أيهما أصعب على المرء أن يدفن ماضيه أم يدفن مستقبله؟
اليوم حملت حفيدي ذا عمر اليومين، ضممته إلى صدري بعد أن غسّلته، همس لي دون أن يسمعه غيري وقال لي لمَ يا جدي؟ لم كنت سببا في إتياني لعالمك؟ لم خذلتني يا جدي؟ لم لم تمنحني فرصتي أن أداعب لحيتك وأن تقبّلني على وجنتي؟ لمَ يا جدي؟ ماذا كان ذنبي أن عذّبتني لنحو ثلاثين أسبوعا في رحم أمي؟ هل أخطأت نحوك؟ هل أذنبت ذنبا ما؟ لم أعرف لحفيدي جوابا! ضممته لصدري وتمنيت لو شققت جوفي ونقلتك إليه، احتضننتك كما احتضننتك أمك! أكملت لك اكتمال كيانك من دمي ولحمي وروحي، يا جدي.
يا يحي، كما أسماك أبوك لثمان وأربعين ساعة. يا يحي لماذ أحيا أنا وتموت أنت. ألست أنت يحي؟ ألست أنت من يجب أن تحيا؟ يا يحي، ياااااا يحي أجبني.
وقفت على قبرك أرتقب تجهيزه لك، تمنيت أن يكون لي ولا يكون لك. رأيته كبيرا عليك. تذكرت يوم دفنت والدي ورأيته حينذاك بعيدا بعيدا وكأنني أدفنه في جوف بئر عميق، لم أر حتى ذلك اليوم قبرا عميقا وبعيدا كمثل قبره. أما أنت، فقد رأيت قبرك يتسع لي ولك. لولا بقية من خجل أمام والدك، ابني، لتكومت جوارك، واحتضنتك ورجوت أن يقفلوا الباب علينا، فأبقى وإياك.
هل تعلم يا جدي ماذا كان في خاطري وأنا أغسّلك، ورأسك الصغير أمامي وأعضائك كدمية بين يدي! كم لعبت في دمى أكبر منها، هل تعلم ماذا كان في خاطري حينذاك؟ كنت أود أن أسألك ماذا تحمل في رأسك من تاريخ بعد؟ أعلم أنه لم يمض عليك إلا يومين وأنت تتنفس الهواء، لكنني كنت واثق أنك تحمل في رأسك الصغير كل مستقبلي. ربما كنت بلا ماض لكنك مليئا بالمستقبل وقد دفنتك ودفنت مستقبلي معك.
سامحني يا جدي وحقك أن لا تسامحني. سامحني أن خذلتك ولم أمنحك من عمري. لا تسامحني يا جدي واقتص مني، وكيف ستفعل! أتلعثم ولا أعلم ماذا أفعل لك كي أكفّر عن ذنبي معك، ليست الأفكار تعجزني لكنها الكلمات. أحببتك يا جدي من قبل أن تولد، وأحببتك أكثر بعد أن ولدت، وأحببتك أكثر وأكثر وأكثر بعد موتك.
يحي… أنا لا بد آت إليك، لنحيا، فانتظرني ولا تبتعد.
وليد السبول
رئيس جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
[email protected]