وضحنا فى المقالة السابقة اقدم واهم الاسباب فى بزوغ فكر الجن والعفاريت فى جزيرة العرب ، ولماذا اختصت به جزيرة العرب وحدها دون دول الحضارات الزراعية المحيط والتى وصلت الى مستوى عال من المعارف العلمية والروحانية ، والآن نكمل باقى هذه الاسباب والتى كانت سببا فى ترسيخ هذا الفكرالخرافى .

ـ فى جزيرة العرب كان التجريد الصحراوى بديلا للخيال الزراعى ، كان امتداد الصحراء يولد صباحا ظاهرة ” السراب ” ، ويولد مساءا اصواتا تأتى من بعيد ، وهى التى يعرفها علم النفس الحديث بالهلاوس البصرية والسمعية التى تأتى من خلال معايشة السكون والوحشة والاغتراب .. علاوة على ذلك لاحظ البدوى فى الصحراء عواصف رملية فجائية تثار بين الحين والآخر لايعرف لها سببا ، احيانا تكون على شكل دوائر حلزونية تثور من الارض فجأة مرتفعة نحو السماء . ومن هذه الظواهر الصحراوية تكون فى وجدانه ان هناك مخلوقات اخرى غير مرئية وراء مايراه ويسمعه وربط بينها وبين حالات الجنون التى تنتاب البعض فى هذا الزمن البعيد افطلق على هذه المخلوقات الغير مرئية اسم ” الجن ” ( واذكر انه فى طفولتنا كنا نطلق على تلك الدوائر الحلزونية المرتفعة من الارض الى السماء كلمة ” فسية العفريت ” اى ان فساء العفاريت هو سبب هذه الزوابع ، والتى انتقلت الينا عبر ثقافة البدو مع الدين الاسلامى )

ــ بالاضافة الى ذلك فان هذا البدوى عندما كان يرتحل الى بلاد الحضارات المحيطة فى رحلاته التجارية ، كان يجد المنشآت العظيمة الشاهقة الارتفاع التى كانت نتيجة لتكاتف البشرفى المجتمع الزراعى فى ظل حكومة مركزية قوية ، والتى لم يكن البدوى فى تشرذمه القبلى قادرا على انجازها ، فتيقن أكثر بأن القوى الغير مرئية فى صحرائه هى التى شيدت هذه الانشاءات الضخمة .ولانها شاهقة الارتفاع فقد اعتقد ان اجدادنا كانوا طوال القامة ، وقرأنا ذلك ضمن التراث البدوى فى ان المصريين القدماء كانوا عمالقة ، وان قبيلة عمليق التى سكنت مكه قديما كانت من اصل مصرى . وعندما رأى الكتابات الهيروغليفية ( التصويرية ) على المعابد والمسلات اعتقد انها طلاسم سحرية استخدمها المصريين القدماء لتسخير الجن فى هذه الانشاءات .

ومن هنا نقول انه كما انتج المجتمع الزراعى اللغة والتدوين والروح كناتج طبيعى لجدل الانسان ، فأن المجتمع الصحرواى انتج تراث الجن والعفاريت ، والذى اخذ ينتقل من جيل الى آخر بالرواية الشفاهية والتى تعتمد اساسا على التهويل لابهار السامعين والتى نعرفها الى الان فى اللغة العربية تحت مسمى المحسنات البديعية وتعنى اسر الباب السامعين بالاطناب والتورية والطباق و …… الخرافة .. !! والتى لاصقت البدوى عبر تاريخة الطويل فانتج لنا المئات والالوف من المعلومات الخرافية التى تمتلئ بها كتب التراث .

ـ ان الخطاب القرآنى لم ينفصل عن الثقافة العامة ، ثبت وبدل وغير ، ارتفع بمكانة المرأة ولكنه فى نفس الوقت لم يسلب الرجل قوامته وثقافته الذكورية .. ولم يحرم الرق ولكنه حض على العتق .. وضمن هذه المنظومة الثقافية كان الوجود الطاغى للجن والعفاريت فنجد :

** فى الحديث عن جن مملكة سليمان ( قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لاينبغى لاحد من بعدى انك انت الوهاب ، فسخرنا له الريح تجرى تجرى بأمره رخاء حيث اصاب ، والشياطين كل بناء وغواص ، وآخرين مقرنين فى الاصفاد ) 35- 38 سورة ص

** وعن ملكة سبأ ( قال عفريت من الجن انا اتيك به قبل ان تقوم من مكانك وانى عليه لقوى امين ، قال الذى عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك … ) 39- 40 سورة النمل

** وعن استرقاق السمع ( وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وانا ظننا ان لن تقول الانس والجن على الله كذبا ، وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ، وانهم ظنوا كماظننتم ان لن يبعث الله احدا ، وان لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا )

هذه هى الآيات المحورية التى جاء فيها ذكر الجن وافاعيلهم ونستخلص منها :
1) كانوا غواصين وبنائين للنبى سليمان وبعضهم مقرنين فى الاصفاد ( اى القيود والاغلال ).
2) كانت لهم قدرة تفوق البشر فاقترحوا على الملك سليمان ان يأتوا بعرش ملكة سبأ قبل ان يقوم من مقامه ، ولكن الذى عنده علم من الكتاب احضر له العرش قبل ان يرتد اليه طرفه ( ونلاحظ ان الذى عنده علم من الكتاب كان اكثر قدرة وسرعة من الجن . وان الذى عنده علم من الكتاب فى هذا الزمان كانوا الانبياء .. )
3) ان الجن كانوا يسترقون السمع على السماء لاخبار رجالهم من الانس ” الكهان ” بمايكتبه الملائكة من اقدار البشر .. ولكن السماء بعد البعثه المحمدية ملئت حرسا تترصدهم فتحرقهم . وهو مانقوله حتى الآن عندما نجد شهبا فى السماء ” سهم الله فى عدو الدين ..!)

ولكن .. ومع كل هذه القدرة التى يتميز بها الجن نعلم من المفسر القديم ان الجن لم يعرفوا بموت الملك سليمان وهو جالس على كرسيه مستندا على منساته ( عصاه ) الا عندما نخرالسوس فى العصا ( لاندرى كم عدد الشهور او السنين ..!! ) وسقط الملك على ارض فعرفوا بموته ، وان كان هذا تساؤل مطروح ، الا اننا ازاء تساءل اكثر الحاحا :

ـ الملك الذى يسوس مملكة عظيمة ، ولها وزراء وعدد لايحصى من الزوجات يموت على كرسيه ( ولاندرى ايضا المدة التى استغرقها السوس فى نخر عصاته .. ) دون ان تسأل عنه نسائه الذى نعرف انه كان يدور عليهم كل ليله .. ؟؟ ولم يعرض عليه وزرائه واركان مملكته اى من امور المملكة خلال هذه الفترة .. ؟؟

ومن الملاحظ ان توراة اليهود لم تذكر شيئا عن جن سليمان ولا عن مملكته العظيمة التى سخرهم لبنائها ، فقصة الملك سليمان النبي في القرآن تختلف اختلافاً بيناً وجوهرياً عما وردت في توراة بني إسرائيل وإن اتفقا معاً في نسبه فقط أن سليمان كان من “آل داود” كما أنه ورث الحكم عن أبيه. (وورث سليمان داود) و ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب) .

ويذكر لنا الأستاذ أحمد عثمان ( فى دراسه من عدة اجزاء بعنوان – تاريخ اليهود – أن القصة القرآنية تختلف اختلافاً جوهرياً عن قصة العهد القديم في:
1- لم يذكر القرآن أي شيء عن مملكة سليمان الممتدة ما بين النيل والفرات
2- ولم يذكر القرآن أنه قام ببناء معبد القدس(هيكل سليمان)
3- لم يرد في القرآن أي ذكر للقدس أو بيت المقدس أو فيما يخص الروايات المتعلقة بسليمان أو بأبيه داود .. وهناك إختلافات أخرى غير التى ذكرها هى
4 – يعتبر إله الكتاب المقدس أن الجن والشياطين أرواح شريرة لا ينبغى التعامل معها بينما القرآن يذكر أن سليمان تعامل معهما بل كان يأمرهما
5 – ذكر القرآن أنه كان يكلم الطيور والحيوانات ويأمرها وهذا لم يذكره التوراة 6 – ذكر القرآن أنه سخر الرياح ..
7 – وبالقرآن نقرا قصة الملك سليمان مع ملكة سبأ والتي لا وجود في الكتاب المقدس اليهودي ولا لأي من تفاصيلها الموجودة في القران والغارقة في الخيالات من عالم جن وطيور وحشرات ناطقة. .. ويوجد إختلافات أخرى كثيرة

ويعتقد الباحث احمد عثمان أن قصة الملك سليمان القرآنية هى الأسطورة التى سمعها اليهود من كتابهم التلمود (الهاجادا ) الذى يحتوى على الأساطير الشعبية الخيالية اليهودية وكتبها أجدادهم فيه وأشار القرآن عن هذا الإتهام اليهودى فى سورة المطففين 5( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) هذه الأسطورة التلمودية عن الملك سليمان سجلها القرآن بصورة نثرية تناسب عقل العربى البدوى فأصبحت جزءا من تراثه الدينى .

ومن الملاحظ ايضا ان قصة سليمان في التلمود كما في القران هي عبارة عن حوادث متفرقة مفككة فرقها القرآن فى العديد من السور مثل سورة صَ، وسورة البقرة، وسورة النمل وسورة سبأ ، وسورة ألأنبياء وسجلها بصورة غير واقعيه وليست منطقية أو مسلسله أو محبوكة الأطراف فلم تماثل أو تشابه مثيلتها فى سفر ملوك الأول بالكتاب المقدس اليهودي.

والقارئ فى العصر الحديث لقصة الملك سليمان بالقرآن والأحاديت يتضح له أنها قصة أسطورية خيالية قريبه الشبه بقصص ألف ليلة وقصة علاء الدين ومصباحه السحرى وغيرها ..وفيما يلى ما يقرأه القارئ فى أمهات كتب المسلمين وقرآنهم .

والى الحلقة القادمة ان كان فى العمر بقية .