رأينا فى المقالة السابقة كيف ان الهجرات السامية من جزيرة العرب تتجه شمالا الى وادى الرافدين بعد تصحر جزيرتهم ، وكيف بدات المراحل الاولى نحو تبخيس المرأة حتى يصل الامر الى تبخيس المنظومة الزراعية لصالح البدو الرعاة ، فرغم سيادة الاولى وتوسعها على حساب برارى الثانية الا ان الاسطورة تنقلنا الى وجهة نظر اخرى تقول : وان كان المزارع متفوقا فأن الراعى مشمول برعاية الآلهة .وهذا ماسنلاحظة فى اسطورة جلجاميش الرافدية بين دموزي الراعي و اخيه انكمدو المزارع حيث يتنافس الاخوان على الزواج من الالهه انانا وتبدا انانا تفضل بينهما لتنتهي باختيار الراعي ( وقد تنتهي بالعكس كما في مناظرة الرَّاعي أميش والفلاح إينتين بين يدي الرب إنليل، الذي يحكم للفلاح، دون أن يتسبب هذا الحكم بتحكم
الخصومة والانتقام بينهما )
ويقوم دموزي بعد ذلك باستفزاز اخيه الذي يظل متسامحا لابعد الحدود حتى يقتله في النهايه وتبدا تعاسه دموزي ونزوله للعالم السفلي الى نهايه القصه.
وهنا نلاحظ كميه التشابه الكبيره مع القصه التوراتيه ( قايين وهابيل ) حتى بتفاصيل التنافس على الزواج من نفس المرأه .
قابين وهابيل :
وان كانت ظروف الحياة فى الرافدين كمجتمع زراعى فى الاساس قد فرضت فى النهاية التوازن بين الراعى والمزارع ، فالراعى المهاجر اصبح فى النهاية مزارعا ، الا ان القبائل الاسرائيلية البدوية ابان السبى البابلى التقطوا هذه الاسطورة التى تعبر عن حالهم وهم شعب الله المختار الذى وقع فى الاسر بعد انهيار دولتهم ليجد نفسه بين حضارتين زراعيتين عظيمتين ( وادى النيل ووادى الفرات ) فكان طبيعيا أن يصب الراعي جام غضبه علي المزارع الذي تفوق بفائض الإنتاج ، ولهذا قتل المزارع الراعي في القصة التورانية ترميزا لتفوق الزراعي ولكن الراعي وإن كان مقتولا فإنه المفضل عند اله اليهود …. !!
” فنظر الرب هابيل وتقدمته وإلي قايين وتقدمت لم ينظر ” العهد القديم – سفر التكوين 4 –5 ولاتقدم لنا القصة سببا لتفضيل تقدمات الراعى على تقدمات المزارع .
اذن الاسطورة البابلية تنتقل الى التواره كقصة حقيقية ، ولكن التوراة وهي تسجل تاريخ المنطقة نقلت الواقع المعاش فى انتصار المزارع وقتله للراعى ، ولكن مع اختلاف النتيجة . هنا في الرواية التوراتية ، الرب يتقل من هابيل الراعي ولا يقبل من قابيل المزارع .. لماذا ؟
لأن الرب التوراتي في كثير من نصوص التوراة يفضل رائحة اللحم “محروقات اللحم” لأن شعب إسرائيل الذي اختاره الله وفضله علي العالمين ( … ؟؟ ) هو شعب بدوي يعيش علي الرعي ونتاجها من اللحم… طبيعي أن ينحاز لهم الههم الذي اختارهم . وحتى يتم تبخيس المزارع لصالح الراعي تقول القصة أن قايين المزارع يغار من منزله أخيه هابيل الراعي أمام الرب ، فيقتله ويكون بهذا ملعونا. انتهت الاسطورة وتم تبخيس المزارع لحساب الراعى .
تنتقل هذه القصة مع اليهود الذين هاجروا الى جزيرة العرب بعد انهيار دولتهم على يد الرومان عام 70 ميلادية وتكون ضمن كتابهم المقدس ( التوراه ) ليتلقفها البدو الرعاة فى جزيرة العرب فهاهى بضاعتهم التى نقلوها شمالا الى الرافدين مع هجراتهم الاولى تعود اليهم مع اليهود بعد ان صيغت صياغة مقدسة ضمن كتاب سماوى يتوافق تماما مع الواقع المعاش للقبائل البدوية العربية .
ولهذا نجد القرآن يوافق على كل ماجاء بالقصة التوراتية فينقلها موجزا فى الآية 26 من سورة المائدة : (: (وأتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق أذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) فبدو الجزيرة العربية كما بدو القبائل الاسرائيلية هم المتقين ….. ولاعزاء للفلاحين …!!
وبداية من الحلقات القادمة سنصل الى اصل الداء الكامن هناك فى جزيرة العرب ، لقد رأينا آثاره فى الرافدين مع الهجرات السامية الاولى ، ولكن مهم ان نعرف ان جرثومة المرض التبخيسية الاولى للمرأة بدأت من جزيرة العرب عندما انتقلوا مباشرة من مجتمع الصيد الى مجتمع البداوة ( والذى استمر حتى خمسون عاما مضت قبل اكتشاف البترول ) وما فرضها عليهم هذا المجتمع من الترحال والتقاتل بين القبائل من اجل الصراع على الحياة متمثلا فى بئر من الماء او مرعى من الكلأ ، ليشعر الرجل بأهميته وقوته فى حماية القبيلة فيفرض على المراة منظومة كاملة من التبخيس لتصبح فى النهاية اما استراحة محارب ، او غنيمة محارب ،او ماكينه لتوليد محارب .
فالى الحلقات القادمة .