الرجل الرأسمالي الخارق

في الفن، كما في الحياة، غالبًا ما تُحيل الإشارة إلى العبارة، وأحيانا تحل محلها، فتساويها، وأحيانا تُغني عنها وتلغيها، ولكن في الفن، كما في الحياة أيضًا، يتوقف عمق الإشارة ومغزاها على مدى عمق المُرسل، ووعي المُتلقي، ومساحة حرية التعبير والفهم المتاح بينهما.ـ

شاهدتُ فيلم “الطفل الخارق Astro Boy” ، من إنتاج عام 2009، ولكنه عرض في مصر منذ شهور، وهو فيلم للأطفال بتقنية الـ 3D، وقد سبق تقديم نفس الشخصية في مسلسلات كارتونية أخرى، حتى أصبحت الشخصية رمز للبطل الذي يحارب ويتحدى الأشرار مثل سوبر مان والرجل العنكبوت وغيرهم من الأبطال الذين لا ينتظرون تدخل الدولة وقوات الأمن وعمل القانون، بل يأخذون حقوقهم وحقوق من معهم فورًا. أحداث الفيلم سريعة لاهثة حول عدة شخصيات أهمها شخصية الأب عالم الفيزياء الحديثة وصاحب الإختراعات والإكتشافات العلمية الغير مسبوقة والذي يطور العديد من الأسلحة في المعمل السري الذي يموّله أحد المُرشحين للرئاسة دون علم الحكومة أو أي هيئة علمية بهذا المعمل، والعالِم أب لطفل عبقري يملك العديد من المواهب والقدرات، ولكن يموت الطفل في حادث خلال أحد التجارب؛ فيصنع الأب إنسان آلي يشبه إبنه وله نفس القدرات العقلية والنفسية، ومزوّد بأجهزة وأسلحة تمكنه من حماية عالم السماء من أي هجوم أو إعتداء. ثم تتوالى الأحداث وسط جو من المغامرات القائمة على صراع الخير والشر.ـ

من تأمل أحداث الفيلم، وقراءة ما بين المشاهد، بشكل مباشر أحيانا، تأويلي في أحيان أخرى، نجد الفيلم يتعرض لبيان الهوّة الطبقية في المجتمع بين الفقراء والأغنياء بشكل ساخر، فالأغنياء الرأسماليين يعيشون في “مدينة السماء” التي تحوي كل الفنون والعلوم الحديثة، حيث صفوة المجتمع من العلماء والأطباء والمهندسين وتتوفر لهم كافة الخدمات والرفاهية، بينما الفقراء والضعفاء والجهلاء وباقي الطبقات تعيش في عزلة داخل “مدينة الخردة الأرضية” حيث الجوع والمرض والتلوث، وفي مدينة السماء حينما يجدوا أي إنسان بلا قيمة أو غير قادر على العمل أو مرّ بأزمة منعته من الإبداع أو مُبدع توقف إبداعه، لا تتم محاولة تطويره أو الإرتقاء به أو مساعدته ودعمه، بل يتم التخلص منه بوحشية ونفيه إلى مدينة الخردة حتى لا ينقل مرضه وضعفه إلى باقي المجتمع النخبوي المُختار.

وفي “مدينة الخردة” وسط الحطام والدمار يقبع اليساريين، مجرد 3 أشخاص، ملامحهم مشوهة غير متناسقة، ضعاف البنيّة، عديمي المواهب، يضعون علامة الثورة “القبضة المضمُومة” على صدورهم ومُلصقاتهم، بل أن أحدهم يضع العلامة مقلوبة ويعتقد أن ذلك هو الصحيح!!؟، يجتمعون في غرفة مهترئة مزدحمة بالأوراق والبيانات والكتب كبيرة الحجم، وحولهم تظهر صور ماركس ولينين وثورة العمال على الحوائط بجميع الأتجاهات، والمدهش أنهم علقوا على باب الغرفة لافتة مكتوب عليها “المكان السري للتخطيط الثوري”، ثم يندهشون في كل مرّة من سبب إلقاء القبض عليهم رغم أنهم خلايا منظمة تعمل في صمت!!؟، دائمًا يختمون كلامهم بعبارة عفوية لكنها أصبحت بالتكرار لازمة كلامية مثل ” تحيّا الثورة، عاش كفاح الرفاق، الثورة قادمة “.ـ

في نهاية الفيلم لم تقم الثورة، ولم ينجح التخطيط اليساري المتمرد في الوصول أو الحصول على أي شيء، ولكن تم التغيير والإصلاح من خلال نظرة العطف والإنسانية التي نظر بها “سكان السماء” إلى “سكان الأرض” وإعتبروهم بشر مثلهم يمكنهم العيش سويًا دون أي مخاوف من إنتقال أمراضهم، بل ويمكن أن يحصلوا على بعض الإمتيازات والصلاحيات ليشعروا أنهم بشر أيضًا، ولكن دون أن يصلوا طبعًا إلى نفس مرتبة سكان أهل السماء!؟.

الفيلم وإن كان يتحامل بشكل قاسي على اليساريين والحركات المتمردة، ويعبر بطريقة شبه مُنحازة عن طرق التغيير والإنقسام المجتمعي الطبقي، إلا أنه ينقل جزء واقعي عن تجربة سياسية وإقتصادية تمرّ بها أغلب البلدان، ومحاولة غسل عقول الأطفال والكبار وتحديد الرؤى في طريقة النظر للعديد من القضايا.