يعتبر يوم 20 ماي 1960 ، من التواريخ الهامة في التاريخ السياسي المغربي الراهن ، فهو يؤشر على حدث سقوط حكومة عبد الله إبراهيم التي تعتبر أول حكومة تقدمية في المغرب ، حيث فتحت الباب أما إصلاحات سياسية ، و اقتصادية و اجتماعية ذات توجه وطني تحرري ، و أسست لتجربة حكومية

رائدة في تدبير الشأن العام السياسي بكل استقلالية عن المؤسسة الملكية . لذا فقبل الخوض في تفاصيل سقوط حكومة عبد الله إبراهيم ، لابد في البداية من معرفة الظروف السياسية التي ساهمت في تشكيلها ، و علاقتها بالقصر ، و الأحزاب السياسية المغربية ، و العوامل التي أدت إلى سقوطها .

جاء تشكيل حكومة عبد الله إبراهيم ، في سياق الأزمة السياسية التي كان يعيشها المغرب منذ سقوط حكومة البكاي الأولى و الثانية ، و إعلان حكومة أحمد بلافريج يوم 12 ماي 1958 حيث ساهمت هذه الحكومة في التصدع الذي عرفه حزب الاستقلال ، و انقسامه إلى تيارين سياسيين : التيار الأول كان محافظا يعمل ما في وسعه من أجل الحفاظ على التقاليد المغربية العتيقة ، و توظيفها في معالجة المشاكل الإقتصادية الناتجة عن التخلف ، أما التيار الثاني فهو التقدمي الذي كان على العكس من الأول ، يطمح إلى إنخراط المغرب بجدية في عملية إصلاح واسعة للبنيات الإقتصادية العميقة ، و دمقرطة بنياته الداخلية . و هكذا ظهرت معارضة داخلية لحكومة بلافريج انبثقت من داخل حزب الاستقلال و كان يقودها الإتحاد المغربي للشغل بزعامة المحجوب بن الصديق ، و حركة المقاومة و جيش التحرير بزعامة الفقيه البصري ، بالإضافة إلى كل من عبد الله إبراهيم و إدريس المحمدي اللذين لم يشاركا في الحكومة التي شكلها الأمين العام للحزب ، و المهدي بن بركة . عجلت المعارضة الداخلية داخل حزب الاستقلال ، و  القلاقل التي عرفتها منطقة الريف في أكتوبر 1958 ، في إسقاط حكومة بلافريج ، و هكذا ففي 22 نونبر 1958 قدم عبد الرحيم بوعبيد استقالته من الحكومة ، و تبعه أحمد بلافريج الذي قدم هو أيضا يوم 25 نونبر 1958 استقالة حكومته .

أدت استقالة بوعبيد و بلافريج ، إلى دخول المغرب في أزمة وزارية طالت أكثر من شهر من 22 نونبر ، تاريخ استقالة بوعبيد ، إلى 24 دجنبر تاريخ تنصيب حكومة عبد الله إبراهيم . وقد استغرقت الأزمة كل هذا الزمن نظرا للصعوبات التي واجهها البحث عن حكومة جديدة ، أو إجراء تعديل وزاري حيث فشل مشروع حكومة برئاسة علال الفاسي ، و مشروع حكومة برئاسة إدريس المحمدي ، فعادت المشاورات إلى نقطة الصفر ، حيث قام شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي الذي كان وزيرا مستشارا بمجلس التاج بمبادرة إعادة ربط الإتصال بين القصر ، و ما كان يعرف بالجناح اليساري في الحزب ، و خاصة في قيادة المقاومة و النقابة ، فعرف الرأي العام أن رئيس الحكومة المقبل هو عبد الله إبراهيم الذي كان كاتبا للدولة في الأخبار في حكومة البكاي الأولى ، و وزيرا للشغل في حكومة البكاي الثانية ،  و تزعم المعارضة ضد حكومة بلافريج ، يستعد لرئاسة وزارة جديدة في هذا الظرف الدقيق و الخطير . و في صباح يوم الأربعاء 24 دجنبر 1958 تم تنصيب الحكومة الجديدة برئاسة عبد الله إبراهيم التي ضمت شخصيات استقلالية من الجناح الذي ينتمي إليه (عبد الرحيم بوعبيد ، التهامي عمار، المعطي بوعبيد…) ، و أخرى محايدة أو محسوبة على القصر . و قد كان قبول عبد الله إبراهيم لمنصب رئيس الحكومة مرتبطا بمجموعة من الشروط التي وضعها على طاولة المفاوضات ، كشروط لقبوله المنصب  و هي : تمتعه بصلاحيات كاملة للعمل في كافة القطاعات الوزارية ، إعادة ممتلكات عائلة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ، تسريع إيقاع جلاء القوات الأجنبية ، و تحرير الاقتصاد الوطني .ن : التيار الأول كان محافظا يعمل ما في وسعه من أجل الحفاظ على التقاليد المغربية العتيقة ، و توظيفها في معالجة المشاكل الإقتصادية الناتجة عن التخلف ، أما التيار الثاني فهو التقدمي الذي كان على العكس من الأول ، يطمح إلى إنخراط المغرب بجدية في عملية إصلاح واسعة للبنيات الإقتصادية العميقة ، و دمقرطة بنياته الداخلية . و هكذا ظهرت معارضة داخلية لحكومة بلافريج انبثقت من داخل حزب الاستقلال و كان يقودها الإتحاد المغربي للشغل بزعامة المحجوب بن الصديق ، و حركة المقاومة و جيش التحرير بزعامة الفقيه البصري ، بالإضافة إلى كل من عبد الله إبراهيم و إدريس المحمدي اللذين لم يشاركا في الحكومة التي شكلها الأمين العام للحزب ، و المهدي بن بركة . عجلت المعارضة الداخلية داخل حزب الاستقلال ، و  القلاقل التي عرفتها منطقة الريف في أكتوبر 1958 ، في إسقاط حكومة بلافريج ، و هكذا ففي 22 نونبر 1958 قدم عبد الرحيم بوعبيد استقالته من الحكومة ، و تبعه أحمد بلافريج الذي قدم هو أيضا يوم 25 نونبر 1958 استقالة حكومته .

جاءت الحكومة الجديدة لتواجه عدة تحديات تتعلق بالأوضاع الداخلية المضطربة ، و المهددة لوحدة البلاد و الأوضاع الإقتصادية التي ازدادت خطورة ، إثر قرار الحكومة الفرنسية تخفيض عملتها بنسبة 20 % . و لهذا قرر عبد الرحيم بوعبيد فصل الفرنك المغربي عن الفرنك الفرنسي ، و الخروج من منطقة الفرنك مع الإحتفاظ بالقيمة التي كانت للعملة المغربية ، فقامت ضجة ضد هذه السياسة المالية ، وبدأ البعض يصف التوجهات الحكومية في الميدان النقدي ، بمثابة مغامرة تهدد مستقبل الصادرات المغربية ، و الإقتصاد الوطني ، و فجأة تحول جهاز حزب الاستقلال إلى أداة للدعاية ضد السياسة التي ينهجها أحد قادة الحزب البارزين ، و أصبحت صحافة الحزب و خاصة جريدة العلم منبرا يردد الأطروحات الواردة في هذه الحملة المعادية لسياسة عبد الرحيم بوعبيد الاقتصادية .

تزامن إعلان حكومة عبد الله إبراهيم ، مع ظهور حزب جديد على الساحة السياسية المغربية و هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الذي كان تأسيسه يوم 6 شتنبر 1959 نتيجة لعملية انشقاق داخل حزب الاستقلال قادها الجناح اليساري ، وقد كان الخط السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية واضحا منذ البداية ، حيث رفع شعارات تطالب بالتحرر وجلاء الاستعمار والتعبئة الشعبية والدعوة إلى إتمام تحرير البلاد من خلال دعم جيش التحرير ، وأيضا دعم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تقوم بها حكومة عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد ، خاصة بعد أن انعقد يوم 16 أكتوبر 1959 ، المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد الخامس ، الذي صادق على التدابير النقدية والمالية والإقتصادية ، ومن جملتها : فصل العملة المغربية عن الفرنك الفرنسي ، وإطلاق اسم الدرهم على الوحدة النقدية المغربية الجديدة ، و مراقبة تنقل رؤوس الأموال ، وتأسيس عدة صناديق وأبناك ، والزيادة في الأجور . وقد تمثل دعم الحزب لهذه الإصلاحات الحكومية في إرسال الكتابة العامة برقية إلى الملك يؤيد فيها الحزب التدابير التي أقدمت عليها الحكومة و المرتبطة بالعملة المغربية ، كما أرسلت الكتابة العامة في نفس الوقت برقية إلى الحكومة ، تنوه فيها بالقرارات المتخذة وبالعمل الذي قام به عبد الرحيم بوعبيد .

طوال الفترة الممتدة من تاريخ قيام حكومة عبد الله إبراهيم يوم 24 دجنبر 1958 إلى حدود أكتوبر 1959، كانت المعارضة الأساسية لسياسة الحكومة خاصة في الجانب الاقتصادي ، تقوم بها الصحافة الاستقلالية وهي جريدة العلم وأسبوعية الاستقلال . لكن في بداية شهر أكتوبر، لم يبق هذا الدور مقتصرا على صحافة حزب الاستقلال ، بل تعزز المشهد الإعلامي بأسبوعية جديدة هي جريدة ليفار، التي أصدرها رضى كديرة المقرب من ولي العهد الأمير الحسن و التي بدأت في الصدور يوم 5 أكتوبر  1959. كان تأسيس هذه الجريدة يندرج في سياق حملة المعارضة التي قادها الأمير الحسن رفقة بعض العناصر النافذة في القصر للإطاحة بحكومة عبد الله إبراهيم ، وكانت جريدة ليفار أداة من أهم الأدوات التي استعملها ولي العهد لتحقيق هدفه ، حيث قادت حملة إعلامية شرسة ضد الحكومة ورئيسها ووزير الاقتصاد عبد الرحيم بوعبيد ، والحزب الوحيد الذي كان يدعمها دعما سياسيا وإعلاميا ، و هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية .

ساهمت التحولات الاقتصادية والمالية التي قامت بها حكومة عبد الله إبراهيم ، في التأثير على مصالح العديد من الأطراف السياسية المغربية التي كانت ترى فيها توجها واختيارا اشتراكيا ، ولم تترك أية فرصة تمر دون عرقلة هذه التحولات ، وكان أهم طرف سياسي عبر عن موقفه المعارض لهذه التحولات هو حزب الاستقلال ، الذي كان بدوره ينتقد التجربة الحكومية ، وقد فعل ذلك من باب خلفية الانشقاق الذي وقع فيه سنة 1959 ، والذي تزعمه التيار الذي يقود الإصلاحات الاقتصادية ، إضافة إلى أنها مست بشكل كبير المصالح الاقتصادية للعديد من الفئات البورجوازية داخل الحزب ، التي أضرت هذه الإصلاحات بمصالحها مع العديد من الأطراف الاقتصادية الأجنبية .

كان من الطبيعي أن تشتد حملة خصوم التحرر الاقتصادي على حكومة عبد الله إبراهيم ، بالأخص بعد التدابير الاقتصادية التحررية التي قامت بها الحكومة ، لذا كان شهر دجنبر 1959 بداية الحسم معها حيث احتدم الصراع بين الصحافة الإتحادية المتمثلة في جريدة التحرير ، و الدولة فالجريدة كان خطها التحريري يتميز براديكاليته ، و لهجته القوية إزاء العديد من المشاكل الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي يشهدها المغرب . لهذا كانت المواجهة الاولى في شهر دجنبر بسبب مقال نشرته التحريرفي عدد 4 دجنبر 1959 تحت عنوان : “طردوا الاستعمار بالأمس فأصبحوا اليوم مطاردين” . و يتعلق الأمر بمجموعة من المقاومين و أرامل الشهداء توجهوا من الدار البيضاء إلى القصر لمقابلة الملك محمد الخامس ، ليعرضوا عليه الوضعية المأساوية التي يعيشونها  و ما يتعرضون له من سوء المعاملة فقامت الشرطة بطردهم . و في مساء نفس اليوم أصدر الديوان الملكي بلاغا يرد فيه على المقال الآنف الذكر    و اعتبر أن ما نشرته جريدة التحرير بالأخبار الكاذبة لهذا تقرر حجزعدد 4 دجنبر من الاكشاك بعد توزيعها  و في 5 دجنبر نشرت التحرير في ركن صباح النور مقالا توضيحيا ، و في 8 دجنبر نشرت مقالا آخر تحدثت فيه عن المضايقات التي تتعرض لها الجريدة و المتمثلة في حجز أعدادها الى حين صدور أمر آخر . و قد تكلل هذا الإصطدام بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و صحافته و القصر باعتقال محمد البصري مدير الجريدة ، و عبد الرحمن اليوسفي رئيس التحرير و هما كذلك عضوان في الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية و ذلك يوم 15 دجنبر 1959 و قد استند هذا الإعتقال على ما ورد في مقال نشر في ركن في الصميم عدد 13 دجنبر . و قد بدأ التحقيق مع محمد البصري يوم 24 دجنبر ، أما اليوسفي فقد استنطق صباح يوم 29 دجنبر و مساء 30 دجنبر و أطلق سراحه مساء نفس اليوم نظرا لظروفه الصحية الصعبة و سيعاد كذلك استنطاقه فيما بعد يوم 20 يناير 1960  .

اعتبر اعتقال البصري و اليوسفي ظاهريا رد فعل على ما نشرته التحرير في التعليق الوارد في ركن في الصميم و الذي يستعيد فقرات من بيان المجلس الوطني للحزب ، و الحقيقة أن ما وقع لم يكن سوى تغطية لمخطط مقرر من قبل يستهدف ضرب أحد أبرز أجنحة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و هو جناح المقاومة . لذا ففي يوم 20 فبراير 1960 بدأت الإعتقالات في صفوف المقاومين و أعضاء جيش التحرير، و قد تألف صك الإتهام الموجه ضدهم من أربع تهم هي : المس بسلامة الدولة ، مؤامرة تستهدف اغتيال ولي العهد ، الحيازة غير الشرعية للسلاح ، و تأسيس عصابة للإجرام . أثار اعتقال هؤلاء المقاومين  ردود فعل وطنية كان من أبرزها استقالة محمد بلعربي العلوي عضو مجلس التاج يوم 29 فبراير 1960. و من ردود الفعل التي اكتست طابعا خطيرا ذلك الذي صدر عن بعض قدماء المقاومين الذين لم يتحملوا ما تعرض له زملاؤهم من اعتقال و تهم ، ففي يوم 17 مارس 1960 قام القائد الممتاز لبني ملال البشير بن التهامي رفقة صديقه القائد محمد بن حمو الزموري ، باغتيال الضابط أقبلي المسؤول عن الأمن في الإقليم أثناء محاولة اعتقال القائد البشير ، مما اضطرهما الى اللجوء لجبال تلكيت رفقة عشرات من أفراد القوات المساعدة حيث ظلوا معتصمين في شبه عصيان ، و كانوا يأملون من وحدات جيش التحرير المتواجدة في الجنوب الإلتحاق بهم لتعزيزهم . و هكذا انتهى هذا التمرد باعتقال البشير و رفيقه بن حمو يوم 15 أبريل 1960 ليحاكموا بتهمة قتل الضابط أقبلي ، و لم يتوقف رد فعل المقاومين على ما وقع ببني ملال فقط بل قام ثلاثة ضباط بالقوات الاحتياطية ، و رجال السلطة بردة فعل مماثلة باعتبارهم من رجال المقاومة حيث أعلن كل من المساعد الأول مولاي الشافعي قائد القوات المساعدة في مراكش ، و البشير المطاعي و حسن الروداني بإعلان عصيان مسلح في الجبال المجاورة بمراكش ، و قد انتهى هذا التمرد بمقتل الثلاثة على يد القبطان الغول الذي كان على رأس القوات المغربية للإجهاز على هذا التمرد و القضاء عليه .

لم تمر سوى فترة قصيرة على الأزمة حتى لاحت مخاطرها ، و هكذا بدأ نوع من التراجع و حصلت اتصالات بين محمد الخامس و العديد من الأطراف السياسية بهدف التنبيه إلى خطورة القضية و حيثياتها  فكانت النتيجة ان أخذ الملك يتحقق من الأمر بنفسه  و قرر وضع حد لها ، ذلك أنه اغتنم فرصة عيد الاضحى الموافق ل 3 يونيو 1960 لإطلاق سراح المقاومين المتهمين في هذه القضية و من بينهم الفقيه البصري  . نتج عن عملية اعتقال المقاومين و اتهامهم بتدبير مؤامرة ضد ولي العهد الحسن قراران لهما أهمية كبرى في حينها ، القرار الأول : هو إدماج فصائل جيش التحرير في الجنوب المغربي في صفوف القوات المسلحة الملكية ، و القرار الثاني : إقالة حكومة عبد الله ابراهيم ، و لا يعتبر هذا سوى ايقاف للمد التحرري على الصعيدين الوطني و الاقتصادي . ففيما يخص جيش التحرير فقد كانت اعتقالات فبراير 1960 في الواقع مقدمة لإجراءات و تدابير أدت فيما بعد الى حل جيش التحرير بالجنوب ، الذي كانت مهمته تتجلى في تحرير الصحراء الغربية و الساقية الحمراء ووادي الذهب و الصحراء الشرقية ، و قد كان صدور قرار الأمر كله متزامنا مع زلزال أكادير حيث انتهز القصر الملكي الفرصة لحل جيش التحرير نهائيا ، و كانت السلطات المغربية قد تمكنت قبل ذلك من إضعاف الجيش عن طريق تجويعه    و منع السلاح عنه ، و اعتقل عدد من قادته الأساسيين الذين لم يكونوا يتخذون الاحتياطات أثناء تنقلهم في المدن المغربية ، و ذلك لوجود صلات تنظيمية وثيقة بينهم و بين فصائل الحركة الوطنية السياسية من جهة ، و لإعتقادهم بأن السلطة الحاكمة لا يمكن ان تقدم على اعتقالهم  و اضطهادهم . أما النتيجة الثانية التي تمخض عنها اعتقال المقاومين ، هي إقالة حكومة عبد الله ابراهيم ففي يوم 20 ماي 1960 تم إعفاء الحكومة بدون مبرر مقبول ، و كان التفسير الوحيد المقدم لذلك الإعفاء هو أن الحكومة طال بقاؤها أكثر مما كان قد قدره خصومها سلفا .

وردت هذه الاقالة في سياق الحملة الشرسة التي كانت تشنها الأطراف المعارضة لحكومة عبد الله ابراهيم و سياستها الاقتصادية و الاجتماعية ، خاصة بعد أن قرر الملك محمد الخامس إنهاء حملة الاعتقالات و المحاكمات الموجهة ضد المقاومين ، و أخذ يظهر اقترابه من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خصوصا بعد حضوره شخصيا احتفال فاتح ماي 1960 ، و إلقاء خطاب في المهرجان الذي نظمه الاتحاد المغربي للشغل بالمناسبة بالدار البيضاء ، و قد تزامن هذا مع اجراء انتخابات الغرف التجارية و الصناعية التي جرت يوم 8 ماي ، و التي حقق فيها الاتحاد الوطني فوزا كاملا إذ فاز مرشحوه في معظم المدن المغربية بأغلبية ساحقة بفضل تجنيد التجار ، و الصناع الصغار ، و حصل الاتحاد على مائة في المائة من المقاعد في غرف المدن التالية : البيضاء ، طنجة ، الناظور ، الجديدة ، سطات ، و في مجموع إقليم الشاوية و في آسفي و الرباط . و فاز بنسبة اكثر من 90 في المائة من المقاعد في مراكش و مكناس . اعتبر هذا الانتصار دعما قويا لحكومة عبد الله ابراهيم ، مما جعل خصومها يتخوفون من أن يعاد نفس الإنجاز الإتحادي في الإنتخابات البلدية و الجماعية المقبلة ، فكثفوا من حملاتهم و الضغط على الملك لإقالة الحكومة فكان جواب هذه الأخيرة أن اتخذت قرار الإستغناء عن البوليس الفرنسي الذي كان ما يزال يعمل داخل الأمن الوطني المغربي كمساعدة فنية “مفروضة” . كما درست الحكومة مشروع ظهير إعادة تنظيم الحكومة ، لتصبح إدارة الأمن دون التباس تحت مراقبة وزارة الداخلية و هكذا فإن مسالة طرح اختصاصات وزارة الداخلية ، و الأمن الوطني و المساعدين التقنيين الفرنسيين في الجيش و الشرطة و ترحيلهم ، أدت مباشرة الى تحرك الأطراف المعارضة للحكومة و خاصة المحيط المخزني التقليدي ، بقيادة ولي العهد الأمير الحسن مباشرة بعد أن أصدر عبد الله ابراهيم قرارا بطرد صديق الأمير الرائد بلير و هو ضابط بالبحرية الإمريكية و كان ملحقا بالديوان العسكري لولي العهد .

و هكذا نجح مخطط ولي العهد الأمير الحسن و جناح المخزن التقليدي في مخططهم لإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم ، ففي يوم 20 ماي 1960 استدعى محمد الخامس عبد الله إبراهيم ، و أبلغه بقرار إنهاء مهمة حكومته ، و في 26 ماي 1960 نصب الملك محمد الخامس الحكومة الجديدة التي تولى رئاستها في حين كان ولي العهد الحسن في الحكومة بمنصب نائب الرئيس ، لكنه في الحقيقة كان هو رئيسها الفعلي جامعا حوله مختلف التيارات السياسية التي شكلت سابقا المعارضة السياسية لحكومة عبد الله ابراهيم ، اضافة الى شخصيات اخرى معروفة بقربها من القصر ، خاصة رضى اكديرة الذي عين مديرا لديوان الأمير الحسن . و بعد أيام قليلة تم التفويض لولي العهد سلطات رئيس المجلس الحكومي ، و في هذا دليل بين على أن قوى القصر أحكمت قبضتها على تدبير الشأن السياسي في البلاد بشكل مطلق .

ظل حدث إقالة حكومة عبد الله ابراهيم موشوما في الذاكرة الاتحادية و أدبيات الحزب باعتباره البداية الحقيقية للقطيعة بين الحزب و النظام و الصراع السياسي بينهما ، و قد عبر المهدي بن بركة في تقريره “الاختيار الثوري” عن هذا الحدث بالقول : ” يجب علينا أن نعترف باننا لم نستطع ايقاف الانقلاب الذي حصل في ماي 1960 و الذي صفى ما تبقى من مظاهر المشاركة الشعبية في الحكم و لو أن هذا الانقلاب كان نتيجة لضغط الجماهير التي فرضت على حكم اتخذ اسلوب القسر و التحكم أن يزيل القناع عن وجهه و أن يظهر على حقيقته . نعم يمكن أن نجد لهذا الانقلاب جانبا ايجابيا اذ مكن من توضيح الوضع السياسي في البلاد و من إبراز القوى المتقابلة – قوى التقدم و قوى الرجعية – أنصار المستقبل المشرق و المتشبتين بعهود الماضي المظلمة من جهة القوى الشعبية و من جهة اخرى عناصر الإقطاع و فلول القوى التقليدية و الأحزاب السياسية المتفسخة و كذلك السماسرة ذوو المصالح المرتبطة مع الاستعمار “. و بعد 15 سنة من سقوط حكومة عبد الله ابراهيم اعتبر التقرير الايديولوجي الذي صاغه عمر بن جلون خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير 1975 أن إقالة هذه الحكومة كان بمثابة : حملة مضادة شنها الاستعمار الجديد و تبنتها الرجعية المحلية و التي أدت إلى إجهاض عملية التحرير الوطني على الرغم من ذلك الحلف الذي كان يربط بين الملك الراحل محمد الخامس و الحركة الوطنية…”

يمكن القول أخيرا ، أن سقوط حكومة عبد الله إبراهيم شكل منعطفا خطيرا في التاريخ السياسي للمغرب المستقل ، و كان بمثابة إعلان عن نهاية الآمال التي تأسست حول اختيارات ثورية ، و معارك تحرير وطنية مستلهمة من ايديولوجية عالمثالثية في أوج عزها ، بالمقابل فإن حدث الإقالة إن نم عن شيء فإنما ينم على القطيعة الكاملة مع الحركة الوطنية ، و التدخل المباشر للمؤسسة الملكية في الحقل السياسي ، كنقطة انطلاق لاستقطاب ثنائي للرهانات ، و لتجذر المعارك السياسية نتيجة احتجاب الوظيفة التقليدية ، والتحكيمية للملك لصالح تقلده دور زعيم سياسي متحيز .