وضحنا فى المقالتين السابقتين وضع المراة فى الحضارة المصرية القديمة ، وكيف بدأت رحلة تقديسها فى البداية ثم انتهت بالمساواه مع الرجل ، ووضحنا الاسباب التى ادت الى ذلك .

استمرت حالة التساوى هذه طوال التاريخ المصرى وحتى عندما تعرضت للاحتلال الفارسى فى العام 525 ق.م ثم تلاها الاحتلال اليونانى فالرومانى لم تتغير هذه القسمة العادلة حتى جاءها السيد العربى بداية من العام 640 م حاملا معة مخزون ثقافى مختلف بالكلية عن المخزون الثقافى المصرى والتى سنتعرض لها ضمن هذه لدراسة ولكن ليس قبل ان نتعرف على تؤام الحضارة المصرية القديمة وحال المرأة فيها قبل ان يأتيها السيد العربى ايضا الا وهى حضارة بلاد الرافدين .

**  قبل حوالى 500 عام من قيام الدولة المصرية المركزية الكبرى قامت فى وادى الرافدين اول حضارة نهرية زراعية فى هذه المنطقة النهرية الخصبة ، وهى الحضارة السومرية والتى لم تكن دولة مركزية كمثليتها فى وادى النيل ، ولكنها استقرت على شكل دولة المدينة او دولة الاقليم والتى تتكون من عدة مشتركات قرويـة ضمن مدينة اكبر حيث ان الطبيعة الجغرافية للرافدين مفتوحة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بدون حدود طبيعية كمثيلتها فى وادى النيل .

وكما استخدمت اللغة الهيروغليفية للتدوين فى وادى النيل ، كانت ايضا للسومريين كتابتهم وتدويناتهم والتى اصطلح على تسميتها بالخط المسارى حيث كانت تكتب على الواح من الطين بما يشبه المسمار. ومن مطالعة اساطير هذه الحضارة نكتشف الوجود الطاغى للمرأة والأم :

ــ (آن ) اله السماء
ــ ( كى ) الالهه الارض زوجه اله السماء ( نلاحظ ارتباط المرأة بالارض
والخصوبة والتوالد )
ــ ( انليل ) الاله الهواء ابن الهى السماء والارض
ــ ( انكى ) الاله الماء

: ثم نجد بقية المجمع

ــ ( نانا ) الالهه القمر
ــ ( اوتو ) الاله الشمس وهو ابن الالهه القمر ( نلاحظ ان الشمس الذكورية ابنا للقمر الامومى )
ــ ( اينانا ) الهه كوكب الزهرة

هذا غير اله الفأس واله قالب الآجر واله المسمار وآلهة الطبيعة والسحب والامطار.. نفس الافراز الزراعى الذى وجدناه فى وادى النيل مع تباعد الحضارتين فى زمن انعدام اى وسائل انتقال ، فالحضارة هى بنت البيئة ونتاجها الطبيعى .

ومع بداية الالف الثالثه قبل الميلاد بدأت الهجرات الى الهلال الخصيب ( الرافدين – سوريا – لبنان – فلسطين – الاردن ) والتى اصطلح على تسميتها بالهجرات السامية والتى يرى الكثير من الباحثين ان مصدرها جزيرة العرب ، وتبنى آخرين وجهة نظر تقول ان موطنهم الاصلى كان افريقيا . وان كنت شخصيا اعتقد فى القول الاول الذى يقول بجزيرة العرب موطنا اصليا للهجرات السامية ، للاسباب التالية :

1) بعد انتهاء العصر المطير منذ اكثر من اثنى عشر الف عام تصحرت منتصف القارة الافريقية الشمالية وتعدتها الى جزيرة العرب فى آسيا ، وتفيد دراسة للكاتب والباحث اليهودى ايمانويل فلايكوفسكى فى كتابية ( عصور فى فوضى – عوالم فى تصادم ) ان كوكب الزهرة كان مذنب ضخم ضرب هذه المنطقة عدة مرات بالسنة من اللهب ابادت الحياة الزراعية فى هذه المنطقة قبل ان يتحول الى احد كواكب المجموعة الشمسية ، ويؤكد ان البترول فى هذه المنطقة تدفق الى باطن الارض عبر الشقوق نتيجة هذا الصدام الاتى من مذبب الزهرة واهو ايضا سبب ملوحة مياه البحرين الابيض والاحمر ، وان كان يؤرخ لهذا الحدث فى عصر النبى موسى . الا ان هناك دراست اخرى تقول بذلك ولكن فى زمن ابعد من ذلك بألفى عام على الاقل ، وان هذا الصدام كان سببا فى انشطار آسيا عن افريقيا بوجود البحر الاحمر الذى تدفقت مياهه من المحيط الهندى جنوبا عبر باب المندب لتصل شمالا الى البحر الابيض الذى تدفقت مياهه ايضا من المحيط الاطلنطى عبر مضيق جبل طارق ليكتسح الاض الواطئة حتى يصل الى سواحل سوريا ولبنان ، وانا اميل الى هذا الرأى وازيد عليه اننى اعتقد انه ربما كانت حضارة اطلانتس غرقت ضمن هذه المنطقة الواطئة التى اكتسحتها المياه ، اى ان حضارة اطلانتس الغارقة كانت شمال مصر والتى يغطيها الآن البحر الابيض . وتفيد بعض الدراسات الاركيولوجية ان جزيرة العرب كانت عبارة عن منطقة غابات كثيفة فى الزمن القديم ، وتدلنا آثار كهوف ” تسيلى ” فى ليبيا ان هذه المنطقة كانت منطقة غابات كثيفة ايضا . عذرا للاستطراد فى موضوع خارج الدراسة ولكنه موضوع شيق اردت ان يعرفه السادة القراء ، وحتى نكون داخل الدراسة نقول ان هذه المنطقة ضربها التصحرمع بداية الهجرات السامية الى الشمال فى بداية الالف الثالثة قبل الميلاد ، ولولا نهر النيل فى مصر ، ونهرى دجلة والفرات فى العراق ماقامت هاتين الحضارتين السامقتين فى التاريخ القديم .2) ونظرا لحدود العراق المفتوحة كان من الطبيعى لهذه الهجرات ان تكون من الجنوب المتصحر الى الشمال الزراعى الخصيب ، فليس هناك مايدعو سكان افريقيا الوسطى والجنوبية الى الهجرات وهم يتمتعون بظلال الغابات وانتاجها .

3) سنرى لاحقا مايؤكد ان الهجرات السامية كانت من جنوب الجزيرة ولم تكن من افريقيا عندما نرى الاسطورة الزراعية تنحى منحى آخر لتنتصر للثقافة الذكورية ( البدوية ) على حساب الثقافة الزراعية ونتيجة هذا التزاوج يختلف وضع المرأة بداية من الدولة الآكادية التى خلفت الدولة السومرية ثم الدولة البابلية من بعدها .

ومع سرجون الاول واول دولة مركزية فى تاريخ الرافدين يظهر اله السماء القوى المسيطر المهيمن ( وهذا من طبيعة الاشياء) كما حدث فى مصر الفرعونية ولكن ولكنه اقترن فى الحالة البابلية ببداية تبخيس المرأة ، فى الحالة المصرية تم الدمج بين افرازين فى مجتمع واحد ( اله السماء القوى المهمين المسيطر والذى يمثله على الارض الملك ، ومجمع آلهة الشعب وعلى رأسهم اوزيريس بثالوثة المقدس الذى يتضمن ايزيس – الام والزوجة والاخت – ) داخل منظومة امومية احتفظت للمرأة بدورها الفاعل والشريك بل وصل الامر الا ينتقل الملك الى الجالس على العرش الا عن طريق الاخت . ولكن فى الرافدين تم دمج ثقافتين ( امومية سومرية وذكورية سامية ) وذلك افرازا لواقع آخر فرضته الثقافة الذكورية الغالبة والمنتصرة تم فيه الغاء دور المرأة لصالح الرجل .

** تنتهى الدولة الاكادية حوالى 2340 ق.م ليستعيد السومريين نفوذهم ، ولكن …ومع دفقة سامية اخرى حوالى 2180 ق.م تتدفق على الهلال الخصيب من جزيرة العرب القبائل العمورية أو الامورية أو الحورية وتتاسس دولة بابل الاولى ( 1880 – 1595 ق.م ) وكان اشهر ملوكها حامورابى صاحب القوانية المشهورة حوالى عام 1728 ق.م.

** فى البداية ترك الساميين الوافدين الآلهة السومرية على حالها لكن مع تبديل فى اسمائها الى اسماء سامية ومع بعض التغيير فى الادوار والوظائف ، ولكن مع بداية الدولة البابلية يصبح الاله ( مردوخ ) اله دولتهم المركوية الاوحد ويزاح الجميع ويقتنص كل اختصاصات الآلهة الاخرى ، ويخوض الاله مردوخ حسب الاسطورة البابلية الشهيرة ” اينوما ايليش ” والتى تعنى “فى العلاعندما ” صراعا ضد الالهه ” تيامنت – رمز المجتمع الامومى وصنو ايزيس فى الحضارة المصرية- ” وينتصر عليها ويسجن جيشها المخيف ، ولنقرأ هذا الجزء من الاسطورة:

( سكر الآلهة واسترخوا وغمرهم الجذل وعينوا مصيره وتلوا التعاويذ وأمروه بحرب لإزاحة سلطة الأم وقلدوه التاج والصولجان والشارة الملوكية، عندئذ اعتلى مردوخ مركبة العاصفة وقرن بها أربعة جياد ووضع بين أسنانه النبتة الترياق التي تطفئ السم، وواجه تيامات واشتبكا في الصراع وأطلق سلاحه القدير «الطوفان»، وتقاتلا بجيوشهما حتى ألقى الشبكة عليها. وعندما أرادت ابتلاعه، أطلق العاصفة في جوفها ففتحت فمها وأطلق سهما شق معدتها ثم حطم رأسها بالمطرقة وبتر أوردتها وأرسل دمها إلى الجهات المجهولة في الرياح.

ثم شق جسدها إلى نصفين مثل سمكة مجففة
نصف سقّف به السماء ونصف صنع منه الأرض
وفي السماء ثبت النجوم وصورها الفلكية
وعين أيام السنة والفصول والاثني عشر شهرا
ورسم مدة السنة ووضع نجمة القطب
ليدوم النظام وفي كبد تيامات وضع وسط السماء
وأضاء فيها القمر وحدد بحركته الأيام ورتب منازله
ومن لعاب تيامات خلق الثلج وكثف السحاب ومن رأسها صنع الجبال والتلال ومن عينها اليسرى أجرى نهردجلة ومن اليمنى أجرى نهرالفرات ومن ثدييها فجر الينابيع والعيون ثم ملأ جوفها بالتراب ) انتهى
هكذا انتهت سلطة الأم الأولى التي ضحى بها الأبناء ليخلقوا العالم من جسدها الممزق. واستولى مردوخ على لوح المصائر وقتل كنكو، الزوج الثاني للأم والذي أعتبر مرتكب الخطيئة الكبرى وهي الحرب، وحكمت عليه الآلهة بالموت لانصياعه إلى جانب تيامات .)

وهاكذا ايضا ظفر(مردوخ ) بالسلطة المطلقة ، وتخلى له مجلسا الآلهةعن سلطانهما ، ليصبح سيدا اوحدا ، معبرا عن سلطة الملك البابلى فى دولته المركزية الواسعة ، ومعبرا فى نفس الوقت عن سيادة منظومة ذكورية جاءت معهم من شبه الجزيرة العربية . ويبدأ تبخيس المرأة بوصمها بالغواية لابو البشر آدم ، والتى كان من نتيجتها حياه الشقاء على الارض . والتى نرى انها كانت تأسيسا لقصة الغواية التى تبنتها فيمابعد التوراة وسارالاسلام على نفس النهج ، ولاننسى ان القبائل اليهودية ايضا قبائل رعوية تماما مثل قبائل جزيرة العرب .

ولم يقتصرالتبخيس على المرأة وحدها وانما تعدى الامر الى تبخيس المنظومة الزراعية الامومية بالكامل فيما عرفناه من اسطورة نكميدو وتموزى البابلية او قصة قايين وهابيل التوراتية او قصة قابيل وهابيل الاسلامية والتى ستكون موضوع الحلقة القادمة .