مليونيات لم نسمع عنها منذ ان ولدنا على هذا البلد إلا منذ ثورة الخامس والعشرون من يناير ولن  تضع ثورة يناير أوزارها، ولن تستقر الأوضاع في البلاد إلا بعد اكتمال المشهد  الأخير من الثورة  الذي لم نعد عرف أوله من آخره ولم نعرف هل هذه بداية لثورة جديدة أم أنه الفصل الأخير فى إستقرار المليونيات واستقرار البلاد

فمنذ عام ونصف و الشعب المصرى بدون رئيس وأمام ثوار أسقطوا نظاما، هكذا رسم المشهد الأول وهو مشهد ملىء بالأساطير العنكبوتية التي أيقظتنا منها محكمة «القرن» التي برأت النظام وأدانت الشعب، وهذا هو قدرنا لأن ثورة بلا قائد تعني «قضية بلا أدلة».

وإذا كان الشعب المصري قد عاش طيلة الأيام   الماضية بلا رئيس فإن هذه لن تدوم طويلا لأن معجزات المشهد لم تنته بعد، وما يدريك لعلنا نصحو بعد انتخابات الرئاسة فنجد أنفسنا أمام حالة معكوسة ويصبح المشهد المصري «رئيس بلا شعب» وهذه الحالة ليست من تنبؤات العرافين بقدر ما هي نتاج مخطط ممنهج يقول إن كل ما يدور حولنا هو ضرب من الخيال وإن كل المشاهد التي مررنا بها بدءا من اندلاع الثورة وحتى الآن هي مشاهد وهمية، وأن المشهد الوحيد الحقيقي الذي تلمسه بيدك في الشارع وفي المقاهي والتجمعات وداخل كل بيت هو مشهد «ملايين المرضي النفسيين» الذين بلغ عددهم نحو 18 مليون مريض بعد الثورة طبقا لأحدث الدراسات العلمية، أي أن الشعب ضحي بالآف الشهداء والمصابين من شبابه في بداية الثورة ليحصد في النهاية ملايين المرضى النفسيين مصابين بحروب الشائعات ومرض الترقب والحيرة والهلوسة .

إن ثورة 25 يناير غيرت في تركيب المجتمع المصري, فغالبية المصريين اتفقوا علي هدف رئيسي, وهو إسقاط النظام, وتم إخراج كل الشحنات الإيجابية من أجل تحقيق الهدف, وبعد سقوط النظام ظهرت مشاكل نفسية لدي المجتمع, لظهور فئات كانت مهمشة وأصبحت تبحث عن دور هي غير مؤهله له, فارتفع معها سقف المطالب بالنسبة لهؤلاء الأفراد, خاصة وأنهم يعانون ظروفا اقتصادية صعبة وبطالة, فانعكس ذلك عليهم في صورة مشاكل نفسية وعصبية مؤلمة .

أما عن الاكتئاب والإحباط الذى أصاب فئة ليست قليلة من الشعب المصرى أصبح الحل الوحيد من الخروج من مأذق المرض النفسى هو الهروب الى العقاقير الطبية والمخدرات وما يسمى بكبسولات النسيات والتى ظل الشعب المصرى يتعاطاها رغم عنه ودون أن يشعر طيلة فترة النظام السابق .

اعتقد المصريون  أنه لن يكون هناك مريض نفسي في مصر بعد زوال نظام مبارك، هكذا كانت تشير الدلائل، الا أن طول فترة الحمل وتعثر مرحلة المخاض واخفاء الادلة التي تكشف حقيقة المتورطين في قتل المتظاهرين، كل ذلك يدفع فريقاً آخر من المختصين للنبش في اضطراب ما بعد الصدمة، أو ما يطلق عليه الاضطرابات النفسية التي تصيب الشخص بعد التعرض لصدمة قوية، أو معايشة تجربة صعبة ومؤلمة،

هذا ليس ما أصيب به المصريون فقط بل هناك  ضحايا البورصة المصرية، و قطاع الطرق وخفافيش الاحياء المنسية، وإن نجونا من قطار الفلول لم ترحمنا قوافل الهجامة ولا كمائن البلطجية، الاضرابات أصبحت خيارنا والاعتصامات باتت ملاذنا، والاغتصابات والسرقات مصيرنا ، وفوق كل ذلك أصبح السراب هو مبلغ أملنا، فهل تنتظرون من شعب هذا حاله إلا أن يكون فريسة سهلة لسلسلة جديدة من الأمراض النفسية والعصبية » ، وهنا يأتي الفصل الأخير من المشهد وعنوانه: حمل كاذب لثورة المصريين.. ورئيس جديد ينتظره الملايين .

واليوم تتجدد المليونيات كما حدث فى الاسبوع الاول من الثورة وكأنه لم تكن هناك ثورة ولم يتعظ الطغاة ولم يعى المتفرعنين ولم يفهم العاقليين أن الشعب المصرى الذى عانى قرونا لم يبت نائما بل ظل وسيظل مستيقظاً حتى لا يخُطتف عمره وقوته وعرضه .

منذ سنوات طوال حكى لى بعض المنجمين عن ثورة مصرية سوف تطهر العالم كله من قمع الفساد والفاسدين وحدثنى عن شهداء ودماء ودموع وألم ولكن هل سيتمر هذا كل هذا واذا استمر فإلى متى ، لقد تشوق المصريون على الحرية الحقيقة وكل ما لديهم الان هو المليونية .