مفيش حاجة بتتغير كل مرة بيطلع عمل “مسيء” للإسلام. كل مرة صورة بالكربون من ساعة كتاب “أيات شيطانية” و مرورا برسوم الدنمارك و فيلم فتنة و حلقة ساوث بارك و آخيرا الكليب الأخير. بعيدا عن المزايدات و نظريات المؤامرة أنا مهتم بتناول موضوعين متعلقين بالقضية المملة و المكررة لازم الوقوف عندهم شوية. أولا ربط الأعمال “المسيئة” بالتعدي علي حرية العقيدة و ثانيا طريقة التعامل معها.

حدود الحريات

مفيش مجال نهائي للربط بين حرية التعبير (مهما كانت مبتذلة) و التعدي علي حرية العقيدة. بعض الكتاب و المثقفين و من وراهم (أو جائز قدامهم) طوفان من البشر بيصروا علي أن الفيلم المسيء أو غيره تعدي علي حرية المسلمين بدون تفسير أو بيان – هو الموضوع كدة و خلاص. أنا أفهم التعدي علي حرية العقيدة من منطلقات كثير أوي لا تشمل حق التعبير عن النفس زي مثلا التشريعات المتنافية مع حقوق الإنسان و قيم المساواة  أو العنف الطائفي أو الإرهاب. ممكن أتفهم أن يغضب شخص من التهجم علي عقيدته بالقول أو بالنقد أو بالسخرية لكن مش شايف إزاي ده ممكن يمنعه من ممارسة شعائره سرا و جهرا و بالتالي أجد أن الربط بين الإثنين غير منطقي و وهمي. لربما يعترض البعض علي نقد أو سخرية المعتقدات من باب خلق جو من التسامح و المحبة و لكن هل يكون هذا بالحذف و الحجب أم بإحترام أدمية و حقوق و حريات جميع الناس؟ و بعدين السؤال هنا هل يرضي أتباع الأديان المختلفة وضع الكتب المفدسة تحت الفرز و التنقيح للبحث عن ما قد يكون مسيء لأتباع دين أخر أو من لا يؤمنون علي سبيل المثال؟ هل نعطي مثلا جمعيات حقوق المرأة السلطة في أن تقرر ما قد يكون مسيء للمرأة في النص الديني؟ و إذا إنتهينا من الأديان فهل نبدأ بالكتب و الأبحاث و المقالات؟ الأفضل و الأسهل و الأكثر منطقية أن نخلق مجالا للحوار و تقبل النقد – بل و السخرية – و ممارسة النقد الذاتي حتي نتطور جميعا إلي مرتبة إنسانية أعلي.

البعض بيقولوا أن السخرية من الأديان و الإساءة إليها بينمي مشاعر الكراهية ضد أتباعها و ده ممكن يؤدي إلي تعدي مادي حقيقي علي حرياتهم – و للقول ده وجاهته و لكن فيه مشكلتين.

 أولا, النقد أو السخرية من معتقد لا يعني بالضرورة إسقاط حق البشر في الإيمان به – و تجد في أميركا مثلا نقد و سخرية من جميع الأديان (المورمنية و السينتلوجي بشكل خاص) و علي الرغم من كدة لا يجد أتباعهما ده مانع من ممارسة طقوس دينهم و الجهر بها. و بالتالي لا تترجم مباشرة إلي تعدي علي حقوق أحد. و إن حدث العكس فالمتهم يكون الفاعل و من إستغل ممارسة أخر لحقه في التعبير (مهما كان إنتاجه سخفيا) كذريعة للتعدي علي القانون.

 ثانيا, تبسيط تفسير العداء ضد الدين – في الحالة دي بأتكلم عن الإسلام- و تجاهل عوامل أخري تلعب دور أكثر خطورة زي مثلا الحسابات السياسية و الديموجرافيا الإنتخابية (عند اليمين المتشدد في أوروبا مثلا) أو العمليات الإرهابية بإسم الإسلام و أخيرا الصعوبة اللي بيجدها عدد كبير من المسلمين المغتربين في التأقلم مع المجتمع و بالتالي الصدام به. لا يوجد شك أن بعض المذاهب أو التفاسير للدين تتصادم مع المجتمع و الحداثة و بعض القيم الإنسانية في بلاد المسلمين قبل الغرب – و ده شيء نرصده في مصر ذاتها. و ده يأخذني للنقطة الثانية اللي عاوز أكتب عنها

كيفية التعامل مع “الإساءة”

لا أخفي سرا – أنا لا أجد أن التعامل مع النقد أو الإساءات المستمرة إلي الإسلام يكون بالحذف أو المنع أو السجن و بدون شك القتل.أولا لأنني أؤمن بحق الإنسان في التعبير عن رأيه أيا كان حتي إذا أختلفت معه أو إسلوب عرضه و ثانيا لأنه ليس السبيل في إرساء التفاهم بين الناس زي بالضبط ما إطلاق التعميمات و السخرية من عقائد الناس مش طريقة لنبذ التعصب أو مواجهة التطرف أو الدفاع عن حقوق الناس. أولا يجب عدم تجاهل الأبعاد السياسية اللي بتخلي من أخبار الإساءة إلي الإسلام و ردود أفعال المسلمين مادة مثيرة و مربحة لبعض التيارات السياسية أو داعمة لبعض التوجهات الأيدلوجية. ثانيا, لازم نفهم أنه مفيش دخان من غير نار و لازم نعترف أنه في مشكلة حقيقية بين بعض المفاهيم الإسلامية الرائجة – و إن إختلفت مع صحيح الدين في رأي البعض – و بين قيم إنسانية حديثة نسبيا كلاهما لا يقبل القسمة علي إثنين (أفكر هنا في تطبيقات بعض الحدود و حقوق المرأة و الطفل و المساواة بين الناس). مش بأقول أن المسلم لازم يغير جلده و لا أتجاهل أن الغير مسلم لازم يكون أكثر موضوعية و حرصا في التعامل مع المسلمين و الإسلام و لكن لازم علي الأقل يبدأ المسلمين في النظر إلي الداخل حبتين و تنظيف المنزل من الداخل و لعل ده هيكون أفضل رد علي الإساءات و تفريغها من أي منطق أو سبب تستند له. و لما أقول “تنظيف المنزل من الداخل” أنا أفكر مثلا في أشياء زي معاملة الأقليات و الحفاظ علي حقوق الإنسان الأساسية و قيم التعايش و إبرازها كقيم دينية مستمدة من مطلقات لا يختلف عليها أي مجتمع مثل العدل و المساواة و الرحمة كواجهة لمواجهة الخطاب الديني التصادمي الذي يزدري بالفعل أديان و عقائد و فلسفات الأخرين بصورة أو بأخري و لهؤلاء أذكرهم بالأية اللي بتقول

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}

يعني بإختصار لا تروج للردة و الحسبة والذمية و نعت الأخرين بالأنعام و أحفاد القردة و السخرية من عبادة أي شيء حتي لو حجر و بعدين تزعل. صعب أوي تكسب تعاطفي و صعب أوي تقنع حد بقضيتك بالطريقة دي.