كلنا في الهم شرق، وكلنا سواء كنا سلبيون أم إيجابيون حسب تقييم البعض، فإننا نعلم علم اليقين ونعبّر عن ذلك في شتى أوجه التعبير أن الحالة العربية ليست في أحسن أحوالها. كلنا نعلم أن الأمة العربية لا تعيش أفضل حالاتها، فبعد قرون من الإستعمار وعبادة الفرد وانتشار الفساد وانعدام الديموقراطية وعموم الجهل وانتشار الخزعبلات والتصديق بالمشعوذين والمشعوذات وفتح الفنجان وقراءة الطالع حسب تاريخ الولادة أو حسب منازل القمر والكواكب والنجوم وسيادة العادات السيئة على صعيد مجتمعي أكثر مما هي على صعيد الأفراد، فقد بلغت الحالة لدى أغلبنا بالإعتقاد والتسليم بأننا أصبحنا حالة ميؤوس منها. وإذا كان تيسير السبول قد انتحر لأنه عرف الحالة التي نحن مقدمون عليها مسبقا وسنصلها لاحقا، فقد تحققت نبؤته بالكامل ووصلنا إلى أسوأ مما تنبأ عليه.
إلا أنه وكما يعرف جميع الدارسين للحضارات، أن كل الحضارات لها منحنى ثابتا، تنشأ وتتصاعد حتى تصل إلى القمة، ثم تعود إلى السقوط التدريجي حتى تنهار بالكامل، بإستثناء الحضارة العربية التي شهدت على مدى عصور سقطات مرعبة وانتكاسات مخيفة محبطة لكل الآمال، ومع ذلك كانت تنهض دائما لتسود وتسترد عافيتها، ويحضرني في هذا المجال الصورة التي كانت تنشر على غلاف مجلة العربي في ستينات القرن الماضي بعنوان “حضارات سادت ثم بادت”.
لقد مر الأوروبيون بأزهى عصور النهضة حين ساد العلم وعمت الديموقراطية، حين كان الإيطاليون يدعون بالرومان، وحين ظهر سقراط وأبوقراط وأفلاطون ودانتي ومايكل أنجلو وغيرهم، حتى ظهر جاليليو وبدأت سيطرة البابا والكنيسة وأجبر هذا العالم على إنكار دوران الأرض بالرغم من قناعته المطلقة أنها تدور وتدور وتدور. ثم بدأ السقوط التدريجي للحضارة وبدأت القوميات تظهر على حساب الأممية وسيطرت الكنيسة وبدأ البابا في بيع صكوك الغفران وإعطاء شهادات الملكية لأراض في الجنة. واستمر تدهور الحضارة الأوروبية حتى جاء من أعاد لها اعتبارها وتوحدت أراضيها تحت أسماء كبيرة كبسمارك ولينين وديغول وحتى هتلر من ناحية ما.
وربما لا يعلم الكثيرون أن الأوروبيين عندما يدرّسون تاريخهم لطلابهم فإنهم لا يعرجون على ذكر هذه الحقبة المخزية والتي امتدت لحوالي 300 – 400 سنة. ويقولون أن هذه الفترة لم تخدم البشرية بشيء فلا حاجة للتوقف عندها، وبالتالي لا يذكرون إلا ما ساعد على خدمة الحضارة وانتشار العلم والثقافة.
أما الحضارة العربية وكما سبق ذكره فقد مرّت بأكثر من حالة إنحراف لهذا المنحنى، فبعد أن كانت نسيا منسيا على أطراف التاريخ إلى أن جاءت مملكة سبأ وحمورابي ثم الحضارة الإسلامية فوصلت إلى ما وصلت إليه من سمعة ونتائج قبل أن تعاود الإنحطاط، لكنها عادت مرة أخرى في الأندلس فأنشأت حضارة من العلوم والبناء لا زالت شواهدها حتى الآن.
أسوق كل ذلك في سبيل استنتاج وحيد أننا نعرف أننا كعرب، وإن كنا وصلنا الحضيض في منحنى الحضارات، فإننا سعداء لهذا الحال فقد بلغنا مرحلة لا يمكن أن نصل إلى أدنى منها. إن حالنا في التردي الحضاري قد وصل إلى أدنى الحضيض مما لا يوجد أسفل منه. وصلنا مرحلة مخزية أمميا حيث فقدنا الإهتمام بالعلوم التي تخدم الإنسانية وانصب اهتمامنا وكل تركيزنا على العلوم الشرعية وما نأمل في الوصول إليه من متع وشهوات بعد موتنا. كل ذلك يجعلنا لا بد أن ننتظر ابتداء صعود منحنى الحضارة العربية، حين نبدأ بالإنتفاض على واقع مخز معيب مؤلم. هذا ما علمنا إياه التاريخ وهذا ما أثبتته الأيام. لا بد بعد أن وصلنا إلى أدنى مستويات الحضارة أن نبدأ في الصعود. كل الحضارات سادت ثم بادت إلا الحضارة العربية فقد علمتنا الأيام أنها كلما وصلت إلى الحضيض، سرعان ما تصعد إلى القمة.
إذا كان أهم مظهر لسقوط الحضارات هو انتشار عبادة الفرد وغياب الديموقراطيات وعموم الطغيان والإستبداد، فإن هذا لن يدوم بعد اليوم وستعاود الشعوب العربية إنطلاقها نحو حضارة جديدة وستتخلص من أهم مظاهر التخلف والإنحطاط الفكري والعلمي.
رئيس جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
عمان – الأردن