ترى هل يأتى ذلك اليوم الذى توزع فيه الملايين و آلاف الجنيهات وأطنان الجواهر والألماس والذهب مجاناً بدون أى تعب أو مجهود ؟! هل يأتى اليوم الذى تحصل فيه على كل هذه الأحلام بمجرد ضغطة زر منك أو بمكالمة هاتفية لا تتعدى تكلفتها الجنيه الواحد ؟ هل يأتى ذلك اليوم الذى يصبح فيه جميع الناس مليونيرات ويودعون الفقر وضيق الحال ؟ هل يأتى اليوم الذى لا يعمل فيه أحد ولا يتعب ولا يبذل أى جهد بل يصبح كل ما عليه أن يتلقى ما يأتيه من هذه الكنوز الطائلة ليسعد بها ويستمتع بحياته ؟! إنه بالتأكيد حلم يراود البشر لكنه للأسف الشديد لن يتحقق وإلا أصبحت الحياة لا قيمة لها ؛ فلا قيمة للحياة بلا تعب والدنيا دار اختبار وفرز وتعب لا دار هناء ونعيم وقد خلق الله فيها الخير والشر ليختبر عباده فيهما .
إن هذا اليوم لو أتى فسيتساوى من يعمل مع من لا يعمل بل لن يعمل أحد الأمر الذى سيؤدى إلى هلاك الناس وتدمير حياتهم .
وقد تظن أن ما أتحدث عنه خيال لكنك إذا جلست ولو لبضع دقائق أمام أية محطة تلفازية فلن تجد برنامجاً ولا مسلسلاً ولا أية مادة مبثة إلا وتتخللها عشرات الفواصل الإعلانية من مسابقات الـ 0900 التى قد تشعرك بأنك ستصبح مليونيراً قريباً بلا مجهود وبدون استغراق وقت طويل وتجد الأسئلة فى منتهى السهولة والتفاهة والجوائز خيالية وقد يدفعك ذلك إلى رفع سماعة الهاتف والاشتراك بهذه المسابقات فترد عليك فتاة رقيقة يشعرك صوتها الحنون بالصدق والتفاؤل والسعادة الغامرة وتؤكد لك أنك ستصبح مليونيراً خلال دقائق بعد إجابتك عن السؤال المطلوب إجابته فتجيب بمنتهى السخرية من سهولة السؤال وتسجل بياناتك وتضع سماعة الهاتف و أنت فى قمة الإثارة والسعادة والانبهار ثم تنتظر اللحظة التى ستصبح فيها مليونيراً حينما تفوز بإحدى الجوائز التى لا يقل أى منها عن الآلاف والملايين والكنوز فتفاجأ بأن الأيام تمر يوماً تلو الأخر دون أن يحدث ذلك بل ما يحدث هو أن تأتيك فاتورة الهاتف عالية جداً إثر كثرة اتصالاتك بهذه المسابقات .
إذا حدث لك ذلك فقد نجح مصممو المسابقة فى خداعك ، وقد فشلت فى تروى الأمر ، ترى ما الذى دفعك لفعل ذلك ؟! إنها القابلية للاستهواء وهى سرعة التصديق والانخداع و تستخدم فى معظم الإعلانات التجارية التى تظهر غير ما تبطن أو تبالغ فى إظهاره ، وإن حماقتك وتسرعك أيضاً قد دفعاك لفعل ذلك فلو كنت عاقلاً وحكيماً لترويت الأمر وأدركت أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة وأن شيئاً لا يأتى من الفراغ و لسئلت نفسك من ذلك الأحمق الذى يضيع ماله وثرواته هدراً وهملاً ويعطيها لكل من يتصل هاتفياً ، و لسئلت نفسك أيضاً ما الفائدة الثقافية من هذه المسابقات إذا كانت إجابات الأسئلة لا تذاع ، وقد دفعك أيضاً لفعل ذلك طمعك فى الكسب السريع وفى أن تصبح ثرياً فى زمن يسير وبلا مجهود ولا تعب .
مسابقات الـ 0900 تعد أحدث وسائل النصب حالياً ، ترى من أين أتت هذه الأفكار الشريرة الماكرة الخادعة ؟! إنها بالتأكيد قد خرجت من عقول ضحايا البطالة المنتشرين بكثرة فى أنحاء وطننا الحبيب ، فهم أيضاً يبحثون عن الكسب السريع عن طريق الخداع والنصب على العقول التافهة المليئة بالطمع ؛ ولأن هذه الأفكار لم تخرج فقط من عقول بعض العاطلين وإنما خرجت من قلوبهم المليئة بالشرور والبعيدة كل البعد عن الله فإنها وصلت بكل سهولة إلى قلوب وعقول أمثالهم من العاطلين الذين يفكرون نفس التفكير فى الكسب السريع بلا تعب .
الجدير بالذكر والمثير للعجب هو استخدام الأسئلة الدينية والآيات القرآنية الكريمة فى وسيلة النصب هذه !
قد يتعاطف مع هذه المسابقات القلائل الذين فازوا بإحدى جوائزها معتقدين أن أصل المسابقة الحظ وأن عدد الفائزين قليل جداً لكنى لست معهم فلو كان عدد الفائزين قليلاً فى بعض هذه المسابقات التى زعمت أنها أصدقت وعدها بفوز متسابق واحد كل عام أو كل ستة أشهر ؛ إذاً لوجب التنبيه بذلك الأمر فى الإعلان عن المسابقة – لا المبالغة – واستهواء الناس .
لا يصح لى أن أنهى هذه المقالة دون أن ألوم إعلامنا الذى لم يضع حاجزاً لهؤلاء النصابين ولم يوقفهم عند حدهم بل يتمادى فى بث هذه الإعلانات دون وجود أية رقابة !
تذكروا القول القائل : ” المال لا ينجم من الأرض ولا يهبط من السماء وإنما يكتسب اكتساباً ” .
محمود عبد القادر
www.mahmkd.net.ms