“لم يوجد شئ فى البدء سوى الروح الأزليه التى تهيم على المياه الأبدية , و التى تتجسد فى (الواحد القديم) الذى يشتمل على (اللانهاية – العمق العظيم – الظلام الدامس – اللارؤيه) , فهو الأصل الأول للوجود و لكل شئ موجود”.

فى الحقيقه نحن هنا لا نستعرض سوى أسطورة من أساطير الخلق الفرعونية و التى كانت سائدة فى الفلسفه الأشمونية لتفسير الوجود , و لكن الغريب هو تطابقها حرفيا مع ما جاءت به الأديان لاحقا من شروحات لقصة خلق الكون , ففى جزئية (لم يوجد شئ فى البدء سوى الروح الأزليه التى تهيم على المياه الأبدية) نجد أن العهد القديم يقول (وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ) و فى المقابل نجد ان القرآن يقول (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) و هو ما يؤكد عليه الحديث النبوى القائل بـ (روى البخاري عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن نَاسا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ سألوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالوا : جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ ؟ قَالَ : ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)) .

أما بالنسبه للنظر إلى خصائص الروح الأبدية نجد ان أولى خواصها هو اللانهايه أو الأزلية و هو ما يتفق مع العهد القديم فى القول بـ أزلية الإله كما فى (“مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ” المزامير – ٩٠ : ٢) , و نجد أيضا التأكيد الغير مباشر فى سفر التكوين فى الايه الاولى (فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ) , و هو ما يقول أن الإله كان موجودا قبل أن يبدأ فى عملية الخلق و هو ما يقول بالأزليه الإلهيه , أما بالنسبه للقرآن نجد أن الاية 3 من سورة الحديد كانت مباشرة و صريحه حين قالت (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) , أما عن الأحاديث النبوية فالأزلية تظهر فى أكثر من موضع فمنهم الحديث المذكور سابقا و بالتحديد الجزئيه القائلة بـ (“كان الله ولم يكن شىءٌ غيرُهُ”) أي أن الله موجودٌ في الأزلِ لا ابتداءَ لوجودِهِ ولم يكن في الأزلِ معه شىءٌ , و يظهر الإعتراف بالأزليه أيضا فى الحديث المروى عن مسلم فى صحيحه و القائل بـ (عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنت الأول فليس قبلك شئ، وأنت الآخر فليس بعدك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شئ).

ثم ندخل فى خاصية العمق العظيم و الذى يفسر بعمق المعرفه الإلهيه و القدرة المطلقه و هو ما يظهر فى فى العهد القديم فى الايات التاليه (وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا) و (فَقَالَ لأَبْرَامَ: “أعلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ) و (وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْ‍مَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ) و (وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ وَيَعْرِفُ ‍مَعْرِفَةَ الْعَلِيِّ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ سَاقِطًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ) , و هو ما ينطبق مع التأكيد القرآنى المستمر على المعرفة المطلقة للإله و المتمثلة فى ذكر كلمة عليم فى العديد من الآيات القرآنية مثل (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) و (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) و (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) و (وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) و (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) و أيضا بذكر بعض الآيات المتعلقه بسعة علم الإله و معرفته لما لا يعرفه البشر مثل (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) و (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السمواتوالأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر النّاس لا يعلمون).

ثم تأتى الخاصية الثالثة و هى الظلام الدامس , و هى تفسر أن الروح الأزليه يحيط بها ظلام معتم لا تظهر من خلاله بذاتها و لكنها تظهر بقدراتها , و حينما نقرأ فى العهد القديم نجد أنه أكد على هذا فى اكثر من أيه مثل (‮وَقَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ نُورٌ”، فَكَانَ نُورٌ) و (وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً) و هو ما يتم تأكيده حين نجد أن الآيه الرابعه من الاصحاح الاول فى سفر التكوين تقول (وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا) و هو بداية ذكر الليل و النهار منفصلين و نجد تأكيد آخر فى رسالة كورنثوس الثانيه فى الاصحاح الرابع الايه السادسه (لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ:”أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ”) و نجد أيضا فى سفر المزامير الايه القائله بـ (لَكَ النَّهَارُ، وَلَكَ أَيْضًا اللَّيْلُ. أَنْتَ هَيَّأْتَ النُّورَ وَالشَّمْسَ) , اما عن القرآن فنجد العديد و العديد من الآيات التى تذكر الليل مقدم على النهار و هو ما أرجعه المفسرون إلى أن الأصل هو الليل مثل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) و (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) و (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) و (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) ثم يعترف بها الإله صراحة فى شرح عملية الخلق المذكورة فى سورة النازعات حين يقول (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا).

و الآن نأتى إلى الخاصية الأخيره من خواص الإله و هى اللارؤيه , و هى عدم إمكانية رؤية الإله من قبل البشر مهما كانو , ففى الإنجيل نجد أن رؤية الإله غير ممكنه تبعا لما قيل فى إنجيل يوحنا 1 : 18 (الله لم يره أحد قط) و أيضا ذكر فى نجيل يوحنا 5 : 37 (والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته) و أيضا يقول بولس الرسول فى الرسالة الأولى لتيموثاوس 6 : 16 عن الله : (الذي لم يره أحد ولا يقدر أن يراه) , أما بالنسبه للقرآن فنجد أن رؤية الإله رؤى العين مستحيله إلا فى حالة واحده فقط و هو يوم الحساب او يوم القيامه فنجد ذلك مذكور فى الأية التى تقول (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) و أيضا فى الآيهالتى تحدثت عن ملاقاة موسى لربه و التى تقول (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).

و فى النهاية , نجد أن صفات الإله و خصائصه المطلقه فى الديانة المصرية القديمه و مقارنتها بصفات الإله و خصائصه فى الديانات السماويه الثلاث (اليهوديه و المسيحيه و الإسلام) متشابهه إلى حد كبير قد يصل إلى حد التطابق و هو ما يقول ان الفكر الدينى على الرغم من إختلاف محتوياته و إختلاف منشاه يكون مشترك فى السمات الأساسيه التى تحدد قوامه الداخلى و المعتمد على تبجيل الإله و إعطائه صفات و قدرات خارقه و مطلقه لا يمكن إيجادها بـ اى حال من الأحول فى العنصر البشرى على إختلاف العصور .