يقول الشيخ الشعراوى ” الثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبنى الأمجاد .
ما يجب إدراكه الآن والاهتمام والعمل به بجدية هو أن الفساد لا يأتى من المسئولين فقط فصحيح أن فساد السلطة هو التربة الخصبة لفساد الشعب ولكن الشعب هو العامل الأهم فى تحقيق الفساد ونموه لأن الفساد لا ينمو إلا بقبوله والسكوت عليه والتعاون فى تنفيذه لتحقيق المصالح الشخصية دون نظر إلى الصالح العام برعونة وضيق أفق وقصر نظر بالغين وأذكر المثل الشعبى القائل “يا فرعون إيه فرعنك ؟ملقيتش حد يلمنى”و إنى أتساءل بعجب لم لم يثر شعبنا على موظف صغير مرتش أو مقصر فى عمله .
لقد خلقنا الله سبحانه لعمارة الأرض وأنعم علينا بوطننا الحبيب وإذا كان وطننا محروماً من كثير من الموارد فلديه أعز الموارد ألا وهو الثروة البشرية التى تمثل الكنز الحقيقى لأى مجتمع.
لنتذكر قول الشاعر ” وما يرفع الأوطان إلا رجالها وهل يترقى الناس إلا بسلم ؟ ”
إن لم نفق من غفلتنا ونرفع وطننا الحبيب فمن سيرفعه ؟!
يجب أن نكون غيورين على وطننا وأن نتحد ونقف صفاً واحداً من أجل رفعة وطننا الحبيب ، ويجب أن نوقظ قلوبنا وعقولنا من غفلتهم ونعلم أن مصلحة الوطن من مصلحتنا الشخصية ونكف عن إيذاء بعضنا البعض وعن النقد الهدام وعن التمرد على الحكومة وعن الفساد ومحاولة الإصلاح بدلاً من هذا التمرد والكف عن النصب على بعضنا البعض فى كل شىء حتى لا نتعرض لرد فعل هذا النصب والإيذاء من كل منا ونظل فى صراع داخلى أهلى بدلاً من التكاتف .
إننا نحمل إرثاً حضارياً يجدر بنا أن نحافظ عليه فليبدأ كل منا بإصلاح نفسه ولندع الشعارات الهدامة القائلة بتعجب ” أنت هتصلح الكون ؟ ولم لا نصلح الكون وقد خلقنا الله لتعميره ؟!” ليؤد كل منا عمله بإتقان ويوقظ ضميره ويراقبه ولنتعاون فى خدمة بعضنا البعض وفى خدمة وطننا الحبيب .
إذا نظرنا إلى بعض الدول المتقدمة فإننا سنرى أسباباً كثيرة لتقدمها ولعل أهم هذه الأسباب كثرة مواردها وتوافر مقومات النجاح فى جميع المجالات فيها وأهم مورد من هذه الموارد هو المورد البشرى الذى تعد جودته أساس تقدم هذه الدول وتتمثل تلك الجودة فى التزام مواطنى هذه الدول بالأخذ بأسباب النجاح والتقدم والتفوق من أجل مصلحتهم ومصلحة موطنهم الذى وفر لهم كل احتياجاتهم فأصبحوا غيورين عليه وباتوا يعلمون أبناءهم جيلاً بعد جيل هذا المبدأ منذ نعومة أظفارهم فيأخذون بأسباب التقدم ولا يعرفون الهرج ولا المرج ويسيرون فى الطريق الذى يجلب الخير لهم ولوطنهم الذى يحبونه .
تعالوا بنا ننظر إلى بعض الدول الفقيرة المتقدمة ، سنجد السبب الرئيسى لتقدمها هو حرص مواطنيها على مصلحة وطنهم ورفع شأنه وإظهاره بشكل جيد أمام العالم ومن ثم يحرص مواطنو هذه الدول على استغلال الموارد القليلة أفضل استغلال حتى لا يشعروا بأنهم أقل أهمية أو علماً أو بأنهم لم يستطيعوا إثبات وجودهم .
هؤلاء قهروا الفقر و نقص الموارد وتغلبوا عليهما بإرادتهم التى صنعت لهم المستحيل فاستحقوا تقدير العالم .
إذا عقدنا مقابلة بين حال هؤلاء وحال مجتمعنا المصرى فبالتأكيد لن تكون هذه المقابلة فى صالحنا لكن علينا أن نعقدها لنعرف أسباب كبوتنا ونسعى لتصحيحها .
إن وطننا الغالى مصر أمدنا قدر استطاعته بكثير من الخدمات المجانية كمجانية التعليم مثلاً لكن للأسف معظم هذه الخدمات مزيفة ومظهرية فقط ولا تلوم فى هذا التزييف وطننا الحبيب وإنما نلوم شعبنا الذى أساء استخدام هذه الخدمات ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد المسئولين فى معظم المصالح الحكومية يماطلون ويتكاسلون فى تأدية عملهم وقس على ذلك الفساد والإهمال والاستغلال السيىء لموارد الدولة الكثير من الصور مثل الباعة الجائلين الذين تزدحم بهم الشوارع ويعوقون المرور بالطرق ويتسببون فى الكثير من الحوادث ويلقون بالسباب على بعضهم البعض الأمر الذى يسبب تلوثاً سمعياً فى شوارعنا كما تجد المواطنين يكرسون كل جهدهم فى تخريب المرافق العامة دون فائدة تعود عليهم من هذا السلوك السيىء وكأن عقولهم قد ماتت فأصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم دون فائدة تعود عليهم وتمادياً لسلوكهم السيىء فإنهم يمارسون النصب على بعضهم البعض وكل من يُنصَب عليه أو يُغَش فى شىء يحاول أن ينصب على الآخرين ليروى غليله الأمر الذى أدى إلى انتشار الكراهية والعدوانية والفرقة بين أفراد شعبنا وقد أدى ذلك بدوره إلى ضعف مجتمعنا المصرى فى المجالات كافة .
من الحمق والسذاجة أن يسلم الإنسان بكل شىء ويصدق أى شىء ويسير وراءه ويؤمن به ويفعله دون أن يتبينه ويفكر فيه ، وقد علم الفيلسوف اليونانى ” سقراط ” شباب إثينا عدم التسليم بالعادات والتقاليد القديمة دون التفكير فيها فإن معظم شعبنا الآن لا يتحد إلا فى تنظيم المظاهرات والهتافات والحملات والاجتماعات والمؤتمرات فهو يعشقها دون أن ينظر إلى مدى الاستفادة من هذه الأفعال ودون جدية فى الاستفادة منها وإن معظم شعبنا يتفنن ويكرس كل جهده فى غش بعضه البعض والنصب على بعضه البعض وتعطيل مصالح بعضه البعض .
فمثلا منذ فترة نظم طلاب جامعتنا حملة عن اللغة العربية وكانت هتافاتهم تهز الجامعة وعندما نظرت إلى شعار الحملة وجدته مكتوباً هكذا ” احمى لغتك ” والصواب ” احم لغتك ” ولم تتضمن الحملة ندوات عن التصويب اللغوى ولا كتبا عن شىء مفيد فى اللغة وإنما ضمت هتافات ونشر الملصقات فقط … عجبى .
ورأيت أيضاًَ مظاهرة عن الانتفاضة الفلسطينية نظمها حشد كبير جداً من الناس ولم تفد المظاهرة الانتفاضة الفلسطينية بشىء وعندما بدء جمع التبرعات التى تستفيد منها الانتفاضة فعلاً لم يشارك إلا عدد قليل جداً وانفض الحشد الكبير وسط ذهول شديد منى ، ورأيت آنذاك كيف يجرى شعبنا وراء الشعارات وترويج الإشاعات وتتملكه القابلية للاستهواء وعند وقت الجد والعمل الحقيقى لا الكلام لا تجد إلا القليل ممن رحم ربى ، وخير الأمثلة التى يجدر ذكرها المقاطعة الاقتصادية التى يتحمس شعبنا لها دون أن يفهم نتيجتها ولو فهم نتيجتها لبعد عنها كل البعد ؛ فإن الشركات التى يريدون مقاطعتها شركات عالمية لها فروع فى كل أنحاء العالم إذا قاطعناها فسيغلق فرعها فى مصر وستبقى باقى فروعها تعمل كما هى ولن تتأثر هذه الشركات بخسارة هذا الفرع مثلما سيتأثر العاملون فى هذا الفرع من شعبنا .
من ير اهتمام المصريين فى التظاهر المطالب برحيل الرئيس مبارك يعتقد أن مصر أقوى دولة فى العالم بقوة شعبها الذى كان يقف وقفة رجل واحد آنذاك ويعتقد أيضا أن هذا الشعب إذا اتحد واجتمع على فعل شىء بنفس القوة والاهتمام والإصرار الذى اجتمع عليه لاستطاع بكل سهولة أن يفعل ذلك الشىء.
أتعجب لماذا لم يثر شعبنا ضد موظف مرتش ؛فالفساد لا يأتى من شخص واحد مهما كانت سلطته وإنما يأتى من تعاون الأطر الشبكية .
قد تظن عزيزى القارىء أن كلامى خطأ وأنه افتراء على شعبنا محتجاً بأن كل مكان فى الدنيا به الخير والشر لكنى أرد عليك بأن اليابان مثلاً التزام الناس فيها بالقوانين الرادعة و غير الرادعة هو الشائع وعدم الالتزام هو النادر على عكس الحال فى مجتمعنا تماماً فهنا إن لم يك القانون رادعاً لما التزم به إلا القليل ممن رحم ربى .
وقد تحتج – عزيزى القارىء- أيضاً بأن بلدنا مليئة بالشهامة والكرم وبأن الحياة فى الغرب تسير بمبدأ ” الدنيا مصالح ” لكنى أرد عليك بأن الحياة إذا سارت بمبدأ ” الدنيا مصالح ” لأصبحت نعيماً منقطع النظير لأن الله – سبحانه وتعالى – قد جعل الدنيا تسير بهذا المبدأ “الدنيا مصالح ” ولم يترك الشهامة وفعل الخير رجماً بالغيب ففضلاً عن تقنين المشرع الحكيم له وفرضه المساعدة والتكافل جعل فعل الخير مجازى عليه ؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” كل معروف صدقة “(رواه السيوطى فى الجامع الصغير) .
لقد أوضح برنامج ” خواطر ” التلفازى الذى أعده وقدمه ” أحمد الشقيرى ” والفيلم المصرى “عسل أسود ” بطولة الفنان ” أحمد حلمى ” والفيلم المصرى ” بالألوان الطبيعية ” أن معظم شعبنا فى منتهى السوء مع وجود قلة قليلة جداً بين هذا الشعب صالحة يجب أن تحكم البلاد ولكن كيف ستستطيع الإصلاح وسط فساد الناس النابع من نفوسهم لا من شىء آخر فهو ذاتى المنيع كعضلة القلب ذاتية الحركة ، ودعونا نتخيل ما فائدة أفضل مدرب إذا منح لفريق لاعبوه فاسدون؟! ؛ كذلك القوانين الجيدة لا تجدى دون وجود سلطة جيدة تنفذها والاثنان لا يجديان دون وجود شعب يساعدهما على التنفيذ ؛لأن أى نجاح أو فساد فى العالم لا يأتى من شخص بمفرده مهما كانت سلطاته أو جبروته أو قوته وإنما يأتى من تعاون مجموعة أطر الشبكية وقد كان أهم شىء ساعد الخليفة المصلح ” عمر بن عبد العزيز ” فى مشروعه الإصلاحى التفاف شعبه حول مشروعه الإصلاحى عندما لمسوا صدق المشرف عليه وإخلاصه .
فى حال فساد شعبنا أرى صدق المثل الشعبى ” هم اللى علموا الكذب يكذب ” ؛ فقد كنت اعتقد أن إصلاح القوانين واتباع مبدأ ” سد الذرائع ” ( الموجود فى شريعتنا الإسلامية بهدف إغلاق طرق المعاصى ) كفيلاً لإصلاح مجتمعنا لكنى اكتشفت أن ذلك ليس كافياً وأنه لابد أن يصلح الشعب نفسه بنفسه وسأسرد تجربة تدل على ذلك :
فى البنوك اتبع نظام الأرقام على الخزانة منعاً للوساطة فى ترتيب قضاء العملاء معاملاتهم البنكية بمعنى أن عميل البنك يتسلم عند دخوله البنك رقماً مسلسلاً من موظف الأمن وهم رقم دوره وينتظر حتى يأتى دوره بأن يظهر رقمه على شاشة الخزانة وهذا النظام معمول به منعاً للوساطة لأن الأرقام بترتيبها التسلسلى لا تدع فرصة لتحشير رقم بينها لكنى رأيت مرة الخزانة بعدما ظهر عليها رقم 445 لم يظهر عليها 446 وإنما ظهر عليها 334 وذلك لأن عميلاً ذا وساطة أراد أن يقوم بمعاملة بنكية فى تلك اللحظة فأعطوه هذا الرقم وعندما تجادل مسئولى البنك فى ذلك يخبرونك بأنه حين أتى دور رقم 334 كان صاحبه بالخارج وأتى الآن ( وطبعاً هذا كذب لأنه لو حدث ذلك فعندما يعود صاحب رقم 334 سيكون عليه سحب رقم جديد والانتظار من جديد ) ، كما إن هناك ذريعة أخرى يتخذها موظفى البنوك فى ذلك الأمر فقد يحتفظون بالأرقام العشرة الأولى ( من 1 : 10 ) ليعطوها لمعارفهم وأصدقائهم وللمسئولين كى لا ينتظروا دورهم على الخزانة !
حينذاك تأكدت أن هذا الشعب الذى تشربت نفسه روح الفساد لن يصلحه أى نظام صالح إلا لو كان الإصلاح نابعاً من نفسه وقد صدق القول : ” لا ينفع الجرباء قرب صحيحة لها ولكن الصحيحة تجرب ) .
وحتى إذا توفرت السلطة التنفيذية الناجحة والقوانين الرادعة فلن يجديا دون تعاون الناس فى التنفيذ ؛ لأن القوانين الدنيوية تتعامل فى الظاهر ولا تستطيع كشف الباطن ولا التدخل فيه كالنيات مثلاً ؛ لذا هناك أشياء لا تستطيع القوانين الوضعية تقنينها ؛ فمثلاً عندما يدخل عميل البنك لإيداع رصيد بحسابه ؛ فإيصال إيداعه الذى يتسلمه من الصراف يثبت حقه وقد قنن القانون ذلك لكن إذا تسلم الصراف المال من العميل ولم يعطه إيصال إيداع وأنكر حقه ولم يك هناك شهود أو شهدوا زوراً فإن القانون الدنيوى حينها لن يستطيع تقنين ذلك ولابد من صلاح الناس وتعاونهم مع القانون .
حين كنت صغيراً كنت أظن أن من يملك سلطة تخول له معاقبة كل من يؤذيه من المفسدين سيعيش سعيداً لذا اعتقدت أن أفراد الشرطة أسعد الناس لكنى حين كبرت اكتشفت خطأ ذلك الاعتقاد وسأوضح ذلك بالآتى :
- إن الفرد فى مجتمعنا يضايقه الفاسدون عشرات المرات يومياً وسأذكر مثالاً بسيطاً جداً فمثلاً عند شرائك أى شىء تجد البائع يغش فى الميزان وفى السلعة وفى السعر والكل يغش فى كل شىء فلو كان المشترى أحد أفراد السلطة وقرر الانتقام من هذا البائع بطريقة غير قانونية فإنه لن يحل المشكلة حلاً جذرياً لأن ذلك إن أصلح فسيصلح هذا البائع فقط وقد لا يصلحه ولكنه يخيفه فيجعله يراعى ضميره أمام هذا المشترى فقط ولن يتحقق الردع العام ، كما أن الانتقام لا يريح المنتقم هنا لأنه قد تضرر فعليا بالنصب والاستغلال والغش وسيتعرض له يومياً من عشرات البائعين الآخرين .
أرى أن حل ذلك يكمن فى تطبيق التفتيش السرى الذى سأذكره بالتفصيل لاحقاً لكنه لن يجدى إلا بتعاون الشعب .
– قد يتبادر إلى ذهنك – عزيزى القارىء – أنى أقصد من ذلك أن وطننا لن يصلح حاله أبد الدهر وأنى يائس من ذلك لكنى لست كذلك بل إنى مؤمن بأن إصلاح جزء خير من فساد الكل وبأن علينا أن نحاول قد استطاعتنا كل فى مجاله ومكانه يبدأ بنفسه ولكل مجتهد نصيب ؛ فيقول تعالى ” إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30الكهف)” ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ” (رواه أبوهريرة فى صحيح النسائى) ، ويقول الكتاب المقدس: “من يعرف أن يعمل حسناً ولا يفعل فتلك خطية له “يع 4 : 7 ” .
محمود عبد القادر
www.mahmkd.net.ms