خرجت علينا دار الإفتاء بفتوي تحرم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان و عدم إعتباره من الحريات الشخصية, و دار الإفتاء مش أول مؤسسة رسمية تأخذ موقف في القضية ده ففي سنة 2009 قامت وزارة الداخلية تحت حكم مبارك بحملات قبض علي المجاهرين بالإفطار بدعوي مخالفتهم للأداب العامة.موقف الدولة الثابت قبل و بعد الثورة واضح و إنعكاس حقيقي لثقافة الشعب المتغلغل فيها الفاشية و السلطوية حتي النخاع و كذلك إنعكاس حقيقي لعدم نضج الملايين من البشر اللي المؤسسات دي, أولا و أخيرا, منهم و بهم. و لكن الجديد الذي يستحق التعليق و الإفناد هو جزم دار الإفتاء بأن المجاهرة بالإفطار ليس حرية شخصية و هو تعليق غريب أن يأتي من مؤسسة دينية و كأن التحريم و التجريم يحتاج مبررات و تصنيفات و ليس نصوص قاطعة أو علي أقل تقدير أراء فقهاء لا صوت يعلو علي صوتها.

ما هي الحرية الشخصية؟

الحرية الشخصية بإختصار هي إمكانية الفرد بدون إجبار أو ضغط أو ترهيب أو تخويف أو تجريم على إتخاذ القرارات وفقا لضميره أو مصلحته الشخصية بشرط أن لا يكون ذلك علي حساب حرية فرد أخر.

و بناءا عليه فإن

1- المجاهرة بالإفطار حرية شخصية لأنها نتيجة طبيعية للسماح للفرد بممارسة حقه في الإختيار في شأن شخصي و التصرف علي أساسه في مجتمعه وفقا لضمير هذا الفرد.

2- المجاهرة بالإفطار حرية شخصية لأنها لا يمكن إعتبارها بأي حال من الأحوال تعدي علي حرية أفراد أخرين في ممارسة شعائرهم الدينية. فالتعدي علي حرية الأخرين يستوجب العرقلة أو المنع أو الترهيب.

3- المجاهرة بالإفطار حرية شخصية لأنه لا يجوز إقران “إحترام الأخرين” بإجبار الفرد التخلي عن حقه في ممارسة حياته بشكل طبيعي لأن في ناس تانية, سواء أغلبية أو لا, إختاروا ممارسة طقس ديني.

المزيد عن حجية “إحترام الأخرين”

لاحظ أن تعريف الحرية الشخصية إشترط فقط بأن لا تكون هذه الحرية تعدي علي حرية فرد أخر. و صحيح أن الشرط يتعدي الجانب المادي (مثل المنع أو التجريم أو المعاقبة) إلي الجانب المعنوي (الترهيب و التخويف) و لكن لا يمكن تمديد الجانب المعنوي لـ”إيذاء مشاعر الأخرين” بممارسة الفرد لحريته لسبب وجيه و هو أن الأذي العاطفي, أيا كان السبب, لا يسلب حق و لا يمنع فرد في ممارسة شعائره. بل أكثر من ذلك يبدو هنا “الأذي العاطفي” بسبب ممارسة فرد ما لطقوس أو شعائر أو حياته بشكل لا ديني أمر غير مبرر و غير عقلاني و بالتالي لا يجب الأخذ به.

 ثم إذا تم إتخاذ “مشاعر الأخرين” كمنظم للحريات الشخصية فسننتهي إلي إحدي نتيجتين: أن يتم إعتماد نموذج واحد لتنظيم الحريات بما لا “يؤذي مشاعر الأخرين” علي أساس الأغلبية (بغض النظر عن مشاعر الأخرين لأنهم أقلية) – أو أن تتشابك مشاعر المجتمع في عقدة لا نهائية و تزداد الإعتبارات و بالتالي الحاجة لتحديد و تقييد الحريات حتي لا يشعر فصيل ما (سواء طبقي أو ديني أو فئوي) بالإساءة. و في كلتا الحالتين أصبح لا مجال للحديث عن حريات الفرد أو حقوقه – و من الأخر كدة – بقينا بنتكلم عن مجتمع من “البيبيهات”.

علي جانب الأخر – لازم الواحد يسأل: هو يعني إيه إحترام بالضبط؟ أنا شخصيا أري أن من درجات الإحترام أن أري في المجتمع و دائرتي الإجتماعية نضج كافي يسمح لي أن أكون علي طبيعتي و سجيتي (سواء كنت متدينا أو علمانيا). أما عكس ذلك فهو ليس إحترام بل هو نفاق أو خوف ليس أكثر و لا أقل. و لا يأخذ علي ذلك أن البعض يختار التضامن و المشاركة مع الأخرين: فبعض المسيحيين يصوموا مع أصدقائهم المسلمين أو يمتنعوا عن الأكل و الشرب أمامهم – و ده خيار شخصي (قد يبدو للبعض راقي أو جميل) و لكنه يتحول لقبح شديد إذا كان بالإجبار أو إذا كان عرف منتظر من الجميع الإلتزام به و إلا ….

أخيرا – و لأن الحرية الشخصية ليست في فلك لوحدها و لكنها مقترنة بمفاهيم مثل العدالة و المساواة – لماذا ينظر إلي المجاهرة بالإفطار علي أنها تعدي علي حقوق الأخرين و أذي لمشاعرهم؟ فإذا كان الصيام يستوجب أن يلتزم به الجميع بغض النظر عن رغبتهم أو هويتهم الدينية (كما يريد له البعض) – فبالأحري أن يتم تجريم الصيام و ليس المجاهرة بالإفطار لأنه يؤذي مشاعر الأخرين و يتعدي علي حرياتهم في الأساس!

الإحترام, كما أفهمه, لا يسير في إتجاه واحد و لا يأخذ في الإعتبار أغلبية أو أقلية. الإحترام, كما أفهمه, يبدأ بإحترام الذات و ذلك لا يتم بدون علي الأقل درجة من النضج و تحمل الفرد لقرارته.

خلاصة

هناك بديل لهذا العكك و هو أن يتطور المجتمع و يتسامح ذاتيا و يتصالح مع واقعه و مع ما يتناقله أفراده في المثل الشعبي “صوابعك مش زي بعضها”. و بالتالي يصوم المسلم بدون أن يتأذي من مجاهرة الأخرين بإفطارهم, و يصوم المسيحي بدون أن يتأذي أسياخ الشوارمة المعلقة في الشوارع, و يعيش الجميع وفقا لضميرهم في مساحة من الحرية تسمح للفرد, و بالتالي الجميع, أن يكون كما يريد و كيفما يريد بدون أن يكون هناك دائما حالة من الإستعداد للإستفزاز و التأذي.

أما إذا أراد البعض غير ذلك فلنسمي الأشياء بأسمائها. دار الإفتاء لا تضع إعتبارا للحريات الشخصية إذا ما تعارضت مع رؤيتها لشكل المجتمع الذي هو بصورة أو بأخري لا يختلف كثيرا عن  تصور أي مؤسسة دينية للمجتمع إذا شاءت لها الأقدار فستقولب المجتمع علي ما  يتوافق مع قيمها و تفسيرها للنصوص و التراث و سيكون واجب علي الجميع الإلتزام. و ده شيء لا يستوجب حتي التعجب – فمصر بعلمانية حكامها السابقين كانت علي درجة عالية من السلطوية و ستظل كذلك – لأجل غير مسمي – في قصر الرئاسة و دار الإفتاء و مجلس الوزراء و وزارة الدفاع و البرلمان و الشارع و البيت …. و النفس