ما هو لون الموزة؟

ما هو لون الموزة؟

أحد الافتراضات الأساسية لعلم النفس التطوري هو أنه لا يوجد شيء خاص عن الدماغ البشري. فهو جهاز متطور، تماما كاليد أو البنكرياس أو أي جزء آخر من جسم الإنسان.

تماما مثل كل أجزاء أخرى من الجسم البشري، الدماغ – وجميع الآليات النفسية المتطورة ضمنه – تصمم وتكيف مع ظروف بيئة الأسلاف التي تطوروا فيها، وليس بالضرورة في البيئة الحالية. هذا المبدأ ينطبق على كل من التكيفات النفسية، كالآليات النفسية المتطورة، والتكيفات الجسدية، مثل العين، والرؤية، ونظام التعرف على الألوان.

ما هو لون الموزة؟ الموزة صفراء في ضوء الشمس وضوء القمر. صفراء في يوم مشمس، في يوم غائم، وفي يوم ممطر. صفراء عند الفجر وعند الغسق. لون الموزة يبدو ثابتاً للعين البشرية في ظل كل هذه الظروف، رغم حقيقة أن موجات الضوء الفعلية المنعكسة من سطح الموزة في ظل هذه الظروف المتنوعة هي مختلفة. موضوعيا، فهي ليست من لون واحد طوال الوقت. ومع ذلك، يمكن للعين البشرية ونظام التعرف على الألوان أن تعوض هذه الظروف المتنوعة لأنها جميعا وقعت خلال مسار التطور لنظام رؤية الإنسان، ويمكن أن تتصور موضوعياً ألواناً متنوعة على أنها صفراء باستمرار.

فالموز يبدو أصفر تحت كل الظروف، ما عدا في موقف سيارات في الليل. تحت أضواء بخار الصوديوم التي تستخدم عادة لتضيء مواقف السيارات، لا يظهر الموز كأصفر طبيعي. وهذا لأن أضواء بخار الصوديوم لم تكن موجودة في البيئة الأسلافية، أثناء تطور نظام رؤية الإنسان، والقشرة البصرية بالتالي عاجزة عن تعويضهم.

معجبو فيلم جيمس كاميرون لعام 1989 “الهاوية” قد يتذكرون مشهداً قرب نهاية الفيلم ، حيث يستحيل على الغطاس أن يميز الألوان تحت إضاءة اصطناعية في الظلام المعتم كلياً للحوض المحيطي العميق. متابعو البرنامج التلفازي “ملفات جنائية” وغيره من مسلسلات الجرائم الواقعية قد يتذكّرون أبعد من ذلك أن شهود العيان غالبا ما يخطئون التعرف على ألوان السيارات على الطرق السريعة، مما يؤدي بالشرطة إما إلى إثبات أو استبعاد المشتبه بهم المحتملين بشكل غير صحيح، لأن الطرق السريعة والخارجية غالباً ما تضاء بأنوار بخار الصوديوم وغيرها من مصادر الإضاءة الجديدة تطورياً.

نفس هذا المبدأ الذي ينطبق على التكيفات الجسدية مثل التعرف على الألوان ينطبق على التكيفات النفسية. إذ أن جميع رواد علم النفس التطوري أقرُّوا بأن التكيفات النفسية تصممت لتتلاءم مع ظروف بيئة الأسلاف، وليس بالضرورة لظروف البيئة الراهنة. أدعو هذه الملاحظات بمبدأ السافانا: لدى الدماغ البشري صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف. سائر علماء النفس التطوريين يسمون نفس الملاحظة فرضية التركة التطورية أو فرضية عدم التطابق.

أحد الأمثال على مبدأ السافانا في الواقع هو حقيقة أن الأفراد الذين يشاهدون أنواع معينة من البرامج التلفزيونية هم أكثر رضى عن صداقاتهم، تماما كما لو أن لديهم المزيد من الأصدقاء أو أنهم يجتمعون معهم على نحو أكثر تواتراً. فمن المنطقي جداً أن الناس الذين لديهم المزيد من الأصدقاء الذين يجتمعون معهم بشكل أكثر تواترا هم أكثر رضى عن صداقاتهم، من أولئك الذين لا يوجد لديهم الكثير من الأصدقاء أو لا يجتمعون معهم بصورة متكررة. وهم كذلك. ما يثير الاهتمام هو أن الشيء نفسه يحدث إذا كانوا يشاهدون التلفزيون أكثر. من منظور مبدأ السافانا هذا هو الأرجح، لأن صوراً واقعية لبشر آخرين، مثل التلفزيون، الأفلام، أشرطة الفيديو، الديفيديهات، والصور ، لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، حيث كل الصور الواقعية للبشر الآخرين هي بشر آخرين. نتيجة لذلك، فإن مبدأ السافانا يوحي بأن العقل البشري قد يجد صعوبة ضمنية في التمييز بين “أصدقاء التلفزيون” – الشخصيات التي تعرض تكرارا في برامج التلفاز – وأصدقائهم الحقيقيين.

مثال آخر ، وهو حقيقة أنه عندما قام النفسانيون التجريبيون عمداً بخلق حالة حيث يكسب الناسُ المالَ وهم منبوذين ويخسرون المال وهم متضمنين، لا يزال الناس يشعرون بالسعادة عندما يُتضمنون (ويخسرون المال) ويتأذون عندما يُستبعَدون (ويكسبون المال). في حين أن هذا لا معنى له من منظور اقتصادي بحت، فهو يتفق تماما مع مبدأ السافانا. فطوال مراحل تطور البشرية، كان الاستبعاد من مجموعة دائماً مكلفاً والتضمين دائماً مفيداً. هذان العاملان تفاوتا معاً دائماً عبر التاريخ التطوري، لأنه لم يكن ثَمّ نفسانيون تجريبيون أشرار في بيئة أسلاف يُتلاعب بها بشكل مستقل. لم تكن هناك أشياء مثل الاستبعاد النافع أو التضمين المكلف، وبالتالي لا يمكن للعقل البشري استيعابها. فهو يفترض ضمناً أن كل تضمينٍ مفيد وكل استبعادٍ مكلف.

لذلك يبدو أن الدماغ البشري يجد صعوبة فعلية في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، كما يشير إليها مبدأ السافانا. إذا نظرت حولك، سوف تدرك أن لا شيء تقريبا في بيئتك الحالية كان موجوداً في بيئة الأسلاف. في الواقع، أعتقد أن هناك أربعة كيانات فقط في بيئتنا الحالية كانت موجودة في بيئة الأسلاف: الرجال والنساء والفتيان والفتيات. إن كنت خارجها، قد تميل إلى أن تتضمن بعض الميزات الطبيعية كالأشجار والجبال والأنهار، ولكن ما لم تكن أنت في السافانا الأفريقية، فإنها ليست نفس الأشجار والجبال والأنهار التي كانت موجودة في بيئة الأسلاف. هناك المزيد من المواقف والعلاقات في بيئتك الحالية التي لم تزال موجودة في بيئة الأسلاف، كالصداقات، والتحالفات، وعقود الازدواج (أو التزويج). ولكن العديد من هذه الحالات والعلاقات اليوم تشمل مكونات بديعة تطورياً (مثل الفيسبوك، العقود المكتوبة التي تنفذها الحكومة، وشهادات الزواج).

إن كلمة المفتاح في مبدأ السافانا – لدى الدماغ البشري صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف – هي الصعوبة، لا الاستحالة. فأحيانا يمكن التغلب على القيود المفروضة على الدماغ البشري بشكل واعي – يمكن لنا أن نتذكر أن الشخصيات التي نرى على التلفاز هم ممثلون محترفون يتقاضون الملايين من الدولارات لأداء أدوار مكتوبة – ولكنه غالباً ما يكون صعباً. حتى حين ندرك شيئا على المستوى الواعي، فإننا لا نزال نتصرف كما لو لم نكن، حيث نصبح أكثر ارتياحا مع صداقاتنا عندما نشاهد التلفاز أكثر. للملاحظة التي قبض عليها مبدأ السافانا آثار قوية وعميقة جداً على علم النفس التطوري وكيف يعمل الدماغ البشري.

هذه المقالة هي ترجمة لمقالة الدكتور ساتوشي كانازاوا، أحد أبرز الباحثين في علم النفس التطوري Evolutionary Psychology، وقد نُشرت لأول مرة على موقع Psychology Today.