في هذه القصيدة ( يكتب ويقرأ ) يمكن التعرف على صلة ( أنسي الحاج ) بروح ( الهايكو ) وتجلياتها المختلفة؛ حيث نلمس بصمات للمشاركة الصوفية المقتضبة لغويا مع الطبيعة، وكذلك التوحد بين الإرث الشهواني للذات والجوهر الملغز للموجودات الحسية …

كانت يد
كانت يدان
كانت يدان صغيرتان
لم تفعلا غير الظلّ
والثلج
والجَمْر.

لا يرى ( أنسي الحاج ) اللحم والدم .. يرى الخيالات المتداخلة للصورة الذهنية التي قد تكون عادية أو بسيطة أو تتعمد أن تبدو كأنها تمر مرورا عابرا .. يرى أنسي الحاج الحكايات المجازية المختبئة التي تخلصت من بداياتها ونهاياتها وتركت ألاعيبها الوحشية لآماد تراوغ الاستقرار .. لا يفوته في نفس الوقت تثبيت هذا الظاهري باعتباره ممرا للاشتباك مع الاحتمالات المتقاطعة .. اليدان الصغيرتان هما نسيج ملتبس من القرارات الممكنة للحضور .. لحالات متعددة من تعريف الألم .

كانت شفة
كانت شفتان
كان فم
لم يفعل غير الحُبّ.

الحب غير محدد بقصد بلاغي .. قد يحتمل جميع المعاني الثابتة ونقائضها .. الارتكابات الحسية الواردة واتجاهاتها المضادة .. لكننا نعرف أن الشفتين يمكن انتماءهما لفم واحد أو بينهما تشارك من هاجسين مختلفين لتكوين توحد ما .

كان جبين
فسيح
لم يفعل غير السَّفر

نشعر كأن هناك تثبيت لعدم القدرة عن فعل أي شيء آخر سوى ما كان ينبغي عليه أن يفعله .. الاستسلام لقدر تنشغل البصيرة داخل مغامراته المتنقلة والمفاجئة .. تنشغل بتشريحه وباكتشاف مساراته عبر جغرافيات غير مضمونة .

كانت عينان
لم تفعلا غير السجن

الاحتجاز في شرط الغموض رغم امتلاك صفة الإبصار بداهة .. في الانطواء على مسميات لا تقنع الشهوة .. الاحتجاز في التحرر المختلس من القناعات الأزلية وتجهيز الذهن لمقاومة الفناء

كان شَعْر
وبَرْق.

كان صوت
كان صوت كاليد
لم يفعل
غير النوم.

كان جَسَد
كالهواء بين نار وماء
لم يفعل
غير نار وماء.

هناك تفتيت لنوايا كونية مجهولة يعززه الحصار النفسي في بدائية ما .. تصفية الأقنعة لاسترداد عناصر أولية تخص طبيعة تتزاوج مع حسية اللغة .. مع الانفلات بترسيخ سيرة إنسانية شاحبة مشيدة من صور الاحتباس في اقتراحات الأبدية والخلود .

كانت امرأة.
كان هناك رَجُل
لم يفعل غير كتابتها
لم يفعل غير قراءتها
لم يفعل غير الجلوس فوق الشرفة
فوق المدينة
فوق الحقيقة.

المرأة عند ( أنسي الحاج ) في هذه القصيدة تمثل استفهامات الحياة والموت التي لا يمكن حيازة إجاباتها .. الأكاذيب التي لا تتيح للرجل سوى توثيق صراعه معها حيث الشرفة ثقب الألوهة المخصية التي تراقب منها مدينتك المحترقة .. هذه هي الحقيقة إذن .. الخراب الذي تجلس فوقه بعد أن أيقنت أنه ليس بوسعك سوى تأمل فضاءاته المرتحلة إلى بعيد يفوق تصورك .. تجلس تاركا أثرك الخاص داخل جحيم الغياب الذي تعرف الآن أنه الحقيقة .