منذ ايام قليله رحل عن عالمنا الكاتب الامريكي راي برادبري  Ray Bradbury. برادبري هو بلاشك علامه من علامات الأدب الامريكي في  النصف الثاني من القرن العشرين، وتعود شهرته في الأساس إلى رواية الخيال العلمي”فهرنهايت٤٥١” والتي صدرت في عام ١٩٥٣ أيام المطاردات المكارثيه للأدباء والفنانين في أمريكا. ومنذ صدورها أحدثت الروايه دوياً هائلاً بين جمهور ونقاد الأدب،فقد أعيد طبعها عشرات المرات وترجمت إلى معظم لغات العالم (صدرت الترجمه العربيه عند دار الشروق المصريه عام ٢٠٠٧ وكتب برادبري مقدمة جديدة لروايته خاصة بهذه الطبعه)  لتصير إحدي كلاسيكيات الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين و إحدى أكثر  روايات الخيال العلمي رواجاً. وكغيرها من الروايات الناجحة قررت هوليود تحويلها إلى فيلماً سينيمائياً، أمالجديد في ذلك فكان إسناد مهمة إنجاز السيناريو للمخرج الفرنسي الشاب آن ذاك “فرنسوا تروفو”  ١٩٣٢-١٩٨٤ لتكون أول تجاربه الفنيه خارج فرنسا ، وفي أمريكا ، البلد التي لا يجيد لغتها الانجليزيه فحسب، بل تمثل أفلامها ومدارسها السينمائيه الإتجاه المعاكس لقيم الموجه الفرنسيه الجديدة nouvelle vague التي ينتمي إليها تروفو، والتي قامت في الأساس كثورة على أساليب سينما تقليدية محافظه ونقض قوالبها المعهودة ، أمريكية الصنع في العادة.

كان عرضاً كهذا هو في الحقيقة نصر لتروفو وللسينما الفرنسيه البديلة التي بدأ صدى ثورتها يأخذ طريقه للولايات المتحدة في منتصف الستينات ثم صار أعلامها ، شابرول وجودار وتروفوا وغيرهم ملهمي جيل السبعينيات من مجددي هوليود أمثال سكورسيزي وسدني لومت.

كان اسم تروفو قد صار معروفاً في الأوساط الأمريكية ، ففيلمه الطويل الأول blows 400 قد نال استحساناً كبيراً حين عرض هناك، كما رشح لجائزة الأوسكار.وقد سبق تروفو زميله جودار الذي دعي هو الأخر  إلى أمريكا عام ١٩٧٠ لإنجاز فيلما لم يتم ، بينما أنجز تروفو فيلمه الذي نال كذلك حظا لا بأس به من النجاح في أمريكا وفرنسا. صحيح أن تروفو لم يكرر التجربه ولكنه على الأقل قد عاد مرة أخرى إلى هوليوود كممثلا في فيلم ستيفن سبيلبرج close encounters of the third kind عام ١٩٧٧. فرغم الجديد الذي جاء به تروفو، إلا أن سينماه بقت في إطارها العام مخلصة للقصة ولم تخض تجارب راديكلية في السرد أو في جماليات الصورة كما هو الحال مع سينما جودار الذي فشل في التأقلم مع الاسلوب الأمريكي.

****

تدور احداث فهرنهايت ٤٥١ في المستقبل ، في بلد مجهول تحكمه قوة فاشيه غاشمه ، مواطنوه بلا شخصيه ولا إنسانيه، مسامير في جهاز الدولة الجبار ، يحتكمون بأمره و يسيرون بلا وعي في فلكه، أفكارهم هي مايمليه عليهم جهازه الإعلامي ، تلفزيونات بعرض حوائط المنازل تعرض مسلسلات تفاعيله  لا تزيد مشاهديها إلا بلاهة، هذا غير جريدة رسميه ليس بها حرف واحد ، فقط صور ملونة لا تأخذ فكر  متصفحها أبعد من الحدود المرسومة ، فالفكر في هذا الزمان هو عدو البشرية الأول وأكبر ما يهدد الاستقرار ، لذلك خصصت الدولة جهاز إطفاء لنور الفكر ،مهمته حرق ماتبقى من الكتب. يبدأ الفيلم بمشهد سيارة إطفاء عجيبة تضم رجالاً حازميين بملابس سوداء وأنابيب إشعال حرائق وقد قاموا بمهاجمة بيتاً خبئت فيه عدد من الكتب الممنوعةـ كل الكتب ممنوعة. جاي مونتاج هو إحدى مشعلوا الحرائق العاملين في هذا الجهاز العجيب، وهو رغم إيمانه بعمله ورسالته لا يستطيع أن يشعر بالسعادة ، صدفة يقابل كلاريس ، فتاة لا تتوقف عن إلقاء أسئلة غير معتادة عن جدوى حرق الكتب، عن ما قد تخبأه في جعبتها الكتب، وعن السعادة المفقودة. تدفع أسئلتها الغريبة  مونتاج للتفكير فيتجرأ ويحتفظ سراً ببعض الكتب التي عليه أن يحرقها، ثم يبدأ في قراءتها وتتبدى له فاشية فعل حرق الكتب فيقرر إنقاذ قومه من ضلالهم ومعاقبه الجناة من مشعلي الحرائق أبناء مهنته بأن يخبىء الكتب في بيوتهم ثم يبلغ عنهم فتحترق النيران في بيوت مشعليها، إلا أن زوجته تبلغ عنه قبل أن يشرع في خطته، و إذ بزملاءه من مشعلي الحرائق قد هاجموا بيته ويأمره قائده بأن يخرج الكتب من مخابئها ويحرقها، فيحرق مونتاج أول ما يحرق حوائط المسلاسات التلفزيونيه ثم يحرق قائده ورجاله ويفر هارباً، فتقوده قدماه إلى ضاحيه بأطراف المدينة الظالمة سكانها يهبون حياتهم للكتب، فيحفظ كل منهم كتابا عن ظهر قلب، يحمله في قلبه وفوق لسانه ويعلمه لغيره، فيكون أحدهم إلياذه هوميروس وأخر كوميديا دانتي وثالث هاملت شيكسبير وهكذا، وينتهي الفيلم بمشهد يعده المخرج الألماني فيم فندرس من أفضل المشاهد في تاريخ السينما حيث يتلوا كل واحد منهم شيئا مما حفظه فتتداخل الكلمات واللغات، وتحيا الكتب فيهم ومعهم.

****

حاول تروفو أن يصنع فيلماً واقعيًا و أن يبتعد عن التفاصيل المستقبليه futuristic التي تحتشد بها الرواية ، فكانت ديكورات الفيلم في غايه البساطة ، تحمل بلاشك ملامح مستقبلية ولكنها تبقى محدودة، مسرحية ، بلا إبهار حقيقي وهو ماتعمده تروفو ، وما في سبيله قد استغتى عن تفاصيل وردت في الرواية كالكلب الألي المرافق لرجال الإطفاء، هذه التفاصيل نفسها هي التي قد تجعل من الرواية اليوم إذا مافكر أحدهم في إخراجها مرة أخرى للسينما مادة غنية للخيال الهوليودي ولفناني  ال3D وفنون الجرافيكس المختلفه، ولكن تروفو أراد لفيلمه شيئاً أخر، أراد أن يسرده سرداً واقعياً غير متكلف، أن تبقى الكتب ومأساتها المحور الرئيسي التي تدور حوله الأحداث، وتبقى التفاصيل الأخرى جانبية عادية، فرأينا مشهد احتراق الكتب يتكرر أكثر من مرة، ويطول أحياناً إلى حد مبالغ فيه، لقطات طويلة متكررة للكتب وعنوانيها  البارزة وهي تحترق( كما كانت الكتب وعنواينها مكونات أساسية في العديد من المشاهد بأفلام جان لوك جودار)، ومن بينها كتب فرنسية يفضلها تروفو نفسه بل أعداداً من كراسة السينما cahiers du cinema التى تعد بمثابة انجيل الموجة الفرنسية الجديدة. وقد قال تروفو نفسه عن الفيلم أنه كان تعبيراً عن حبه الشخصي للكتب، و أنه قد قدم الكتب كشخصيات في الفيلم.
رغم أن الفيلم هو المفضل لدى تروفو نفسه من بين جميع أفلامه، فأنه يبقى للأسف أقل مستوى من معظم أفلام تروفو الأخرى. فبالفيلم نبرة أخلاقية عالية وحملاً فكرياً لا طاقة للصورة به، كما أن الصورة التي خرجت عليها سيارة الإطفاء مثلاً أو شاشات الحوائط التلفزيونية كانت للأسف محبطة، بل أقرب إلى الهزليه وهي أسباب وجيه لتحفظ برادبري إزاء الفيلم.أن تروفو  لم يكن يوماً أستاذاً في التقنية والتقطيع الجيد، أستاذيته تكمن في بساطته، في قدرته على سرد قصص عن أشياء صغيرة، في صنع أبطالاً عاديين يحبون، يفرحون، يحزنون ويموتون،وجودهم الصرف هو شاغلهم ولا طاقة لهم بهموم العالم الفلسفية والسياسية. رواية كفهرانهايت ٤٥١ كانت بحاجة إلى أستاذ من نوع أخر!