يقول المثل كما تكونوا يولّ عليكم، والمقصود بالمختصر، أن القادة ما هم إلا إفرازات لشعوبهم، وبقدر ما كانت الشعوب “متخلفة، هاملة، مستكينة”، تولي قيادتها قائدا “هاملا” مثلها يزيد من ضيعانها ضيعانا ومن توهانها تيها. وإذا كان شعبها مستكينا، كان سهلا أن يخرج من بينهم قائد يزيد في استضعافهم ويمعن في إذلالهم، ويصبح هو الحاكم الأوحد ذو النور المستنير وحيث كل بعرة يضعها في الطريق تكون مشكاة لبقية الشعب يستنير بها ويكتسب الحكمة منها.

وبالتالي فإن الشعوب التي تمارس الديموقراطية ولا تقبل بالفساد لا بد أن يأتيها قادة عظام لا يلوون معها يميينا ولا شمالا، يقودونهم لأفضل مراتب العلم والشهرة، دون أن يبذل القائد جهدا. وبالرغم من أن الطرح الثاني صحيح في أغلب الأحيان إلا أن للأمر وجهة نظر أخرى أيضا.

ولكن قبل ذلك، لا بد من توضيح المقصود بكلمة تربية حيث يعرّفها أفلاطون بأنها كل ما يضفي على الجسم والنفس “كل جمال وكمال ممكن لها”. ويقول الدكتور رشراش عبدالخالق وزميله في كتاب عوامل التربية بأن التربية هي الرعاية الشاملة والمتكاملة لشخصية الإنسان من جوانبها الأربعة الجسدي والنفسي والعقلي والاجتماعي بهدف إيجاد فرد متوازن يستطيع إصابة قوته واستمرار حياته والتكيف مع بيئتيه الطبيعية والاجتماعية. كما تطلق كلمة التربية على كل عملية أو مجهود أو نشاط يؤثر في قوة الإنسان أو تكوينه.

أما التربية في نظر الفيلسوف الألماني أمانويل كنت فهي، ترقية لجميع أوجه الكمال التي يمكن ترقيتها في الفرد.

إن التاريخ يثبت أنه وفي عديد من الحالات فإن الأساس في عملية نهضة الشعوب، بل وفي دمارها أيضا هو ظهور قائد عظيم ومؤثر، ينهض بشعبه أو يدمّره ويأتي على آخره.

عادة ما تميل الشعوب إلى سياسة الإستقرار ولا تجنح إلى التغيير بشكل مستمر، وهذا أشبه بسياسة القطيع، فتميل عادة إلى استمرار الوضع الحالي فتتأقلم وترفض التغيير، حتى تلجأ جماعة منه، تكون عادة أكثر تنويرا، وترفض الإنصياع بشكل روتيني للوضع السائد، تبدأ همهمات من هنا وهناك، تنتشر كالأمواج التي يحدثها ارتطام حجر على سطح بركة ماء. ويستمر ذلك حتى يظهر القائد الذي يحمل على عاتقه مهمة إحداث التغيير، فينتفض الشعب، وعادة ما يكون نهوضه مدويا، فيرتفع ( ولا يسقط ) ضحايا ويكون التغيير مؤلما.

إذا فالقائد هو من يحدث التغيير في المجتمع. عندما ظهر مهاتير محمد في ماليزيا كرابع رئيس وزراء ما بين 1981 – 2003 كانت ماليزيا دولة زراعية مستوردة، تغيرت في عهده لتصبح دولة خدمات وصناعة بنسبة 90% من الناتج المحلي، وانخفضت نسبة السكان الذين يعيشون “تحت خط الفقر” من 52% عام 1970 إلى 5% عام 2002 وانخفضت نسبة البطالة إلى 3% فقط.

وعندما ظهر هتلر أحدث تغييرا في تاريخ وخارطة العالم، والأمثلة لا تعد ولا تحصى لأسماء ممن أثّروا في حياة شعوبهم بل وفي تاريخ الأرض كلها، سلبا وإيجابا.

إن مهمة القائد ليست تسيير الأمور وإلا كان موظفا لا قائدا. إن القائد الناجح هو من يرقب بعين ثاقبة مواطن الخلل فيتدخل فيها ويحدث تغييرا بها فيصلح ما كان فاسدا ويقيم ما كان معوجا، ويعمل على إعداد مواطن صالح بالأساليب الحديثة وبالأدوات الحديثة.

الشعوب بحاجة لمن يربيها، أي لمن يضفي عليها كل جمال وكمال ممكن، وهي الرعاية الشاملة والمتكاملة لشخصية الإنسان من جوانبها الأربعة، الجسدي والنفسي والعقلي والاجتماعي، بهدف إيجاد فرد متوازن، ومن ثم إستخراج مكامن الإبداع في كل فرد من أفراد الشعب. إن القائد الذي يسير على هوى الناس، فيداريهم في عيوبهم ويسير معهم على هواهم ويرتكب نفس أخطائهم، ليس قائدا ناجحا وإنما هو إمّعة. هو مقادا وليس قائدا.

إن تطوير الحياة السياسية لدى أي شعب هو أول لبنة في بناء دولة ناجحة إقتصاديا وبناء أشخاص متوازنين أكفّاء. وهمسة أخيرة في أذن القائد ( المقاد ) أن التاريخ لا يرحم، وإن الشعوب تخدع. من تظنه شعبا خاملا خانعا ( هاملا ) سيثور وسيحدث التغيير بنفسه. إن كل محاولات وأد ظهور قادة جدد، مؤثرين إيجابا في حياة شعوبهم لن تنجح. قد تعتقد أنك نجحت لوقت ما، لحين ما، لكنك إن سقطت فستعاني الأمرين وستذلّ إذلالا، لا ينفع فيه ندم، والشواهد في التاريخ ليست بالقليلة. هتلر انتحر، وموسليني علّق في الميدان والقذافي قتل بمهانة مميزة في الذل ومبارك يعاني الذل بأقبح أوصافه وغيره وغيرهم كثيرون.
الشعوب تحتاج لمن يربيها، وعلى من يقبل لنفسه أن يكون قائدا، عليه أن يكون ندا لتربيتها كما أسلف وإلا…. فليخل مكانه لمن هو أكفأ منه وأقدر.

وليد السبول
رئيس جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
[email protected]