اهداء : راودنى موضوع هذه الدراسة ووضعت خطوطها العريضة منذ مدة حيث كنت انوى نشرها ضمن كتابى الثالث بعنوان : التراث العبْ – الجزء الثانى ، ولكن مع صغود التيار الاسلامى الى صدارة المشهد السياسى فى مصر بعد ثورة 25 يناير رأيت انه مامن ناشر يستطيع ان ينشرها فى هذه الظروف ، ولذا رأيت ان انشرها على احد مواقع الانترنت .
ومع وصول اولى حفيداتى الى الحياة منذ عدة اسابيع ( الملكة : فريدة ) ، ومع بداية كتاباتى لقراء موقع شباب الشرق الاوسط فانه يسعدنى ان اهدى كليهما هذه الدراسة .
تقديم :
الاسطورة ليست خرافة ، ولكنها تسجيل لرؤية الانسان القديم وتفسيره لما حوله من الظواهر الطبيعية وعلاقات الانسان الجدلية مع الواقع المعاش ، وبناء تصوراته البدائية عن الكون وبداية الحياة واشكال وانماط الحياة التى يعيشها ، فهى فى النهاية بداية العقلنة فى شكل حكاية تناقلتها الاجيال قبل زمن الكتابة لنقرأها مع بداية التسجيل بعد اختراع اللغة .
وحتى نتعرف على دور المرأة فى المجتمع الانسانى البدائى فى منطقة الشرق الاوسط ورحلتها من بداية تصدرها للمشهد الالوهى المقدس حتى انحدارها الى العزل خلف الابواب ، علينا ان نقرأ الاسطورة المصرية والاساطيرالرافدية ومقارنتها بوضع المراة فى جزيرة العرب ، مع تطبيقات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعى .
الموضوع :
كان الاعتقاد سائدا حتى اواسط القرن التاسع عشر ان العائلة بشكلها الأبوى القائم اليوم قديمة قدم المجتمع الانسانى ، وان المجتمعات الاولى قد تشكلت فى بداياتها نتيجة لتجمع عدد من العائلات وتزايدها تدريجيا ، الا ان هذه الفرضية قد تهاوت امام النقد العلمى الذى وجهه عدد من رواد الانتربولوجيا والعلوم الانسانية الاخرى ممن قدموا فى دراستهم الادلة الكافيه على وجود شكل اقدم من اشكال العائلة سبق شكلها الابوى الحديث نسبيا ، وهذا الشكل لايقوم على قيم الذكورة وسلطة الاب ، بل على سلطة الامومة ومكانة الام .
ورغم هذا اختلف الباحثون ايهما كان سابقا على الاخر، المجتمع الامومى ام المجتمع الابوى ، لكن حل المشكلة لايكمن فى ( ايهما كان اولا : النظام الامومى ام النظام الابوى ؟ فبينما كان ” داروين ” قد افترض بالمقارنة مع عالم الحيوان – ان السيادة المطلقة كانت ذكورية لاشك فيها منذ البداية ، اكمل ” اتكسون” فقال : انه حدث ان ثار الابناء على الاب المتسلط القاسى المتوحش وقتلوه وافترسوه سويا ، واستكمل “روبرتسون سميث” البحث ليؤكد انه قد مرت بعد ذلك فترة انتقالية ظهر فيها الشكل الامومى ، وانتهى “فرويد” بعد البناء على ماسبق ، الى ان الاوضاع قد عادت الى سابق عهدها وساد الذكر ، بينما كان يقف على الجانب الاخـر اقتراح يحمل ادلة ربما كانت اقوى كما عند “انجلز” مثلا – يؤكد ان البداية كانت نظاما اموميا لاشك فيه
واذا اردنا ان نواصل البحث ، فعلينا ان نتتبع البدايات الاولى لتطور الجنس البشرى وخروجه من المملكة الحيوانية نتيجة استواء قامته ووقوفه على قدميه واستعمال يديه ولم يكن ليستغنى فى حياته عن مهنه الصيد التى كانت المهنه الاولى التى امتهنها الجنس البشرى فى بداياته الاولى وان كان تطور عن المرحلة الحيوانية بصنع بعض الاسلحة الحجرية ليزاول بها الصيد علاوة على سكناه الكهوف .
كان الجنس مشاعا …. الرجال جميعا للنساء جميعا ( قبل ان تتطور هذه العلاقة فيما بعد الى الزواج والاسرة بعد بداية النظام الاخلاقى الاول والذى من المعروف انه نشأ فى البداية مع الدولة المصرية القديمة )
لم يلاحظ الرجل وقتها دوره فى عملية الحمل والانجاب ، فاعتقد ان فى ذلك خصوصية وتفردا للمرأة ( اضافة الى الفترة الطويلة الفاصلة بين الحمل والولادة ، والتى كان يمكن ان تخفى عن عين البدائى غير المدققة العلاقة بين الامرين ) وان كان لاحظ ظاهريا ان دم الحيض عند المرأة ينقطع اثناء فترة الحمل ، ولاحظ ايضا ان المرأة بعد انقطاع الدورة الشهرية نهائيا تفقد قدرتها على الحمل والولادة ، ولاحظ ايضا ان البنت الصغيرة قبل الدورة الشهرية لاتكون قادرة على الحمل والاولادة ، ولاحظ اخيرا انه اذا اصيب لأى سبب من الاسباب ونزف دمه باستمرار فانه ينتهى الى الموت .

اذن الدم هو سر الحياه والمرأة هى القابضة على هذا السر وبالتالى فهى اصل الحياة .. مانحة الحياة .. فكانت هى الالهة التى يتم من خلالها الخلق والميلاد ، وبناء عليه قدس دم الحيض لانه المكون الرئيسى للحمل واستمرار الحياة ، ونقرأ فى كتبنا التراثية الاسلامية قول كاشف يقول (ان الحجر الاسود بالكعبة كان ابيض ولكنه اسود من مس الحيض فى الجاهلية) مما يعنى ان دم الحيض فى نظر البشر الاوائل كان بمثابة تواصل بين الانسان والآلهة .
وتؤكد ” هوكس ” امرا منطقيا تماما هو ان النساء هن مكتشفات الزراعة ، ابان جمعهن للثمار فى منطقة مستقرة مع اطفالهن ، وملاحظتهن – بالصدفة المتكررة – نمو الثمار المتساقطة على الارض مرة تلو الاخرى فى وقت كان فيه الرجال يخرجون للقنص ، وعند عودتهم يكون كل الرجال لكل النساء ، فينتسب الاطفال للأم دون الاب ، وقد شكل اكتشافها الزراعة واجادتها لهذا العمل رغم بدائيته النسبية اساسا اقتصاديا ساعد على تثبيت سيادتها .
ويضيف الباحث فراس السواح سببا آخر لتكون المجتمع الامومى وسيادة المرأة حيث يقول ( ان عاطفة الام نحو اولادها وعاطفة الاولاد نحو امهم هى العاطفة الاصيلة الوحيدة ، وكل ماعداها يأتى بالاكتساب والتعليم لايثتسنى من ذلك عاطفة الاب نحو ابنائه ، وعاطفة الابناء نحو ابيهم ، التى تأتى بالصقل الاجتماعى ومعرفة الواجـب الاخلاقى )
كل هذه الاسباب مجتمعة ادت الى سياده الانثى على المجتمعات البدائية الاولى ، ولذا كان ” انجلز” محقا عندما قال ان البداية كانت نظاما اموميا لاشك فيه ومن هنا ظهرت فى منطقتنا الآلهات الام ( فـــى سومر الالهه ” نمو ” الآلهه البدائية والمياه الاولى و “انانا” الهه الطبيعة والخصب والدورة الزراعية ، وفى بابل نجد ” ننخرساج ” الأم – الارض و ” عشتار” المقابلة لانانا وفى كنعان “عناة” و “عستارت” وفى مصر “نوت” و”ايزيس” و “هاتور” و “سيخمت” .
حتى فى المجتمع الرعوى الذى نشأ فى الجزيرة العربية واكتسب نتيجة هذا الصفة الذكورية نراه يحمل صدى الآلهات الام من زمن اقدم مر به فى مرحلة الصيد الاولى ايام عصر المشاع الاول الذى اتسم بتقديس المرأة ، فنرى الهات مثل ” اللات ” و ” العزى ” و ” مناه ” .
استغرقت مرحلة الصيد اكثر من مليون سنه تجادل فيها البشر الاوائل مع الطبيعة ، سكنوا الكهوف وصنعوا اسلحه حجرية للصيد ومقاومة الضوارى فى الغابات والاحراش ، واعتقد ان اكتشاف النار كان فى نهاية تلك المرحلة والذى خرج به من طور التوحش الى الطور البشرى البدائى .
اختلف وضع المرأة من مجتمع الى آخر ، ولسنا بصدد تأريخا للمرأة ووضعها على المستوى البشرى ، فكل بيئة انتجت قوانينها ، ولكن مايهم موضوعنا عن المراة هو منطقة الشرق الاوسط ( مصر – الرافدين- الجزيرة العربية ) لنعرف من خلال التاريخ المكتوب – متضمنا الاسطورة – وضع المرأة فى تلك المجتمعات ورحلتها من التقديس الى التبخيس .
بعد انتهاء العصر المطير منذ مايزيد على اثنى عشر الف عام قبل الميلاد تكونت مجارى الانهار والاحراش ، وبدأ البشر فى كل من وادى النيل ووادى الرافدين رحلة الاستقرار فى دلتا الانهار بعد ان استطاع تدجين الحيوان واستئناسه واستخدامه فى الزراعة وانتاج اللحوم ، وفـــى الصحارى المحيطة ( ومنها الجزيرة العربية ) وبعد استئناس الحيوان وترويضة ولكن فى مهنة الرعى التى فرضتها الصحراء ،وهنا انتهى الظرف البيئى الى تميز مجتمعين عن بعضهما رغم تزامنهما ، هما مجتمع البداوة ومجتمع النهر ، بمعنى ان الاختلاف كان مكانيا وليس زمانيا .
وبالاستقرار حول مجارى الانهار تكونت المشتركات القروية الاولى ، ومع الاستقرار البدائى وفى خطوة تطورية اخرى بدأت تتكون العلاقات الزوجية دون تفرقة بين المحارم فى البداية ، مجرد رجل وامرأة ولكن ضمن خصوصية بدلا من المشاعية الاولى ، وكنتيجة لهذا وربما قبله بقليل اكتشف الرجل دوره فى عملية الحمل والانجاب ، وان ظل مبهورا بدور المرأة وان داخلها يتم الخلق والتجدد ( ونرى صدى علاقة زواج المحارم فى التراث الاسلامى الذى يقول ان ابو البشر “آدم” كان يزوج ابنائه من الاخوه حتى يتم التناسل ) .
ومع الارتباط بالارض والزراعة تضافرت الجهود بين الرجل والمرأة للرى والزراعة والحصاد ، وبدأت قيم العمل الجماعى التى ولدت بدورها الحميمية بين سكان تلك المشتركات القروية الاولى .
قال هيرودوت ( ابو التاريخ )ان مصر هبة النيل – وقــد اصاب كبد الحقيقة حيث كان النهر واهب الحياة للجميع ، ليس بئرا للماء يتم التصارع عليه(اما قاتل واما مقتول …!!) ومن خلال العمل الجماعى اصبحت المرأة شريكا للرجل وان كانت فقدت الوهيتها وتنازلت عنها لآله الدولة المركزية التى بدأت فى التشكل ، الا انها لم تفقد دورها كشريك كامل فى كل مناحى الحياة .
وفى خطوة تطورية اخرى تكونت الاقاليم التى تجمع عدة مشتركات قروية واتحدت الاقاليم واستقرت على اقليمى الشمال والجنوب حتى جاء ” مينا ” ومانعرفه فى التاريخ من قيام الدولة المركزية الكبرى فـى مصر حوالى عام 3200 قبل الميلاد .
تجادل الانسان مع الطبيعة فصنع ادوات الصيد واحتمى بالكهف واكتشف النار واستأنس الحيوان ، وتجادل مع نفسه فانتج الاسطورة التى وضع فيها تخيلاته البدائية لتفسير الخلق والموت ومظاهر الطبيعة ، وتجادل مع الآخرين فأنتج اللغة ، ومن اللغة والتسجيل عرفنا تاريخ اول مجتمع بشرى ( موثق ) فى منطقة الشرق الاوسط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
1) فراس السواح – لغز عشتار
2) سيد القمنى – رب الزمان