سيظل يوم الأحد 24 يونيو 2012 محفورا في ذاكرة المصريين سواء فرحوا أو حزنوا لإعلان محمد مرسي رئيسا لمصر , ورغم أن الناس كانت تعلم أن كفة الفوز مرجحة لصالح مرسي حيث أن نتائج الفرز أكدت تقدمه على أحمد شفيق إلا أن جميع الأنظار كانت مثبتة على أجهزة التليفزيون في انتظار إعلان اللجنة العليا للانتخابات عن النتيجة رسميا وهناك أشياء كثيرة حدثت في هذا اليوم أسعدتني وأشياء أخرى ضايقتني وأزعجتني .

أسعدني أن مرسي هو أول يختاره المصريون بإرادتهم الحرة وهو أول رئيس مدني في تاريخ مصر الحديث , ولكن أحزنني أن نسبة لا بأس بها ممن صوتوا له اختاروه اضطرارا بسبب خوفهم من إعادة إنتاج النظام السابق في شخص أحمد شفيق فقد وضعوا بين اختيارين كليهما سيء فاختاروا من رأوه الأقل سوءا .
أزعجني أن لجنة الانتخابات لم ترحم أعصاب المصريين التي أنكهت طوال الشهور الماضية ولم تحترم قلقهم وخوفهم فلم تكتف بتأجيل إعلان النتيجة عدة أيام بل وصلوا متأخرين عن موعدهم بنصف ساعة ثم أصر المستشار فاروق سلطان على الإمعان في تعذيب الناس بإلقاء خطبة طويلة مملة ينفي فيها عن نفسه وعن اللجنة كل الشائعات التي حامت حول عملهم فاختلطت مشاعر الملل والغضب في قلوب الشعب وكاد بعضهم يصاب بانهيار عصبي , ولكن أسعدني أن هذا الانتظار الطويل جدا أجدي نفعا فقد خالفت اللجنة توقعات المتشائمين والخائفين من إلغاء الانتخابات أو تزوير النتيجة لصالح أحمد شفيق .
أسعدني فرح الناس وحماسهم وعودة البسمة والأمل والتفاؤل لقلوبهم لأول مرة منذ أن أعلن مبارك عن تخليه عن منصب رئيس الجمهورية و لكن أحزنني أن هناك نسبة كبيرة من المحتفلين بفوز مرسي أظهروا وضاعة شديدة في التعبير عن فرحهم بالانتصار وتصرفوا كأنهم أطفال كسبوا في مباراة كرة قدم في الشارع فأخرجوا ألسنتهم لمن صوتوا لشفيق واستمتعوا بإظهار الشماتة فيهم بدلا من أن يحاولوا تفهم سبب تصويتهم له كما أزعجتني الطائفية التي ظهرت في هتافات بعض أنصار مرسي فهذه الهتافات الغير مسئولة تثير الفتنة وتزيد من مخاوف الأقباط من تعرضهم للاضطهاد مع وصول الإسلاميين للحكم .
أسعدني أن انتصار مرسي أكد أن الثوار مازالوا كتلة حرجة وفعالة تستطيع التأثير في نتائج الانتخابات إذا اتفقت على دعم مرشح واحد , ولكن أزعجتني العبارات التي ترددت عن أن فوز مرسي دليل على نجاح الثورة فمن المعروف أن أجندة الإخوان ورؤيتهم تتعارض كليا مع أهداف الثورة ولكنهم نجحوا دعائيا في استغلال مشاركتهم في الثورة للترويج بأن مرسي هو مرشح الثورة وهو من سيأتي بحقوق الشهداء .
أسعدني أنه أخيرا أصبح لمصر رئيس شرعي منتخب بعد أن أمضت سنة ونصف في مرحلة انتقالية سيطر عليها الاضطرابات والمظاهرات والإحباط والقلق وبدأنا نشعر أننا ندور في دائرة مفرغة لن نخرج منها أبدا , ولكن أقلقني أنه حتى الآن لا أحد يعرف ما هي صلاحيات الدكتور مرسي على وجه التحديد فالكل يحاول تفسير الإعلان الدستوري المكمل كما يحلو له فهناك من يتوقع أنه سيكون سكرتيرا للمجلس العسكري ولن يحكم ولن يتحكم في مصير البلد بموجب الإعلان الدستوري المكمل الذي يعطي المجلس العسكري صلاحيات واسعة تبقيه متحكما في الدولة وهناك من يرى أنه سيملك صلاحيات تنفيذية واسعة ماعدا إعلان الحرب والسيطرة على القوات المسلحة ولكن مازلت الضبابية تسيطر على المشهد ولا أحد متأكد من أي شيء .
أسعدني أن القوي السياسية والثورية أبدت استعدادا للتعاون مع مرسي والعمل معه و ولكني استغربت أن القوى الثورية نست أو تناست أداء الإخوان المخزي في البرلمان واستئثارهم باللجنة التأسيسية وقرروا أن يعطوهم فرصة بدون أن يأخذوا منهم ضمانات حقيقية .
أعجبني أن فرحة الثوار لم تنسيهم أن فوز مرسي لا يعني انتهاءا كاملا للمرحلة الانتقالية فالمجلس العسكري ما زال يمسك بخيوط اللعبة السياسية في البلد , ولكن أزعجني أنهم وقعوا في الفخ الذي وضعوه الإخوان لهم لكي يضعوهم في وجه المدفع في معاركهم مع المجلس العسكري .
أعجبني خبر استقالة مرسي من الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين بهذه السرعة , ولكني ضحكت على من صدقوا أن استقالته تعني استقلاله عن الجماعة فمن يقرأ تصريحات محمد البلتاجي وصبحي صالح يتأكد أن مرسي سيظل دوما تابعا للجماعة وسيلعب مكتب الإرشاد دورا كبيرا في قراراته فبدون دعم الجماعة ماديا ودعائيا له لم تكن أصواته ستزيد عن الأصوات التي حصل عليها خالد علي .
أعجبني التواضع البادي على الرئيس الجديد وهو يلقى خطابه على الشعب وتأكيده على احترام المعاهدات الدولية واهتمامه بتقديم التحية لمختلف فئات الشعب المصري, و أضحكني أنها كانت أقرب لتحية يقدمها شخص للحاضرين في فرح شعبي قبل أن ينطلق في الرقص كما أنه لم يذكر في تحيته الساذجة فئات أخرى مهمة من الشعب منهم المثقفين والأدباء والإعلاميين والفنانين وهذه الفئات بالتحديد لديها مخاوف من تأثير وصول الإسلاميين على حرية الأعلام والإبداع .
هناك أشارات إيجابية كثيرة حملها فوز مرسي وفي نفس الوقت لم يمح فوزه مخاوف قطاع كبير من الشعب من أن يؤدي اعتلاء شخص ينتمي لتيار الإسلام السياسي لتحول مصر لنموذج أخر من باكستان أو إيران ويكذب من يقول أنه يستطيع التنبؤ بمستقبل مصر السياسي, فما يزال الضباب يغطي كل شيء حولنا ويمنعنا من رؤية الطريق الذي سنمشي فيه ولكن من المؤكد أن كل الأمور الغامضة ستتضح بمرور الأيام وإن غدا لناظره قريب .

مدونة حكاياتي