في كل يوم تعصف بي مجموعة الاخبار من دول الثورات العربيه عن هجوم على الحريات العامه فيما يصح ولا يصح ان نقوم به. وطبيعي جدا ان نتلقى جميعنا قهرا مباشرا لانسانيتنا متمثلا في القهر الفكري و وجودنا الانساني ساعيا من اجل ” ترسيخ التخلف”, من اجل فرض هيمنته المطلقه على المجتمع, وتحويلنا الى قطيع من الماشيه, يحدد لنا ما يصح وما لا يصح في الاكل والملبس والنوم والحديث والتفكير وطريقة السير لا بل التدخل في ارقى المشاعر الانسانية في الحب. ولا بل يذهب الى ابعد من ذلك في سلبي حق ان احدد نوع تلك الشجرة, اهي نخله ام راصقي.
وعلا صراخ بعضهم الى ان صّم اذاننا في تعداد عدد المحرمات حتى بتنا نشك في اكل الكرفس او البصل الاخضر, احرام ام حلال, وهل يحق للمراة اكل الخيار وهل يحق للرجل اكل التفاح ؟
مجتمعاتنا, مجتمعات الارادة المسلوبه, مجتمعات التخلف المزمن, مجتمعات سلب حرية الفكر, بابويه مفرطه, لا يمكن للرجل ولا المراة فيه ان يعيشوا الا وحسب توصيف مصطفى حجازي
“الرجل كتعبير عن نظام التلسط في المجتمع يشكو في الحقيقة من ثمار ما صنعت يداه اجتماعيا، ومن آثار إسقاطاته اللاواعية في أن معا. وبذلك التنكر يتحرر من مسؤوليته ويتجنب تفجر القلق الشديد الذي لابد عاصف بكيانه لو لم يتهرب من عاره بهذا الشكل. تلكم هي في نظرنا أقصى حالات الغبن والاستغلال اللذان يصيبان المرأة باعتبارها أكثر العناصر قهرا في المجتمع. حيثما وجد قهر واستغلال لابد أن يصيب المرأة منهما القسط الأوفر، وحيثما وجدت الحاجة إلى حشر كائن ما في وضعية المهانة لابد أن يقع الاختيار على المرأة، ولكن الواقع أن طبيعة المرأة لا علاقة لها بهذا القهر. فالفروق البيولوجية والتشريحية بين الرجل والمرأة لا تبرر مطلقا ما فرض على كيانها من تبخيس، ولا تقدم أي سند طبيعي فعلي لما يلحق بها من غبن. ”

وهنا يبرز امامنا قضيه مهمه جدا تتعلق بموضوع الثقافه المرتبطه بالحداثه ايضا الا وهي الابويه. فالابويه كنظام تسلطي قهري يسري على كل فئات المجتمع ضمن مسلمات العادات والتقاليد ويصهر براغماتيا كل المفاهيم والايمانيات لصالحه, لا بل يتغذى عليها احيانا وربما غالبا, فيعيد انتاج الماضي ضمن سياقات الحاضر فيظهر الحاضر كما شبهته في المقالة السابقه ” حمار اعرج يرتدي سرج الفرس”. والرجل هنا مقهور من السلطة السياسية التي تتنفس الابويه, مقهور من الاعلى منه تراتيبّة اجتماعيه او عمريه, مقهور من مديره في العمل, لابد له من “تنفيس” اذلاله المتواصل ضد من هوا اقل مرتبا منه ضمن المفهوم الاجتماعي السائد الا وهو المراة. وهنا تبرز المراة كـ “مقهور مثالي”, لانها التي تنصب عليها كل اشكال وممارسات ومفاهيم وقيم التخلف المستند في بقائه على الابوية.
اذن نحن هنا امام ثلاثيه تنتج بعضها تخلف- ابويه – قهر, ولهذا فانني مؤمن بان جميع ثوراتنا “تكبو” بعد حين من انطلاقها, وتعود بتمظهر جديد. فثورات التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حررت الارض ولم تحرر الانسان, لا بل انها انتجت نظما شموليه لا تختلف عن نظم القرون الوسطي الا برداء الزعيم العسكري او البدله الايطاليه او العبائة المذهبة.
لماذا لا نتقدم نحو الامام , اهي لعنة ميدوسا*. ام فهم خاطئ للحداثه يتلبسنا حتى النخاع في ان التقدم يتم عبر تغير شخوص النظم السياسيه دون المساس بالثقافه, اهو دور لطبقه ؟ وهل توجد طبقه حاملة للثقافه ومنتجه له وطبقه مستهلكه له ؟ .
في مثل هذا الموضوع المتناول لا يوجد شيئ اسمه ابرهن على الحقيقة, وهنا جوهر الاختلال مع ما اسميهم “التبسيطيّن” لان مثل هذه المواضيع ليست ضمن العلوم الخالصه مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء ….الخ, بل كل ما ساقدمه هو محاججات او نقاشات عن الموضوع, ولان ضمن الموضوع المتناول هناك اكثر من حقيقة, واقصد هنا مثلا عند الحديث عن الثورة الفرنسيه هناك عام وهو انسانية الثورة الفرنسيه, اما الخاص فيها بتقديري فهو دور المثقف من امثال روسو قبل الثوره و فولتير اثنائها والذي, بقناعتي المتواضعه, امدها بعنصر عدم التراجع الى الوراء. وهذا الخاص غير متوفر عندنا, حيث لعب العسكر دور راس الرمح, اي روسو, في الثوره ودور فولتير لما بعدها. الا في الثورات العربيه الاخيره في مصر خصوصا حيث لعب المثقف دورا فيها الا ان ظهور دور بارز لـ ” راسبوتن”, رجل الدين الارذدوكسي الروسي في عصر القياصره والذي بنيت حول شخصيته اساطير جنسيه وقدراته الخارقه مما اعاق التذمر الفلاحي الهائل من التحول الى ثوره.
ما اردت اثارته هنا هو موضوع الوعي المرتبط باهمية الحداثه. فالوعي هو ذلك المخزون الثقافي المتوارث الذي يوجه الميول والرؤى ويحدد سلوكيات الافراد والجماعات ضمن وعيها الادراكي والعفوي, وضمن دورها في بناء مستقبلها بحرية تامه, ضمن وعيها لاهميتها ومقدرتها في بناء حاضرها ومستقبلها. هل نمتلك ذلك الوعي. ان النظام الابوي عندنا ناضل ويناضل باستماته من اجل ابقاء وعينا محصور ضمن ماضي غير موثق , اسطوري احيانا وقدري في الغالب. اما المثقف عندنا فبقي يبحث في التاريخ, مقلبا صفحاته بحثا عن دور او ادوار للمعتزله متناسيا ان مرحلتهم تختلف عن مرحلتنا. في مرحلتهم كان القضيه تحرير العقل والبحث او الصراع كان عن حدود العقل, والان نعيش مرحلة او ظاهره كسر المسلمات حتى العلمية منها, الحداثه قادت الى الدولة القوميه بكل ما انتجته من ويلات ومصاعب. اما الان فاننا نعيش دولة المواطنه وعالمية المعرفه, وان المعلومه هي سلعه عالميه وليس وطنيه ولا اقليميه, شئنا ام ابينا. واصبح استخدام المعلومه ومنتجاتها وادواة توزيعها من قبل كل الاطراف وكل لصالحه, اي من قبل الساعين نحو الحداثه والرافضين لها بقوه وعنف. وهنا وفي وقعنا العربي نجد ان من امتلك ادواة نشر المعلومه في الغالب هم من حراس التخلف او حراس بوابات الابويه. لماذا ؟ ببساطه لان اقتصادياتنا هي اقتصاديات ريعيه تعتاش على الابويه وتغديها, لذا نجد ان كبار مالكي المال وراس المال عندنا هم من حراس الابويه.ولكن لن يدوم حال تملكهم هذا ولكن ذلك موضوع الحلقه 2 من هذه المقاله.
لن تكتمل فكرتي من دون ان اعطي توصيفا لمعنى الحداثه.يصف الاستاذ عبد المجيد الشرفي الحاثه بانها “مفاعل التحديث ليس فئه او طبقة اجتماعية معينه وانما هو العقل البشري والضروره التاريخيه التي مهّدت لانتصاره, التحديث ليس انجازا لطاغيه مستنير ولا ثوره, زلا ارادة نخبه حاكمه, انها انجاز للقل البشري نفسه , وبالتالي للعلم والتكنولوجيا والتربيه” فهل هناك اوضح من ذلك, اوضح من ان ما نحتاجه هو تحرير العقل العربي من الخرافه والتخلف والقطيعيه وعدم الايمان بالنفس والاراده وهزم الكاريزما في دواخلنا فلا تحــــــــــــدثوني عن الحريــــــه والديموقراطيــــــه …….فكليها ابواب موصده مالم نعيد انسانية الانسان, امراة ام رجل, عندنا .