الرسالة التالية كانت تعليقاً مني على مقال “بلاغ للنائب العام” (بقلم: سحر الجعارة) على الموقع الإليكتروني لجريدة “المصري اليوم.” ولم يتم السماح بالنشر ضمن التعليقات في حينها.. لذا أسطر ما كتبته وقتها بعد إعادة تنقيحه.

ليس دفاعاً عن أحد وإنما دفاعاً عن حرّية الفكر والتعبير.

“لا تربطني معرفة شخصية بسحر الجعّارة، وإنطباعي عنها كان يصل لمرحلة الإنبهار ككاتبة تنويرية مثقفة تحترف القبض على سيف الكلمة..
تهاجم التيارات المتطرفة..
تناصر قضية المرأة..
سبّاقة في الدعوة لقيم الدولة المدنية ولم تفلح معها تهويشات التكفير..
باختصار كنت أراها نموذجاً لصلابة المرأة المصرية واستقلاليتها ورفضها لتكون رقماً في القطيع المنساق للعدم..

ثم فجأة ودون سابق إنذار، تقدم بلاغاً للنائب العام على هيئة مقال تطالب فيه سيادة المستشار «عبدالمجيد محمود» بحماية الأديان السماوية وملاحقة المدونين ممن تسميهم «رأس الكفر»; فليس مقبولاً أن يكون بيننا «لوبى كافر» على حد تعبيرها..

كما ورد في مقالها أيضاً زعومات -إن كانت صادقة لما بكت عين- عن أن «الدولة بكامل نفوذها لم تتدخل إلا لمصادرة موقع “نجيب سرور” لمخالفته الآداب العامة، وتركت شبكات التنصير والأسلمة تنمو بشكل إخطبوطى… الأخطر من ذلك هو الخلايا العنكبوتية للملحدين، والتى تستقطب الشباب بمواقع مثل ### وتجرى لهم عملية غسيل عقول، إلى أن يكفروا بالأديان “الثلاثة” ويهربوا إلى نعيم الجنس المجانى»

أقوال صدرت من السيدة سحر لا تليق بتنويري، ولذا وجب علينا غسل أيدينا من هكذا نظرة وهكذا فكر!

«لست مؤمناً بشئ مما تقول..
لكني على استعداد أن أدفع حياتي ثمناً، كي تحصل على حقك في التعبير.»

بهذه العبارة التي أطلقها “فولتير”، وغيرها في رسالته: “اسحقوا العار”.. بدأت البشرية تدخل عهداً جديداً من الأخلاقيات الأدبية وعرف فيما بعد باسم: «عصر التنوير»،
وهو عصر لم تدخله مثقفتنا «سحر» على ما يبدو ..
«سحر الجعّارة» والتي لها جروب على موقع الفيسبوك يحمل اسم «سحر الحرّية» يبدو أنها لا تعرف مقولة «سبيوزا» عندما قال:

«في دولة حرة، يمكن لكل إنسان أن يفكر فيما يريد.. و أن يقول ما يفكر فيه.»

سيدتي.. أخاطبكم بسلطة لا تزيد عن تلك التي طالما تحدثت بها الحرية نفسها لأعلن أن الفضاء الاجتماعي العالمي الذي يحتضن كلانا الآن مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعين لفرضه علينا باسم “ضوابط النشر” و”الرقابة” وسياسة “الضبط والربط”..

سيدتي.. أبشّرك، فبفضل أمثالك لا عدمتهم أمهاتهم، فإن الدولة المصرية قد تدخلت وتتدخل في تعسف بغيض ومرفوض ضد المواقع والمدونات وأصحابها، وقامت وتقوم بارتكاب أبشع جرائم التعذيب والإرهاب بحق العشرات مثل “محمد الشرقاوي” و”وائل عباس” و”منال وعلاء” و”عبد الكريم عامر” الذي مازال يقضي سجنه كسجين رأي، وأخيرهم، وقت كتابتي هذه السطور، المدوّن “احمد مصطفى” الذي يمثل الآن أمام محاكمة عسكرية – وهو المواطن المدني – بسبب ما كتبه على مدوّنته!

وطننا يا سيّدتي، بفضل مجهودات المحتسبين الجدد والتي ستنضمين لهم في جهودهم المخلصة، يحتل المرتبة 6 على جدول الحرّيات الدينية، وهو جدول يبدأ بالدرجة 1 كأعلى مستوى حرّية، وينتهي بالدرجة 7 في قاع قيعانها. الدولة قامت بملاحقة مدونات القرآنيين واعتقالهم مع أسرهم، وهناك من المسيحيين من تم إغلاق مدونته مثل “هالة المصري” والممنوعة من مغادرة البلاد بسبب مدونة.. وأنت معلوماتك لا تتخطي “نجيب سرور” وتطالبين بالمزيد؟؟!

سيدتي.. باسم المستقبل، أسألكم يا من تنتمون للماضي أن تدعونا لشأننا؛ لستم أهلاً ولا تحلِّون سهلاً؛ ولا سلطان لكم حيث نجتمع..
في دولٍ متفرّقة وضعتم قوانين تزعم إصلاح الاتصالات.. هذه القوانين تناقض دستوركم أنتم والأفكار التي خدعتمونا بزعم الطنطنة لها وتبدد أحلام حرية الفكر والتعبير..

هذه الأحلام ستولد من جديد فينا…

في عالم الإنترنت، كل الأهواء والتجليات البشرية، من أدناها إلى أسماها، جزءٌ من كلٍ غير متمايز هو حوار البتَّات العالمي.. لا يمكن لعاقل الفصل بين طبيعة الهواء الذي يَخنُق، وطبيعة الهواء الذي تُحلِّق عليه الأجنحة..

سيدتي.. أنتم لم تنخرطوا في محاوراتنا الجامعة العظيمة، كما أنكم لم تخلقوا الثروة التي في أسواقنا..
أنتم لا تعرفون ثقافتنا، ولا أخلاقنا، ولا قوانينا غير المكتوبة التي تنظم مجتمعنا بأكثر مما يمكن لكم أن تفرضوه..
نحن لا نقاوم الأفكار إلا بالأفكار ولا نأخذ بالفكر إلى المحكمة ليسجن صاحبه..
الإختلاف عن الآخرين ليس جريمة.. ولا يحتاج تصريحاً ولا غفراناً من أحد..
نحن نخلق عالماً يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفَرُّدِ هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو يجبر على التوافق مع غيره..

سيدتي.. أنتم عجائز تخشون أبنائكم، لأنهم مواطنون أُصلاء في عالم ستظلون أنتم دائما مهاجرين إليه..
ولأنكم تخشونهم فأنتم توكلون إلى بيروقراطياتِكم مسؤولياتَكم الأبوية التي تخشون أن تواجهون أنفسكم بها..

سيدتي.. نمتلك أقلاماً ذات قامة، لأنها تسطر فكراً أجدر به أن يُحترم.. لكنا نترك المرتزقة وأنصاف المثقفين ومزدوجي المعايير ينثرون ما يظنونه مقالاً شعبوياً وهم ما أدركوا أنهم صاروا – كغيرهم – مستهلكين يكررون كلاماً استهلاكياً قديماً لكن بمفردات حديثة.. فلتفرحي بجموع الخاشعين لكنا لسنا منهم ولا نريد أن نشبههم..

إن رياح الحرية في كل الأصعدة، ولن نبقى إستثناء طويلاً.. وللحرية ثمن مستعدين لدفعه من أجل عالم أفضل لأبنائنا..

إحترامي.”