سارت مكه فى خط التطور الطبيعى ، فهاهى على اول ابواب دولة المدينه ( وهى الدويلات التى قامت فى العراق والتى غلبت على معظم تاريخها ، وهى عبارة عن مدينة حولها عدد من القرى ) وها هو بيت الله الحرام تحج اليه كل قبائل الجزيرة وكل لها معبودها داخل الكعبة ، وهاهم الشعراء ( كما رجال الاعلام الآن ) يجعلون عودة جيش ابرهه الحبشى عن مكه بان رب البيت قام بحمايته ، ويخترعون قصة ابى طالب عندما راح يطلب نياقه وابله من ابرهه ، ولما يسأله الاخير لماذا تطلب ابلك وتترك بيت آلهتك ، ليرد عليه الاول : للبيت رب يحميه . ويسارع الرواه والشعراء بترديد الخبر على الحجاج عندما حان اوان الحج التالى لتزداد قدسة ام القرى نظرا لوجود بيت الله الذى هزم ابرهه وحمى البيت .. !! ، واليهود يزعمون قرب ظهور نبى ، والنضج المكى بلغ مبلغا يحتاج فيه الى التوحد تحت راية نبى . .. وكذلك كانوا يشعرون بأن عدم وجود دولة تجمعهم أمر فيه ذلة وعار ، والدين فى العصور القديمة كان عاملاً من عوامل التطوير والتقدم ، فالروح العربي كان يتلمس يومئذ ديناً آخر غير الوثنية ، وهذه هى الجدلية التاريخية ، فالإصلاح قديماً كان دائما مايأتى على أيدي الحكماء والأنبياء ، وهذا التطلع الطبيعي في كل جماعة إحساس ضروري يسبق كل حركة إصلاحية ويمهد لها .

ويذهب الدكتور جواد علي ( المفصل فى تاريخ الاسلام ) إلى افتراض أن تكون عقيدة حنفاء مكة التي نادى بها عبد المطلب بن هاشم ، بعد سبعة قرون : امتداداً لحنيفية رحمن اليمن ويقول: ” لا نستطيع أن نقول إنهم نصارى أو يهود ، إنما أستطيع أن أشبه دعوة هؤلاء بدعوة الذين دعوا إلى عبادة الإله رب السماء ذوي سموي ، أو عبادة الرحمن في اليمن “.

ومن هنا ظهرت بوادر ما اطلق عليه ( التحنف – التحنث ) ، ونسبت العقيدة الى النبى ابراهيم الذى اشاع اليهود انه جدهم المشترك وهو الذى بنى الكعبة . ولكلمة التحنف عدة آراء منها من يقول انه ماخوذ عن النصرانية ودليله تحنف محمد مع القس ورقة بالتعبد في الصوم والخلوة ، ومنها من يقول انه التحنف عن الشرك او التحنف فى معرفة الشئ . والحنف فى اللغة: المائل الى الشيء او الميل الى الحق . وفي أصل اللغة: المسلم الذي يتحنف عن الاديان اي يميل الى الحق .

كانت بداية طقوس التحنف هو البعد عن صغائر الاعمال والتعفف عنها والاتسام بالفضائل والزهد والتعبد ويؤكد لنا الدكتور جواد علي ( المفصل فى تاريخ الاسلام ) أن أهم العلامات الفارقة التي ميزت الحنفاء عن غيرهم ، هي : الاختتان ، وحج مكة ، والاغتسال من الجنابة ، واعتزال الأوثان ، والإيمان بإله واحد بيده الخير والشر ، وأن كل ما في الكون محتوم مكتوب ، وفى ( الملل والنحل للشهرستانى ) ينقل عن الحنفاء قولهم : ( إننا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر ؛ تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانية ، ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية ).

ويقول لنا التراثيين الاسلاميين الكثير عن بدايه عملية التحنف ومن هم المتحنفين مع ذكر اشعارهم فى التحنف ونختصر منها :

1) قال ابن اسحاق : ” اجتمعت قريش يوماً في عيدٍ لهم عند صنمٍ من أصنامهم، كانوا يعظّمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به، وكان ذلك عيداً لهم في كلّ سنةٍ يوماً، فخلص منهم أربعة نفرٍ نجيا، ثمّ قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل. فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء ! لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم! ما حجرٌ نطيف به، لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع! يا قوم، التمسوا لأنفسكم دينا، فإنّكم والله ما أنتم على شيء. فتفرّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم. ” (ابن هشام : 1 / 237-238 ) .

2) يذكر ( ابن دحلان ) أثناء حديثه عن زيد بن عمرو بن نفيل إنّه كان ” رابع أربعة تركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان، حتى أنّ قريشاً كانوا يوماً في عيدٍ لصنمٍ من أصنامهم ينحرون عنده، ويعكفون عليه، ويطوفون به في ذلك اليوم، فقال بعض هؤلاء الأربعة لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم ابراهيم، فما حجرٌ يطوف به لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع. ثمّ تفرّقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. وهؤلاء الأربعة هم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث “( هامش السيرة الحلبية : 1 / 96 – 97 ).

ونعرف ايضا ان عبدالمطلب بن هاشم جد النبى كان من المتحنفين ، ونعرف ايضا ان النبى بدا التحنف فى غار حراء شهر رمضان من كل عام فى جبل حراء وكان يصاحبه القس ورقة بن نوفل – وان كانت كتب التراث تذكر ذلك نتفا وعلى استحياء – وحتى لانطيل على القارئ باشعارهم كاملة سوف نختار اثنين من اشهرهم وهما اميه بن ابى الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وبعضا من ابياتهم الشعرية التى تعبر عن اتجاهاتهم الدينية والفكرية الابتدائية والتى سبقوا فيها ظهور النبى محمد بدعوته ، وسنلاحظ تطابق بعض تلك الابيات مع ماجاء به القرآن فيما بعد ، مع ملاحظة ان الابيات التاليه قد يختلف الامر فى نسبته الى ايهما ولكن ماعدا ذلك فمتفق عليه :

ــ يقول فى ايمانه :

الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا رب الحنيفية لم تنفذ خزائنها مملوءة طبق الآفاق .

ــ وعن البعث والنشور يقول :

ويوم موعدهم يحشرون زمرا يوم التغابن إذا لاينفع الحذر
وأبرزوا بصعيد مستو حرز وانزل العرش والميزان والزير
عند ذي العرش يعرضون عليه يعلم الجهر والكلام الخفيا
يوم نأتيه وهو رب رحيم إنه كان وعده مأتيا
رب كلا حتمته النار كتابا حتمته مقضيا

ـــ وعن عذاب الدار الآخرة يقول :

وسيق المجرمون وهم عراة الي ذات المقامع والنكال
فنادوا ويلنا ويلاً طويلاً وعجوا في سلاسلها الطوال
فليسوا ميتين فيستريحوا وكلهم بحر النار صالي
وحل المتقون بدار صدق وعيش ناعم تحت الظلال
لهم ما يشتهون فيها وما تمنوا من الأفراح فيها و الكمال

ــ وعن إبراهيم ( عليه السلام ) وابنه إسماعيل ( عليه السلام ) اللذين يرجع إليهما الحنفاء عقيدتهم ؛ يحكي قصة الذبح والفداء ؛ في حوار طويل نجتزا منه :

ابني إني نذرتك لله شحيصا فاصبر فدا لك خالي
فأجاب الغلام أن قال فيه كل شئ لله غير انتحال
فاقض ما قد نذرته لله واكفف عن دمي أن يمسسه سربالي
وبينما يخلع السراويل عنه فكه ربه بكبش حلال

- وعن يونس يقول :

وأنت بفضل منك أنجبت يونسا
وقد بات في أضعاف حوت لياليا

ــ وعن موسى وهارون ولقائهما بفرعون مصر يقول :

وأنت الذي من فضا ورحمة بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له أذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له :أأنت سويت هذه بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له : أأنت رفعت هذه بلا عمد ، أرفق ، إذا بك بانيا

ــ وعن عيسي وأمه يقول :

وفي دينكم من رب مريم أية
منبئة بالعبد عيسي بأن مريم
تدلي عليها بعدما نام أهلها
رسولا فلم يحصر ولم يترمرم
فقال : ألا تجزعي وتكذبي ملائكة من رب عاد وجرهم
أنيبي وأعطي ما سئلت فإنني رسول من الرحمن يأتيك بانبم
فقالت : أني يكون ولم أكن بغيا ولا حبلى ولا ذات قيم
فسبح ثم اغترها فالتقت به غلاما سوى الخلقة ليس بتوأم
فقال لها : إني من الله أية وعلمني ، والله خير معلم
وأرسلك ولم أرسل غويا ولم أكن شقيا ، ولم أبعث بفحش ومأثم.

وقال الإمام أحمد : ” حدثنا إبراهيم بن ميسرة أنه سمع عمرو بن الشريد يقول قال الشريد : كنت ردفاً لرسول الله ( أي راكباً معه على بعير واحدة ) فقال لي : أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ ؟ قلت : نعم ؛ قال : فأنشدني بيتاً ، فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتاً : إيه حتى أنشدته مئة بيت ” .

** تعرض الدكور طه حسين فى كتابه ( الشعر الجاهلى ) لهذه الاشعار ، فقد هاله ما قرأ من تطابق تام بين هذه الاشعار بين آيات القرآن فقال ان هذا الشعر منحول ( منقول ) من آيات القرآن وليس سابق عليها حتى يبرئ القرآن من النقل عن سابقيه ، ونلاحظ انه فى نفس الكتاب الذى يدافع فيه عن القرآن ويتهم هذه الاشعار بالنقل عن آيات القرآن ، يقدم الى التحقيق لبعض الاراء الاخرى التى ساقها فى الكتاب عندما نفى نزول النبى ابراهيم الى جزيرة العرب ، وقال ماقلناه من ان ذلك كانت اشاعه اليهود لوصل الحميمية بينهم كمهاجرين الى شبه الجزيرة والعرب القاطنين فيها …. !!

ولكن للدكتور جواد على ردا منطقيا على الدكتور طه حسين حيث يقول نصا : ” وفي أكثر ما نسب إلى هذا الشاعر من أراء ومعتقدات ووصف ليوم القيامة والجنة والنار ؛ تشابه كبير وتطابق في الرأي جملة وتفصيلاً ، لما ورد عنها في القرآن الكريم ، بل نجد في شعر أمية استخداما لألفاظ وتراكيب واردة في كتاب الله والحديث النبوي قبل المبعث ، فلا يمكن – بالطبع – أن يكون أمية قد اقتبس من القرآن ؛ لم يكن منزلاً يومئذ ، وأما بعد السنة التاسعة الهجرية ؛ فلا يمكن أن يكون قد اقتبس منه أيضاً ؛ لأنه لم يكن حياً ؛ فلم يشهد بقية الوحي ‍‍‍‍‍، ولن يكون هذا الفرض مقبولاً في هذه الحال .. ثم إن أحداً من الرواة لم يذكر أن أمية ينتحل معاني القرآن وينسبها لنفسه ، ولو كان قد فعل لما سكت المسلمون عن ذلك ، ولكان الرسول أول الفاضحين له ”

وهذا – بالطبع – مع رفض فكرة أن يكون شعره منحولاً أو موضوعاً من قبل المسلمين المتأخرين ؛ لأن في ذلك تكريماً لأمية وارتفاعاً بشأنه ، وهو ما لا يقبل مع رجل كان يهجو نبي الإسلام ( صلى الله عليه وسلم ) بشعره ، ولا يبقى سوى أنه كان حنيفياً مجتهداً استطاع أن يجمع من قصص عصره ، وما كان عليه الحنفاء من رأي في شعره ؛ خاصة مع ما قاله بشأنه ابن كثير : ” وقيل إن كان مستقيماً ، وإنه كان أول أمره على الإيمان ، ثم زاف عنه ” ، ولا ريب أن الاستقامة تفرز الاستقامة وتلقيها ، وربما كتب ما كتب إبان هذه الفترة التي يحددها لنا ابن كثير ، ولا ريب أنها كانت قبل البعثة النبوية : لأنه بعده – ولاشك – زاغ عن إيمانه واستقامته ؛ إذ رأي الملك والنبوة تخرجان من بين يديه بعد أن أعد نفسه لهما طويلاً .

** اعد الاحناف انفسهم انتظارا لاستقبال الرسالة والوحى الالهى وامتلأت مكه وجزيرة العرب باشعارهم فيما كان النبى محمد ويمشى فى الاسواق لينصت ويستمع الى هذه الاشعار وغيرها من قصص الاولين مع ماوعاه من ورقة بن نوفل الذى كان ينقل من الانجيل والتواره الى العربية عن انبياء العهد القديم والعهد الجديد ( موسى وعيسى ) ، وسار فى نفس خطى التحنف التى سار عليها معاصروه من الاحناف ولكنه لم ينشد شعرا مثلهم ، بل قرأ عليهم ما قال انه وحيا اتاه على الجبل من صوت عرف فيما بعد انه الملاك جبريل يقول ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ، خلق الانسان من علق …… ) فكان قولهم قول بشر ينتظرون النبوه والوحى ، وكان قوله آتيا من الميتافيزيق الاعلى …. ليكون هو النبى المنتظر .