قادتني الصدفة البحتة لمشاهدة فيديو قصير أعطاني جرعة  من الأمل كنت أحتاجها بشدة في ظل الأحداث الكئيبة التي تحيط بنا  من كل جانب ,  فبعد أن شاهدت هذا الفيديو  شعرت  أن  اختفاء التحرش الجنسي من الشوارع المصرية ليس مستحيلا  , فمع تكرار التحرش يوميا في الشوارع لم يعد مجرد  ظاهرة تثير الاستياء والامتعاض فقد تعود الناس على رؤيته  فلم يعد يثير داخلهم أي غضب أو ضيق بل أصبحوا يتعاملون  معه بسلبية شديدة تتراوح بين  إنكار حدوثه من الأصل إلى  الاستخفاف به  وتحويله لمادة للنكت والسخرية من الفتاة أو السيدة التي تتعرض للتحرش على أساس أن ملابسها ملفتة أو أنها شديدة الجمال رغم أن الواقع يثبت أن كل التحرش يطول كل امرأة مصرية بغض النظر عن شكلها وملابسها وعمرها  ,ولقد اعتادت  المرأة المصرية أن تواجه التحرش بالصمت والإنكار والتظاهر   بأن جسدها لم ينتهك  أو إلقاء اللوم على نفسها على أساس  أن التحرش هو الضريبة التي لابد أن تدفعها كل امرأة تمشي في الشارع  ,ولكن دينا عماد أعلنت رفضها لهذه الضريبة الظالمة .

دينا هي فتاة مصرية شابة جميلة ضئيلة الحجم ولكنها قوية الروح  تبدو عليها الرقة و يشع من عينيها الثقة بالنفس والإصرار,اعتادت أن تتعرض للتحرش بكل أشكاله فكانت تسكت  إتقاءا للسلامة وخوفا من ألا تتمكن من  إثبات حقها  أو أن تتحول من الضحية للمجرم في لحظة  ,كانت دينا  تمشي في الشارع بصورة طبيعية عندما فوجئت باقتراب شاب يركب موتوسكيل منها   , أمسك بجسدها في عجل  ثم انطلق بعيدا عنها ظنا منه أنه أفلت بفعلته الشنعاء ,شعرت دينا بالصدمة واستيقظ داخلها صوت  دفعها لأن تقول  لا  ليس فقط لهذا الولد ولكن لكل   لمن تطاول على جسدها أو ضايقها بكلمة أو نظرة أو حركة أو لمسة  فوجدت نفسها بدون  تفكير تجري ورائه  وهي تصرخ بأعلى صوتها  ,توقفت حركة الشارع وانتبه الناس  ثم أوقفوا الشاب   ,أخذت رقم الموتوسكيل ثم أصرت على أن تأخذ الشاب  لقسم الشرطة وتقوم بعمل تحرش له ,هرب منها الولد فخافت ألا تستطيع إثبات حقها و حاول كل من حولها ردعها عن عمل المحضر وتحذيرها أن  سمعتها ستتأثر سلبا  و أن الشرطة لن تفعل لها شيئا لها ,ولكنها ازدادت إصرار على إثبات حقها     , فأرسل الله أشخاص طيبين قرروا التعاون معها  فتطوعوا للذهاب لقسم الشرطة وإرسال الضابط بعربة الشرطة من أجل أن يتحفظ  على الموتوسكيل والذهاب للقسم من أجل الأدلاء بشهادتهم  معها .

ذهبت للقسم واتصلت بوالدتها وانتظرت والخوف والقلق يتصارعان داخل نفسها فخافت أن يفشل الضابط  في العثور على الشاب ولكنها عندما  رأته يدخل مع البوليس  ويديه مقيدتان من الخلف بالحديد  وعلامات الخزي مرسومة على وجه و عيناه مصوبتان للأرض خوفا أن تتلاقي  بعينيها  ,  تبخر خوفها وألمها في لحظات و غمرتها الراحة والسعادة وشعرت أن كرامتها قد استردت لها فلم تهتم بما سيحدث له بعد ذلك  لأنها  أعطته  درسا لن ينساه طول حياته  ,ولكنها لم تدرك أن الفعل الشجاع الذي قامت به سوف يساعد كل امرأة   على أن ترفع  رأسها وتمسح من عقلها   الأكاذيب والحجج الواهية التي لقنها   المجتمع الذكوري لها  حتى يسمح للرجل باستباحة أجساد الفتيات وامتهان كرامتهن   .

المثل الشائع يقول ” لا يضيع حق ورائه مطالب ” وما فعلته دينا يؤكد أن المرأة المصرية لا يجب عليها أن ترضي بلعب دور الضحية الرقيقة  للأبد ولا يجب أن تنتظر من أي أحد أن يعطيها حقوقها  ,وإنما لابد  أن تصارع لأخر رمق  حتى تحصل على حقها   ,فلو أصرت كل فتاة أن توقف المتحرش عند حده  فعلت دينا عماد فمع مرور الوقت سيرتدع كل من تسول له نفسه أن يمد يده على أي فتاة أو سيدة  وسيتوقف عن  التعامل معها كأنها  قطعة لحم شهية تمشي على الأرض وسيدرك  أنها إنسانة لها الحق مثله في ممارسة حياتها اليومية بكل حرية  .

  في النهاية أريد أن أحيي دينا لأنها فخر لكل بنات مصر    .

مدونة حكاياتي