانتخابات. وسيصبح لدينا سيدة أولى!” إن أسلوب التسويق الذي استخدمته جماعة موسافي كان استثنائي، تحدته فقط حملة رفسنجاني السابقة لمنصب الرئاسة. وبالإمكان مقارنته مع الجنون الصارخ الذي نثرته موجة حملة الرئيس أوباما عبر الولايات المتحدة والعالم قبل بضعة شهور. وسارت كل الأمور في طريق خضراء، ويا له من لون جميل! فاللون الأخضر يمثل الربيع والأمل والولادة والتجديد… رأيت مغتربين لم أتصور أبدا أن يشاركوا في انتخابات لدولة إسلامية يتجهون نحو القنصليات للانتخاب وتغيير النظام. وفي الحقيقة، عدم الانتخاب، وبشكل خاص عدم انتخاب موسافي، لعله وضع علامة استفهام عل هويتك الإيرانية! قام مغتربون إيرانيون شباب من الجيل الأول، الذين بالكاد يتذكرون لغتهم الأم، بتحفيز أصدقائهم على التصويت. كانوا يلبسون اللون الأخضر ويرتدون الحجاب للذهاب وإحداث تغيير.

كنت أتصفح أفلاما على موقع يوتيوب وكانت كل إيران مرشومة باللون الأخضر، والرايات الخضراء منتشرة في كل مكان… ويحتاج الفرد لمعرفة قليلة جدا عن إيران والجمهورية الإسلامية ليدرك أن هذا اللون الأخضر هو ذات اللون الأخضر على راية الإسلام. وطبعا كون الاسم الأول لموسافي “حسين” – إمام شيعي شهيد موقر – ساهم كثيرا في تسيير الأمور. في رأيي، لعبت الجمهورية الإسلامية أحد استعراضاتها البطولية على مسرح برودوي. فكان من بين الناخبين كل إنس متفتح وملحد وكاره للجمهورية الإسلامية وفارسي أمي جدير بالانتخاب، ينتخب ويرفرف براية الإسلام. يا لها من حيلة جميلة! ولزيادة السخرية، ظن حاملو الرايات أنهم يرفرفون بقبعة لينين! أو راية كافيه المشهورة – حداد في علم الأساطير الإيرانية قام بتحرير الإمبراطورية من قبضة الملك المتجسد به الشيطان. يا له من تضارب! وأمامك الكثير من التفسيرات المصقولة إن كنت في قمة موسافي الفنية البالغة ذروتها للاقتراع من أجل تغيير النظام.

لقد خاب أملي لأن الناس ما زالوا يعتقدون بأن التغيير الإصلاحي ممكن. كم من الختاميين نحتاج لكي ندرك بأن هؤلاء المرشحين الإصلاحيين هم مجرد عرافين لتخدير جمهور محبط على نحو متزايد؟ إن أحمد دين جاد ليس من السياسيين المفضلين لدي، فلا تحكموا علي! ولكني شعرت بأن بعد أربعة سنوات إضافية من حكم أحمد دين جاد وسيعرف كل العالم حقا أن هذا النظام من طراز قديم ولا ينوي إلى تحقيق أي نفع لشعبه. لقد سئمت من الزركشة المخملية الجميلة التي تغطي كعكة فاسدة. وفي نهاية المطاف، أهناك وجود لأي انتخابات خالية من التشوه تأخذ موقعها في هذه الجمهورية الإسلامية؟ أنظر إلى الانتخابات الأخيرة: فقد ظهر رفسنجاني بوضوح كفائز ولكن في لحظة أصبح المرشح الذي كنا نستهزئ به رئيسنا الحقيقي! في ذلك الوقت، رأيت مرشحي رفسنجاني يغيرون اقتراعهم إذ أن فكرة وجود رئيس غير ديني في الجمهورية الإسلامية نبتت أجنحة لدى المقترعين! ونحن على علم بالنتيجة.

ولكن ما الذي حصل يوم الجمعة؟ عندما تم الإعلان عن فوز أحمد دين جاد بأغلبية كبيرة – وأنا بالفعل رأيت بأن لديه الفرصة للفوز بمعظم الأصوات، ولكن ليس بذلك الهامش – علمت بنشوء خيبة الأمل. وبعد ذلك لأول مرة، رأيت الجمهور يستخف بالمرشحين المنافسين. وهذا الوضع لم يسبق له مثيل في انتخابات الجمهورية الإسلامية. المرشحون متنافسين، ولكن في نهاية المطاف مروا في نظام التدقيق ذاته وهم يدافعون عن نفس المفاهيم الصادرة عن ثورة الخميني. وعندما قام موسافي بوصف البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية ب “مهزلة” تفاجأ العديد من المحللين. وفي هذه الاتهامات العلنية ذاتها الصادرة عن أشخاص صدقت عليهم الحكومة – موسافي وكاروبي – وجد المقترعون المستاءين القوة للخروج إلى الشوارع وبدء الاحتجاجات المعارضة والتجمعات والحملات. إن الشعب الإيراني لا يسلم بالقليل. فقد رأينا في الماضي أشخاص يتظاهرون باسم رفسنجاني، وشهدنا انتفاضات الطلاب عام 1999، ولكن ليس بنفس هذا المقياس. ما زلت متحير. وإني متأكد أن السخرية من هذا النظام الخسيس هي أيضا عبارة عن لعبة. عبارة عن لعبة شريرة لإخراج كافة المتظاهرين إلى الشوارع وقيادتهم كالماشية نحو سجن إيفين … تطهير قاسي للمجموعات. وقد لا تزال الحال كذلك، ولكن بمرور اليوم الخامس على الاحتجاجات الكثيفة، أصبحت بتمهل أتخلى عن هذه النظرية – وهي نظرية آمنت بها بشدة في الفترة ما بعد الانتفاضة الطلابية عام 1999. فتلك كانت انتفاضات ثورية تم فيها سجن الكثيرين وقتلهم ومحوهم. فماذا بعد ذلك؟ فقد بقي النظام على ما هو. ولكن في هذا اليوم الخامس من المظاهرات الكثيفة عبر إيران، وحتى في المدن الريفية، عجز لساني عن الوصف. ما زلت أتردد لرؤية شروق ذهبي في نهاية النفق بعد مرور 30 عام. والأمر المختلف تماما والذي لم يسبق له مثيل والداعم للجمهور المحتج هو ما يلي:

لأول مرة في تاريخ هذه الجمهورية الإسلامية نرى سياسيين كبار مؤيدين للنظام ينحرفون عن النظام الحاكم. وقام كبار رجال الدين في النظام الحاكم علنا بجلب أحمد دين جاد للمسائلة – ليس فقط بسبب فوزه وأمانته (راجع أية الله مهتشميبور) – سجن كبار رجال الدين وأعضاء في حزب رجال الدين المقاتلين، وسجن عشرات الموظفين من وزارة الداخلية، وقيام ريازي – مرشح وقائد سابق في سيبا – علنا باتهام استجابة الحكومة لذلك، ورجال الدين التابعين لقوم قاموا علنا (جوهريا) باتهام مجلس صيانة الدستور (راجع اقتراحهم لبدء التحقيق الخاص بهم)… وتم اغتيال الأشخاص على أيدي البسيج، ولكن كل هذا لا يقارن مع ما هذا النظام قادر على فعله. لا يمكن أن يعتبر هذا محو بعد الآن.

الاحتجاجات ما زالت قائمة، والشعب يحارب، والطلاب تركوا مدارسهم لكي يشاركوا في كل ذلك. وهؤلاء الذين شهدوا أحداث ثورة عام 1979 يستعيدون ذاكرتهم كلما رأوا فيلم على موقع يوتيوب أو إعلان صحفي من قبل موظف إيراني رسمي. قال مواطن إيراني في سن الستين والدموع في عينيه: “لا أستطيع تصديق ما يحدث. لم أتخيل رؤية ثورة ثالثة. وآمل جدا أن يتم قطع القيود”. بالنسبة لإيران، وخصوصا خلال فترة الانتخابات هذه، أيا كان المنتصر النهائي – سواء بالقوة أو من اختيار الشعب – بإمكاننا من غير شك الاستنتاج بأن الجمهورية الإسلامية ستتغير إلى الأبد. فقد اهتزت دعامات أساسية في بنيتها التحتية أدت إلى حدوث صدع متعذر إصلاحه.