(اقتل ثُلثي الشعب .. حتي يدين الثلث الآخير لك بالولاء).. مقولة طبقت لفظا وعملا في زمن الزعيم المزعوم (جمال عبدالناصر) وعهد الناصرية البائد. فمما لاشك فيه.. أن مفاسد النظام الناصري الذي أذل مصر وأهان العروبة وأغرق مصر في ناصرية مُسوّفة بالإشتراكية لم تزد المصريين إلا جهلا وفقرا وهرِما، بل وفتحت أمام المفسدين طريق الثراء من خلال الإرتشاء.. وهمّشت الطبقات المتوسطة والأقل منها رزقا لدرجة الإضمحلال.. وتحكمت الأنظمة البوليسية علي حرية الشعب بالحديد والنار فكُممت الأفواه وفتحت أبواب المعتقلات على مصرعيها.. وسيست اللعبة السياسية لتخدم المنظومة العسكرية في التحصل علي أهدافها ومكاسب إنقلاب (23 يوليو) كمنبر ثوري- كمايدعون أنها إرادة شعبية جائت من الشعب للشعب- في وقت كان المصريون مستعدون ليغفروا له لو أحرق مصر كلها؛ من شدة البطش الذي كان يتعامل معهم مثل كفئران التجارب يصنع بهم مايريد! لنأتي ونقول: ماحقيقة أكذوبة ثورة (23 يوليو) تلك الذي قدمت بهذا الطاغية وأفكاره الشعواء؟!

ترسّمت ملامح الفورة العسكرية تلك بإنقلاب قام به ضباط الجيش علي الشرعية الحاكمة- الملكية- وبيروقراطية العسكرية التي خلقت الإستقطاب.. والذي طور مفهوما أعم وأشمل يعرف بإسم (الإنتقام الدافيء) من خلال التصفية الجسدية لرفقاء الدرب من (حركة الضباط الأحرار) ورافضي سياسة الزحف الجائر علي الشرعية.. والذي راح علي إثرها الكثير في كنف جبروت الناصرية!

عُرفت تلك الحركة من بدايتها بـ(الحركة المباركة).. والتي قد نجحت في السيطرة علي المرافق الحيوية في البلاد، فتم السيطرة على مقرات قيادة القوات المسلحة والإستيلاء على مبنى الإذاعة والتليفزيون.. ومنه أذيع البيان الأول من نوعه بصوت (محمد أنور السادات).. والذي أجبر الملك (فاروق) علي التنازل عن العرش لولي العهد الأمير (أحمد فؤاد)-الملك فؤاد الثاني- ومغادرة البلاد (مخطط).. لتبدأ المرحلة الثانية من المخطط وهي سحب الثقة من العرش وإعادة السياق لصالح أوتوقراطية مجلس قيادة الثورة المشكل من 13 ضابط برئاسة المحترم اللواء (محمد نجيب)، لكن ماسرعان أن تم عزله بأمر فرمان ناصري لمعاداته للهيمنة والتفرد في السلطات، مما سيحرم القفزة الناصرية من تحقيق مبتغاياتها الكاسحة.. والذي سنتعرف عليها بعد قليل. تابعوا أكثر…

كان لدي كل ضابط من (حركة الضباط الأحرار) رغبة جامحة غير معلنة، لكنها تظهر علي وجوههم بشكل مريب.. كان كل واحد منهم يريد أن يملك مثل الملك ويحكم مثل رئيس الحكومة وكان زملائهم الضباط يقولون عنهم: (طردنا ملكا وجئنا بثلاثة عشر ملك).. فتحقيقا لمقولة المشير (محمد عبدالغني الجمسي) وزير الحربية السابق ورئيس أركان القوات المسلحة- رحمة الله عليه- عندما قال: (إن الرجل العسكري لايصلح للعمل السياسي قط…)، فقد خرج الجيش من الثكنات وإنتشر فى كل المصالح و الوزارات المدنية فوقعت الكارثة التى لا نزال نعانى منها فى مصر حتى الآن..!

نعم أُلغيت الملكية ونُفي ملك.. فخلق الإنقلاب 13 مالكا (خازن النار).

نعم قُضي علي الإقطاع وصُدرت الأملاك من قاطنيها، ووُزعت بواقع فدانين إلي خمسة أفدنة علي كل فلاح.. إلا أن فكرة تفتيت الملكية الزراعية كان قرار متسرع وغير مدروس بصورة جيدة واستصدر القرار لكسب تأييد شعبي لإنقلاب يوليو ونظام ناصر 52، ويعد هذا القانون بمثابة كارثة حلت على الشعب المصري وكان لها آثار مدمرة وكارثية على المدى الطويل بتنا نعاني منها اليوم.

نعم قُضي علي الإستعمار البريطاني.. فاستعمرنا داخليا عسكريا لستين عام.. عشنا من خلالها أشد التنكيل والتهويل الحاصل الذي جعل منا أداة في يد العسكري يفعل بها ماتغويه عقله الجهنمي وضميره النرجسي.

نعم أُقيمت الحياة الديمقراطية.. حتي جعل نصف الشعب يتجسس علي نصفه الآخر في جو ساده إمبريالية القدر وتكسيره للروح العامة من خلال نماذج (السادية الدموية) التي زرعت في نهش المعارضة لإستبداد (عبدالناصر).. كأمثال: (حمزة البسيوني) و(صفوت الروبي) و(شمس بدران) و(صلاح نصر).. وغيرهم من رموز الدكتاتورية حينها.

نعم أُقيمت العدالة الإجتماعية.. حتي سرقت الناصرية ممتلكات الشعب المصري، تحت ذريعة: من أين لك هذا؟! بدون محاكمة ولا دليل على أن المواطن قد سرق المال من بيت أم الرئيس الخامل وكلهم لصوص ياعزيزي بإسم الثورية والتقدمية والثورة العربية..!

نعم تحصلنا علي التأميم.. حتي انهار الإقتصاد المصري بعد هيمنة العسكرية علي هيئات ومؤسسات الدولة، حتي تم إعلان إفلاس البلاد مع قرارات (زكريا محي الدين).. وأصبحنا نتعايش علي مانتلقاه من دعم مالي سنوي من دول (مجلس التعاون الخليجي).

نعم أُقيم الجيش المصري الحر كحامي حمي العروبة.. حتي ضاعت السودان.. حتي ضاعت سيادتنا علي مضيق (تيران) وسطوتنا علي خليج العقبة.. حتي شنت القوات الجوية ضرباتها مع حدودنا للمملكة السعودية بمنطقة (نجران) ككروت إرهاب دون إحداث خسائر إبان حروب اليمن.

نعم أُقيم الجيش المصري الحر كحامي حمي العروبة.. حتي ذُبح المصرييون علي جبال اليمن لتحقيق الوحدة العربية الزائفة.. حتي تم توريط جيشنا في سيناء بقرارات إرتجالية لتصفية حسابات ودفع فواتير شخصية؛ ليتم تكسير عظام جنودنا تجت جنزير الدبابات الصهيوينة..

نعم أقيم الجيش الوطني الحر.. والذي لمسنا بداية التمييز الواقع بينهم وبين باقي (حركة الضباط الأحرار) الذي مااستقرت الأمور حتي غيروا سياراتهم (الجيب) وركبوا سيارات (الصالون) و(الكابورليه).. حتي ظهرت مراكز القوى بعد شهور قليلة من قيام الإنقلاب داخل مجلس القيادة وخارجه وكان (جمال عبد الناصر) أكبر مركز قوة داخل المجلس وعندما ساعده الآخرون فى التخلص من الكثيريين.. ليبقي الطاغية الأوحد ومن معه يسانده في دكتاتوريته كصائد الملذات والشهوات (عبدالحكيم عامر) و(محمد أنور السادات) و(حسين الشافعي).

يقول اللواء (محمد نجيب) في كتابه (كنت رئيسا لمصر).. وبشكل مفصل ومصور أكثر لإظهار الحقائق أكثر فأكثر: (أوحى (جمال عبد الناصر) لـ(مصطفى أمين) بكتابة مقال بعنوان (سر الضباط التسعة) نشرت فى جريدة (الأخبار) في (سبتمبر 1952) فى الصفحة الأولى بجانب صورة كبيرة لـ(عبد الناصر).. ومع بقية المقال نشرت صور باقى ضباط القيادة من أعضاء المجلس وفى هذه المقالة طلب (عبد الناصر) من (مصطفى أمين) أن يوحي للقارئ بأنه بطل الثورة ورئيسها الذي يختفي فى الظل.. فثار المقال الفتنة بين صفوف (حركة الضباط الأحرار) وكان ضباط المدفعية قد بدأوا في رصد إنحرافات ضباط القيادة، فقد ترك أحدهم شقته واستولى على أحد قصور الأمراء حتى يكون قريبا من إحدى الأميرات.. وكان لا يتورع أن يهجم على قصرها بعد منتصف الليل وكثيرا ما طلبتني الأميرة لإنقاذها من ذلك الضابط الذى تصور أنه ملك جديد.. وعندما حاولت أن أثنيه كان يقول إننا نسترد جزء مما دفعناه لسنوات طويلة (مهزلة).. وانتشرت فضائح كثيرة لضباط القيادة وصدمت هذه الفضائح باقى الضباط الأحرار الذين كانوا يتصفون بالمثالية، فحمل بعضهم هذه الفضائح وواجهوا بها ضباط القيادة لكنهم لم يسمعوهم وقرروا التخلص منهم.. وكان لابد حتى يتخلص ضباط القيادة من أصوات المعارضين التى تواجههم أن يلفقوا لهم التهم المناسبة للقضاء عليهم.. وتطور إسلوب التلفيق من تحضير شهود زور كما فى قضية المدفعية إلى العنف والقسوة فى معاملة المعارضين لهم داخل السجون حتى يعترفوا بجريمة لم يرتكبوها كما حدث مع (حسني الدمنهورى)- أحد ضباط سلاح الفرسان- وفى كل الحالات كان ضباط القيادة هم الخصم والحكم وكلما كان أحد المعارضين يختفى وراء الشمس أو يسقط كلما كان ضباط القيادة يزدادون قوة وعنفا ودكتاتورية وإذا زادت دكتاتوريتهم زاد إنحرافهم إلى أن أصبحوا أباطرة جلادين).

وإستكمالا لحديث نجيب: (ذات صباح كنا أنا و(جمال عبد الناصر) نركب سيارة ونتجه إلى نادي الضباط فى الزمالك نهنئ الضباط بعيد الأضحى فهمس لي (عبد الناصر): لقد اتخذنا قرارا أرجو أن توافقنا عليه وهو أن يأخذ كل عضو من أعضاء مجلس القيادة 10 ألاف جنيه وتأخذ أنت 14 آلاف فيكون المجموع 134 ألف.. وقد طلبت من (زكريا محيي الدين) أن يحجزهم لنا من النقود الجديدة.. فصرخت فيه: اسكت وأخدت أهاجمه على إستباحة أموال الشعب لنا فضحك ضحكة عصبية وبعد أن تمالك نفسه قال صدقنى أنا كنت بامتحنك.. وفي مرة ذهبت لزيارة أحد أعضاء مجلس القيادة فى منزله فوجدت عنده فنانا يصنع له تمثالا يكلفه 200 ألف جنيه وكنت أعرف أن حالته المالية لا تسمح بذلك.. وفى مرة عرفت أن ضابطا خسر على مائدة القمار مئات الجنيهات فى ليلة واحدة. كانوا لا يرون أمامهم إلا الحكم والنفوذ والسيطرة واللعب بأقدار البلد ومصائر أهلها، ومع ذلك لم تكن لهم أي خبرة فى ذلك ولم يحاولوا أن يتعلموا أو جربوا فى الشعب أو تصوروا أن أساليبهم فى القيادة هي نظريات جديدة فى تسيير البلد).

فأي ثورة هي تلك.. والتي قامت على مبادىء الدعاية السياسية والشعارات التى تبرر القمع والإستبداد المطلق وعلى رأسها شعارات القومية العربية الزائفة التى ألغت الأحزاب فى العالم العربى وعملت على التخريب الشامل للحياة السياسية، حيث تركزت كافة السلطات فى يد الحاكم المطلق- وحده- هذه الشعارات الناصرية الهوجاء التى هلل لها الكثير من القوميين العرب كانت هى السبب الأول فى كافة الإنتكاسات ومنها 1956 و1967 كما أورث (عبد الناصر) الدكتاتورية فى الأنظمة العربية بعده والتى تمثلت فى نظام الرئيس الراحل (صدام حسين) ومفهوم (البعث) و(التحرر).. وتلك الشعارات التى أسقط بسببها صدام عام 2003 وأيضا النظام السورى الظالم الجاثم على صدور السوريين منذ ست عقود والذى تقوم ضده ثورة الأن، كان هذا ماخلفته سياسة عبد الناصر المتمثلة فى حكم الفرد الواحد مطلق الصلاحيات كما تمثل تاريخ (عبد الناصر) الأسود فى إعدامه وتعذيبه لكل من يعارضه وعلى سبيل المثال: (سيد قطب) المفكر الحقيقى لثورة 1952 والذى قال عنه أستاذه الدكتور (مهدى علام)، فى تقديمه لرسالة (مهمة الشاعر فى الحياة) التى ألقاها سيد قطب كمحاضرة فى دار العلوم، فقال عنه: (لو لم يكن لى تلميذ سواه لكفانى ذلك سرورا وقناعة، ويعجبنى فيه جرأته الحازمة التى لم تَسْفَهْ فتصبح تهورا، ولم تَذِلّ فتغدو جبنا، وتعجبنى فيه عصبيته البصيرة، وإننى أُعِدُّ (سيد قطب) مفخرةً من مفاخر دار العلوم).

أي ثورة تلك.. التي حرّمت وجرّمت الأحزاب وكانت في عهد الملك (فاروق) تتمتع بكل الحرية وتخرج في مظاهرات، وهو الذي نكّل بالمثقفين والمتعلمين، وخرّب المدارس حتى وصل التعليم إلى الدروس الخصوصية.

أي ثورة تلك.. والتي خلقت بين طياتها إمتهان القضاء المصري الشامخ والتمثيل به علي شاكلة نوادي للقضاة.. مثل أي نادي للكرة والسباحة، بل وألغيت دولة القانون وجاء بمصطلح إستباحة الشعب بالإسم الجديد (الشرعية الثورية) وصدره إلى كل لصوص الإنقلابات العرب، ليعيثوا فسادا في حرية وشرف ومال الشعب المسكين، فبإسم هذه الشرعية الإجرامية.. تقوم عليها قوانين الطوارئ والضبطية القضائية.
أي ثورة تلك.. تمنع فيها الصحافة الحرة لتصبح صحافة حكومية تابعة له وشريكه (محمد حسنين هيكل) النكسة، تسبح بحمده ولا تكشف مايرتكب في حق الشعب المصري، حيث استولى صديقه هيكل على مؤسسة (الأهرام) من أصحابها وملاكها (مصطفى وعلى أمين).. وزج بـ(مصطفى أمين) في السجن بإعتباره عميل للأمريكان! ليصبح (هيكل) المراسل الحربي سابقا هو المالك الحقيقي للصحيفة! والإنقلابيون لايستحون في سرقة الممتلكات الخاصة للمواطنين.

أي ثورة تلك.. التي أوجدت المخلوع- كلب تل أبيب- و(عمر سليمان)- جرو تل أبيب- الذين يفاوضوا إسرائيل في كل ما يحقق مصالحهما ذهاب وعودة، حتى تقطعت أحذيتهما ونُكل بهما بين سجن وقتي (الدنيا).. وسجن أبدي (الآخرة).

لقد كان (عبدالناصر) مجرد مدائح وتواشيح، وشعوبنا تعيش دائما على أسطورة (الفارس الذي جاء به القدر!) الذي يصنع لها كل شئ، وعلى رأس هذا الشئ هزيمة وخراب مثل الذي تعيشه سوريا الجاهلية اليوم تحت السلطة البعثية الغاشمة.. لنأتي بالنهاية ونقول: أي ثورة تلك.. سوي أنها أكذوبة ثورة 23 يوليو. دمتم في رعايته.