عدة أحرف بالدستور، يتخيلها البعض (عدة أحرف) ولا يدرون أنها قادرة على هدم الدولة المصرية المعاصرة، وبناء على حطامها دولة جديدة لها هوية أخرى، دولة خارجها مدني داخلها (ديني) دولة تكون الولاية فيها ليس لرئيسها ولا لمجلس شعبها ولكن الولاية لم ولن تكون فيها، إلا للشيوخ، وهنا تصبح أركان الدولة الدينية، قد اكتملت.

المادة الثانية من الدستور المصري، والتي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، السلفيين ومعهم الجماعة “المحظورة” يريدون تغيير عدة أحرف بالكلمة لتصبح (أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) الفرق بين الجملتين كلمتان، في طريقة الكتابة، ولكن الفرق في التطبيق كثير، كثير جداً وقد يحول مصر من اتجاه إلى اتجاه آخر، لن يكون أفضل على كل الأحوال.

المبادئ، والأحكام، كلمتان خفيفتان في الميزان، خطرتان جداً في التطبيق، فالمبادئ وكما نعرف جميعاً حينما أراد الرئيس الراحل أنور السادات أن يعدل مادة بقاؤه في الحكم والسلطة وكان له أن يعدل هذه المادة مع تعديل مادة خطيرة في الدستور المصري هي المادة 77 من الدستور ليكون وجود حاكم مصر إلي الأبد منذ توليه عرش مصر إلي لحظة دخوله القبر محمولاً علي عربة مدفع موشح بعلم مصر .

ونعلم جيداً، الوباء الذي أصاب مصر، من تحالف السادات، مع هؤلاء المتأسلمين والذي انتهى بتكفيره وقتله، ليركب مبارك مصر بدستور السادات ويتحول إلى (فرعون) جديد، كل هذا من مجرد (مبادئ) أما لو تحولنا ببركة المجلس ومعه السلفيين والإخوان إلى أحكام فالنتيجة ستبقى كالتالي:

(دولة تحكمها أحكام الشريعة، لذلك فلم يحكمها القانون، لأن أحكام الشريعة من اختصاص الفقهاء، والفقهاء سيتحولون إلى (باباوات) مثل (باباوات) أوروبا في عصور قبل النهضة، يعني الخلاصة، سنتحول وبالتصوير البطيء إلى، دولة دينية، لذلك تجدوا كل هذا الدعم للمرشح السلفي (أبو إسماعيل) لأنه وببساطة هو القادر على تحويلها إلى دولة دينية، لأنه أقدر الناس على تقبيل يد العلماء)

إذاً فليس الموضوع مجرد تعديل دستوري، إنما هو تعديل نظام دولة من دولة (مدنية) تعترف بحقوق الجميع، ويرضى عنها الإسلام كما سنرى في السطور القادمة، إلى دولة دينية اقتلعها الدين الإسلامي من جذورها.

وللتعرف أكثر عن الدولة الدينية كما أوردها الشيخ (علي عبد الرازق) في كتابه الرائع (الإسلام وأصول الحكم) عن الخليفة أو الرئيس في حالتنا هذه، يقول الشيخ:

“وبيان ذلك أن الخليفة عندهم يقوم في منصبه مقام الرسول (ص)، وقد كان (ص) في حياته يقوم على أمر ذلك الدين، الذي تلقاه من جانب القدس الأعلى، ويتولى تنفيذه والدفاع عنه، كما تولى إبلاغه من الله تعالى، ودعوة الناس إليه.

“وعندهم أن الله جل شأنه كما اختار محمداً (ص) لدعوة الحق، وإبلاغ شريعته المقدسة إل الخلق، قد اختاره أيضاً لحفظ ذلك الدين وسياسة الدنيا به.

“فلما لحق (ص) بالرفيق الأعلى، قام الخلفاء من بعده مقامه في حفظ الدين وسياسة الدنيا به.”

ويتابع الشيخ حديثه عن الخليفة من وجهة نظر السلفيين، قائلاً:

“فالخليفة عندهم ينزل من أمته بمنزلة الرسول (ص) له عليهم الولاية العامة، والطاعة التامة، والسلطان الشامل، وله حق القيام على دينهم، فيقيم فيه حدوده، وينفذ شرائعه، وله بالأولى حق القيام على شؤون دنياهم، وعليه أن يحبوه بالكرامة كلها لأنه نائب رسول الله (ص) وليس عن المسلمين مقام أشرف من مقام رسول الله (ص)، فمن سما إلى مقامه فقد بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق، عليهم أن يحترموه لإضافته إلى رسول الله، ولأنه القائم على دين الله، والمهيمن عليه، والأمين على حفظه. والدين عند المسلمين هو أعز ما يعرفونه في هذا الكون، فمن ولي أمره فقد ولي أعز شيء في الحياة وأشرفه.

“عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا (ظاهراً وباطناً) لأن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله.”

فإذا وضعنا كل هذا في شخص “أبو إسماعيل” سنجده طبيعي جداً أن يؤيده “مجلس شورى العلماء”، وأن يتحول مناصرينه إلى مجموعة من الدراويش، يتخيلون المعجزة تلو المعجزة، وهذا طبيعي جداً لأنه الخليفة أو الولي عن الرسول، وهو القائم بأعمال الدين والدنيا من بعد الرسول.

والخليفة أو الرئيس (السلفي)، كما أوردنا مكفول بتطبيق الحدود، والحدود ليست إلا محاكم تفتيش كالتي كانت تقوم بها الكنيسة في القرون الوسطى، وتجد هؤلاء يصرخون ويتصارخون:

- أتمنعون حدود الله، يا كفار، يا أعداء الله.

وهذا الرأي ليست آراء جميع أئمة الإسلام، فعن الفقيه الإسلامي.. العز بن عبدالسلام. قال:

“في زمان شيوع البلوى إذا أصبح تطبيق الشريعة مؤدياً إلى ازدياد المنكر فإنه يحسن بالمسلم عدم تطبيقها.”

ويعقب الدكتور والمفكر والفيلسوف العظيم “مصطفي محمود” قائلاً:

“لقد فهم ذلك الفقيه العظيم أن حكمة الشرائع هي إقامة المصالح في الدنيا وأنها مرتبطة بالمنافع وليس لها حكم مطلق وأن مجالها محدود بوظائفها وزمانها.

“وبهذا المعنى نفسه لم يطبق النبي (ص) حد القطع على السارق في سنوات الحرب كما لم يطبقه عمر بن الخطاب في عام المجاعة.”

ويتابع الدكتور مصطفي قائلاً:

“ونفس هذا الكلام يقال للغوغائيين من الدعاة والسطحيين الذين يطالبون بقطع الأيدي والجلد كعلاج للفساد الموجود.. وهم لا يعلمون أن الفقه الإسلامي نفسه لا يوافقهم على هذا الفهم السطحي والغوغائي.. فالعصر باعترافهم عصر شيوع الفساد وشيوع البلوى، وبالتالي يستوجب فقهاً آخر ملائماً للظرف القائم.. لأن تطبيق الحدود العادية سوف يزيد المنكر نكراً.. فالوزير والكبير الذي يسرق مئات الملايين عن طريق العمولات لن تنطبق عليه شروط القطع الفقهية التقليدية وسوف يعُفى من القطع بينما النشال الذي يسرق خمسة جنيهات سوف تُقطع يده وفي ذلك ظلم فاحش وتشجيع للكل بأن يسرقوا وينهبوا بالوسائل الملتوية من عمولات ورشوة واختلاس وتزييف وخلافه.. وفي ذلك حض على عموم المنكر.”

وأعود في النهاية والعود أحمد، إلى إمامي الشيخ “محمد عبده” ورأيه في الدولة الدينية، فقال الإمام:

“أصل من أصول الإسلام أنتقل إليه، ومن أجله من أصل، هو قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها.

“هدم الإسلام تلك السلطة، ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عن الجمهور من أهله اسم ولا رسم. لم يدع الإسلام لأحد بع الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه. على أن الرسول عليه السلام كان مبلغاً ومذكراً، لا مهيمناً ولا مسيطراً. قال تعالى (فذكر إنما أنت مذكر ( 21 ) لست عليهم بمسيطر (ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط، لا في الأرض ولا في السماء. بل الأيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه, فما بينه وبين الله سوى الله وحده، يرفع كل رق إلا العبودية لله وحده.وليس للمسلم مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انحطت منزلته فيه، إلا حق النصيحة والإرشاد.”

ويتابع الشيخ الجليل، قائلاً:

“لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف.”

“لم ينتهي كلام الشيخ، والذي أعتبره رسائل لنا حتى نفهم، ولكن السطور لا تكفي لذكر نصائح الشيخ التي تغنينا عن العبث الصادر من مشايخ هذا الزمان.”

كلمة المحرر: أعتقد أن المقالة وافية بما فيه الكفاية، وحججها مُقتبسة من علماء الإسلام وشيوخه. من يودّ أن يتسيّد الشعب بدينه، أقول له أن العبودية ولت بلا رجعة. المواطنة هي كلمة السواء بيننا وبينكم، ولكل فرد حق أصيل في اقتناص حريته كاملة غير منقوصة.