بخلاف الديباجة التقليدية السخيفة عن كون سيناء بوابتنا الشرقية و ممر الغزاة من الفرس للعرب الخ الخ فإن هناك شئ لا أقرأ عنه الكثير في تبرير الإهتمام بسيناء ، إنه كونها جزء من التراب الوطني الذي لا نتعامل معه إلا بالتقديس فهو كعبتنا بكل ذراته لا يهمنا قدره أو محتواه و خطورته كمبرر للإهتمام به بل يهمنا أنه من ترابنا المقدس و لا قدسية تعلوه ، لذا فهذا المقال موجه لمن يرى أرض سيناء كديار بكر كأحمد آباد كالعيون كلها أرض مسلمين ملك لله فهذه النظرة المتخلفة لا أقرها بل أقر ترابنا الوحدوي فقط لا قبله و لا بعده للمصريين فقط لا لغيرهم ، هذا تراب مصري للمصريين فقط..

تتمحور مشكلة سيناء اليوم في أن الظروف التي عقدت فيها معاهدة السلام 1979 كانت مختلفة جذرياً عن ظروف مصر اليوم و للظرف الدولي كاملاً ، تلك المعاهدة حققت لإسرائيل شروط الأمن التي طلبتها منذ عام 1954 مع إتفاقية الجلاء و ما قبلها حيث طلبت إفراغ سيناء عسكرياً و طرد القوة المصرية من الحدود مقابل رحيل القاعدة الانجليزية بالسويس و لكنها لم تنجح ثم بعد نهاية حرب السويس 1956 إشترطت لأمريكا نفس الشروط و أرسلت للوسيط الملك سعود الذي نقلها لمصر ووافقت مصر مبدئيا و بعد الانسحاب تقدمت قوات الجيش و عادت لمواقعها بسيناء و غزة ، لكن بعد حرب الايام الستة كان من الضروري أن تصنع إسرائيل ضمانتين أمنيتين بإخلاء سيناء عسكريا ثم إزالة مصر من قائمة العدو ، كلف هذا مصر الكثير بسيناء فالأمن الحدودي منخفض و البعثة الامريكية العسكرية بسيناء 500 جندي مهمتها مراقبة الحركة المصرية و منع أي زيادة حتى لأسباب امنية و بالاضافة لإتفاق منح الاسرائيليين حق دخول جنوب سيناء لإسبوعين بلا تأشيرة تحولت سيناء لأرض شاسعة بلا حدود منضبطة و لا قدرة على العمل العسكري و لا ضمان لعدم تسلل مهربين من إسرائيل أو مقاتلين من غزة و ظلت المشكلة قائمة الى إحتجاجات 25 يناير حين تحولت سيناء لأرض خارج السيطرة المصرية من تسلل لفلسطينيين الى تهريب يومي الى تدمير لقوات الشرطة و الجيش القليلة من مجهولين الى ضرب أنابيب الغاز المصدر للأردن و إسرائيل ، أدى هذا إلى قيام مصر بعد إستئذان إسرائيل إلى إرسال 1000 جندي من الجيش و 250 آلية لسيناء بعملية النسر لتمشيط شبة الجزيرة منذ 9 أشهرو مؤخراً حدث ما جعلني أكتب هذا المقال معتمداً على المقدمة السابقة عن سيناء..

مؤخراً قام الرئيس الاستبن محمد مرسي بمنح الفلسطينيين حق دخول سيناء و مصر بدون تأشيرة في موقف هزلي سيكتب حتماً نهاية عملية النسر فالبحث عن مئات الارهابيين لمدة 9 شهور لم ينجح فما بالنا بهم و قد تحولوا الى ألف و ربما آلاف بحكم تدفق آلاف الفلسطينيين الى سيناء ، هذا القرار الغريب الغير مبرر له نتائج شديدة الخطورة على أمن سيناء و بشكل واضح فغزة محكومة من تنظيم مسلح و عدة تنظيمات صغيرة و كلها مسلحة متشددة دينياً و تصعب السيطرة عليهم ، هذا القرار عليه علامات إستفهام كبيرة لا حدود لها أمنيا و اقتصادياً و سياسياً..

* أمنياً كيف يمكن لسيناء بأمنها المترهل و قواتها العسكرية المحشورة بالمنطقة أ 40 كم بإتجاة الشرق و ممنوعة من مغادرتها أن تحفظ أمنها في ظل تضاعف بالمئات لأعداد الوافدين الفلسطينيين بما يمكن أن يأتي منهم؟

سيناء في حالتها الطبيعية بلا أمن و لا نظام فما بالنا بحشود فلسطينية تعبر بلا أدنى ضمان لنيتها و لا حتى جواز سفر يمكن من خلاله مطاردة أي شخص أو التحقق من خلفيات تحركاته السابقة؟

على أي أساسا و بأي ضمان أمني قام الاستبن محمد مرسي بالسماح لحشود بشرية غير مصرية بدخول أرض مزعزعة الامن بلا أي ضوابط  حقيقية و كيف يمكن حصرهم و إعادتهم لو إقتضت الحاجة هذا التصرف؟

إن محمد مرسي ربما يسدد لحماس فاتورة تهريبه من السجن يوم 28 يناير بالسولار الذي لا نجده و الغذاء و الطعام لكن أن يجعل الفاتورة له و لمكتب إرشاده الذي يتحكم كلية بالرئاسة أن يجعلها عبارة عن منح الفلسطينيين حق المرور الامن و حق الدخول و البقاء و حق المرور المستمر فهذه كارثة أمنية لا حدود لها من جنسية لا دولة حقيقية لها و لا إدارة نعود عليها بالحساب و لا أي ضمان أمني حقيقي لدينا بعدم قيام غزة بإرسال مئات الارهابيين الى سيناء.

* إقتصادياً ما قيمة الفلسطينيين بسيناء؟ .. يمكن تفهم أنهم منشطين لحركة الشراء لكن هل قيمتهم سوف تقف عند هذه النقطة أم ككل مرة يسمح لهم بالدخول أو يقتحمون فيها الحدود بالالاف سيقومون بتجريف كل الاسواق الى غزة لإعادة بيعه بضعف الثمن و إغراق السوق المصري بعملات مزيفة ، ما هي قيمة الفلسطيني الذي سيأتي ليستقر و يعمل في مهن هامشية بسيناء و تلقائيا بمرور الوقت سيظهر منهم إرهابيون صنعتهم البطالة بسيناء ، كيف تكون سيناء شحيحة الموارد إلا السياحة مقر و مستقر لحشود أجنبية بلا دولة أو جنسية حقيقية و نتصور أن هذا سيدعم السياحة المهلهلة أصلا ، هل الاستبن يعرف أن سيناء بحاجة لإعادة إعمار كبغداد و مقديشو؟؟؟

إن قدرات سيناء المحدودة المحددة أصلا بالسياحة لا يمكن أن تحتمل وجود حشود بشرية مستمرة في التدفق تتقاسم الموارد و تصنع أزمة بحجم المعروض من البضائع و تنشر عملات مزيفة كجزء من تعاملاتهم المألوفة فاقتصاد سيناء الضعيف سيتبخر مع تلك الأعداد التي لا جنسية حقيقية لها تضمن لنا حق العودة على دولتهم بالتعويض.

سياسياً فهذه الخطوة ستثير جنون الجناح اليميني بإسرائيل ، إنني لا أشك أن حكومة إسرائيل كانت على علم بالأمر ووافقت عليه أملا بأن تصير سيناء وطنا بديلا للفلسطينيين يوما ما  فقاعدة عدم وجود سيادة مكتلمة لدول الجوار على مناطق الحدود فعالة و لا بد من موافقة إسرائيلية على هذه الخطوة و إلا غضبت أمريكا التي يعتبرها السيد خيرت الشاطر حليفا استراتيجيا و إن كنت أجهل كيف يمكن أن يكون هذا صحيح ، اليمين الاسرائيلي لن يصمت و سيؤثر على الحكومة الاسرائيلية مستقبلا للتصميم على التشدد في أي طلب مصري لدخول مزيد من قوات الامن لسيناء حتى لا تكون حجة للعودة لأوضاع 4 يونيو 1967 ، كذلك سيحمّل اليمين مصر مسئولية أي عمل مسلح يقوم به متسلل من غزة عبر خط الحدود المصري الاسرائيلي الطويل، فاليمين لن يتحدث الى ميليشيا مسلحة بل سيتحدث لمصر مباشرة و بالطبع ستكون الولايات المتحدة في موقف تحميل مصر المسئولية الكاملة عن الأمر ، لا أفهم البعد السياسي المستهدف لهذا القرار و لا أعرف كيف سيتعامل الاستبن محمد مرسي مع أي أزمة لا هو و لا مكتب الارشاد الرئيس الحقيقي لمصر ، هذه الخطوة غير مفهومة سياسيا بالمرة و لا نتائجها معروفة و لا قيمة سياسية لها أبداً بل إن ضررها الناجم عن موقف اليمين الاسرائيلي و الضرر الحتمي مستقبلا مع اي عملية فلسطينية لن يكون الا على حساب مصر فالفلسطيني بكل بساطة سيعود لأرض لجوئه و لتحترق سيناء لا يهم فهي ليست أرضهم و هم لن يتحملوا مسئولية شئ.

*بالعام 1954 عرضت على مصر فكرة توطين فلسطيني بسيناء موازية لفكرة الاردن كوطن بديل و لأن الحكم الناصري ليس كحكم مكتب الارشاد فقد ازيلت الفكرة تماما و حلت الاردن محلها لكن الملك الحسين طحن الميليشيا الفلسطينية عامي 1970 و 1971 و طردهم الى لبنان حيث ساهموا بإشعال الحرب الاهلية لاحقاً و بالتالي تسهيل العودة للفكرة الاولى فإسرائيل لن تقبل الا بكنتونات محصورة بالضفة القدس ليست منها بالاضافة لغزة التي تحيا بإنبوب اسرائيلي و رضا مصري مشروط بموافقة أمريكية ، سيناء فراغ كبير بلا أمن و لا موارد حقيقية مغرية لإسرائيل للدخول اليها و قيمتها في كونها أرض شبه فارغة تصلح كوطن لمن لا أرض له و هنا أضع أنباء شراء بعض الفلسطينيين للأراضي بسيناء بالمخالفة لقانون تملك الاجانب للأرض وهو كارثة، فهؤلاء لا أرض حقيقية لهم و لو تملكوا لن يرحلوا أبداً ، من الصعب توطين مئات الالاف بسيناء لكن اليوم من السهل دخولهم و هذه خطوة أولى خاصة مع فكرة الشريك المصري الذي يشتري الارض و يقاسمه فيها فلسطيني بحيث نجد توطين مستتر ، سيناء في خطر كوطن بديل محتمل و نحن لا نعرف في الاستبن مرسي و لا جماعته أي وطنية تقدس أرض مصر بل يرونها قطعة من أرض الله للمؤمنين -!- لا يحتكرها احد و الحدود مفتعلة من الاحتلال كما أوردها حسن البنا في ديباجة جماعته..

ختاما فسيناء قنبلة أمنية و مصدر تهديد سياسي و عسكري فليس مقبول ان يسمح لمن لا جنسية له (جنسية حقيقية تمنحنا حق العودة على دولته)  أن يدخلها دون إجراءات معقدة و لا يسمح لأحد الاجانب بتملكها أو المشاركة فيها و الاهم وضعها الامني الذي لا يسم بالمزيد من البشر المتدفقين اليها..

سيادة الاستبن لو سمحت إرفع أنت و مكتب إرشادك أياديكم السوداء عن سيناء..