في مجموعة ( مثلث العشق ) الصادرة عن دار العين لـ ( شريف صالح ) يعثر الجسد داخل تيمة كلاسيكية على فرص وفيرة لاكتشاف حصيلة متجددة من الجماليات والإلهامات المحتملة .. على تفاصيل مخبوءة في صراع تقليدي يعيد إنتاج جدله الخاص متشبعا بكافة كوابيس لحظته التاريخية ليطرح تجاوزه الدلالي المتمسك بلازمنيته .

في قصة ( جر الخيط ) نقرأ : ( اعتاد أن ينتظر عودتها من الخارج حتى ساعة متأخرة من الليل ، يستسلم صدره لوخزات ورغبات متناقضة ، صحيح أنها دائما تتصل به على الموبايل وتخبره أنها في المكان الفلاني وستعود في الموعد المحدد ، لكن من يضمن أنها فعلا في هذا المكان ؟ وماذا تفعل ؟ لماذا لا يجرؤ على مراقبتها والخروج وراءها ؟ هل لأنها تدفع أكثر في مصاريف البيت ؟ لو ناقشها وجها لوجه وصارحها بكل ما يدور في رأسه ستقول له أنت إنسان شكاك وتغير من نجاحي .. تريد تحطيم سمعتي ! )

هذا الخطاب الداخلي لدى زوج يواجه ألم الشك في زوجته يمثل الناتج التقليدي الذي يمكن أن يتوفر في حالة أي رجل يعيش هذا الصراع ، لكن في هذه القصة يصاحب تلك المعاناة فعل شديد الإيحاء وهو ( جر الخيط ) حيث نقرأ : ( لا يتذكر منذ متى بدأ هواية جر الخيط ، بمجرد أن يرى طرفه نافرا .. وحيدا .. بعيدا .. عن نسيجه ، تتحرك يده لا شعوريا ، يسحبه من رأسه ويجره .. ينز في يده .. يكر .. يكر .. إلى ما لا نهاية )

في حل الترابطات والتشابكات التي شكلت نسيج حياته مع هذه المرأة لا يراد التحرر فقط وإنما أيضا هناك رغبة في استرداد الماضي الذي سبق تكوين هذا النسيج وإعادة اكتشاف ومحاكمة حالته الأصلية حينما كان خيطا منفردا .. ( المشكلة أنه لا يدمر إلا الشراشف والستائر العزيزة على قلبها ) .. تمزيق ما يخصها أو ينتمي إليها ويحمل في نفس الوقت كافة الدوافع والأسباب التي سمحت للأواصر والصلات أن تخلق علاقة كهذه بينهما .. التفتيت البديل لتدمير كيان المرأة ذاته وهدم رمزي لوجودهما معا .

( انحنى تحت قدميها وأمسك طرف خيط وراح يدور به حول كعبيها المضمومين الملتصقين .. يدور بالخيط حول ساقيها وركبتيها .. ولأعلى .. يسحب الخيط بمهارة فائقة وحماسة .. يلفه دوائر حول جسدها )

لا تعني إعادة النسج باستخدام الخيوط الناجمة عن حل الأنسجة القديمة لا تعني للزوج سوى وضع الزوجة في شرنقة .. حصن يمنع عنها الرجال الآخرين .. يحافظ عليها ـ تحت وطآة تمسكه الشهواني بجسدها ـ لنفسه فقط ، ويمنع مفاتنها من أن تكون متاحة ، كما يقيد أي رغبة لديها في أن تمنح لأي رجل سواه ما هو ملك له وحده .. الشرنقة أيضا هي ممر التحول للكينونة حيث يصبح الكائن الذي تنسج حوله لحظة مغادرتها كائن آخر ـ لاحظ أن النسج في القصة يتم بخيوط تخص الزوجة كما يحدث عند دودة القز ، وهذه كانت إحدى الأمنيات الكامنة في فعل النسج للزوجة : أن تتخلص من وجودها الحالي لتتخذ وجودا جديدا مغايرا لا يسبب الألم للزوج .

في قصة ( سيدة الدانوب الأزرق ) نقرأ : ( الزوجة ” ل ” سيدة حنطية البشرة ، ممشوقة القوام بامتلاء خفيف ، تصغر زوجها بحوالي عشر سنوات . روت للشرطة أنهما استيقظا مبكرا في السادسة صباحا تقريبا . ثم خلع ” القتيل ” ملابسه كلها ونادى عليها من غرفتها المجاورة لغرفته لأنهما لا ينامان معا . طلب أن يمارسا الجنس قبل أن يأتي ميعادها الأسبوعي مع جلسة ” المساج ” )

تمتزج الإثارة البوليسية مع الشغف الشهواني بتواطوء يسعى لاستفزاز المراوغة والالتباس والغموض وراء اللافتات المبتذلة أو العناوين المعتادة عن القتل والخيانة .. فالس ( الدانوب الأزرق ) لشتراوس هو جوهر التواطوء والمصدر العميق والأساسي لهواجسه وإلهاماته …

( ضربات سريعة متلاحقة . فالس يوهان شتراوس في الذروة .. طعنات .. صرخات … ليست حزنا بل فرحا عنيفا خالصا . ثم تسترخي آلات الكمان كلها وتسترد المعزوفة حالة النعومة والانسياب .. لقد نثرت طعناتها بشكل احترافي في أنحاء جسده دون أن تردعها الصرخة الوحيدة التي أطلقها ، ولا فوران الدم واندفاعه في خطوط كثيرة في كل اتجاه ) .

كانت هذه لحظة القتل .. لكن لدينا لحظة أخرى في نهاية القصة نقرأ فيها : ( ظل ضاغطا بيده . حالة من النشوة والسمو والتصاعد في نهاية الفالس . تمنت لو أبقى ” كومار ” يده الدافئة في هذه المساحة قليلا إلى أن ينتهي التصفيق ليوهان شتراوس )

ظلت الجريمة في القصة غامضة بالنسبة للشرطة التي فشلت في إدانة الزوجة أو في إثبات علاقة غرامية بينها وبين المدلك الهندي ” كومار ” لكن الغموض الحقيقي يكمن في اللايقين الوحشي الذي كشف عنه التوظيف البارع لفالس شتراوس في لحظتي القتل واللذة الحسية .. كأن القتل فعلا جنسيا حقيقيا والغياب في متعة الملامسة الشبقية نوع من القتل بالضرورة .. كأنهما ممارسة واحدة أو بينهما اندماج وتوحد جوهري .. ربما يوحي لنا أيضا هذا الاستخدام للفالس بأن كل فعل منهما امتداد للآخر في حتمية ما ـ أفكر الآن في اعترافات العديد من سفاحي النساء والتي وثقت مشاعر الإثارة الجنسية التي كانوا يشعرون بها أثناء القتل ـ هذا التزاوج الحاد أو هذا الانصهار بين الجنس والقتل ربما يكمن سر توهجه في أنه لا يكشف أبدا بوضوح عن القاتل أو المقتول وبالطبع لا يكشف عن طبيعة القتل ذاته .

في قصة ( سنونوة ) ينتهي تجمع ( مثقفين ) من جنسيات عربية مختلفة داخل أحد الفنادق بوجود الراوي في غرفة فنانة سورية نصف مشهورة تكبره سنا

( سحبت الغطاء على وجهينا :

ـ شو رأيك … كل واحد منا يكشف رغبته الحقيقية ؟

كان رأسي مثقلا ، أغالب السكر والنعاس ، فلم أفكر سوى في رغبتي الطفولية التي لم أتخلص منها :

ـ أنام على صدرك وتلعبي في شعري .

دون كلام مدت يدها اليمنى إلى شعري وغاصت بأصابعها تفرك خطوط فروة الرأس ، بينما يدها اليسرى قبضت بعفوية على عضوي النائم ، وابتسمت في خبث : بحب نام وهو في إيدي )

في فيلم (Private Teacher  ) لأسطورة أفلام البالغين ( كاي باركر ) كانت القراءة المشتركة للخطاب الشهير لهاملت التي اقترحتها المعلمة ( باركر ) بينها وبين تلميذها الشاب الصغير ؛ هذه القراءة كانت هي الأداة المناسبة للإغواء بعد أن أدت في النهاية لممارسة جنسية وضعت حدا لعذرية الشاب وحققت أيضا رغبة المعلمة فيه .

يدفعنا الراوي وهو يعري جرحه الأوديبي إلى هذه الاستعادة لـ ( هاملت ) ثم نتذكر أنه قال من قبل ـ مازحا ـ للفنانة السورية أن ( شكسبير تجنى علينا جميعا .. رجالا ونساء ) .. المرأة / الأم تحب أن تنام وهي تقبض على عضوه كأنها تساعد طفلها على عدم الخوف من ( الخصاء ) بعد أن صار قضيبه في حمايتها وأيضا تسترد قضيبها المفقود ـ نفس أداء ( كاي باركر ) في أفلامها حيث كانت تحكم كفها كاملا وبقوة حول قضيب شريكها كأنها تغلق حضنا حصينا على طفل ينقصه الأمان أو على وشك الهروب ، وفي نفس الوقت تبدو بانفعالاتها المحمومة المصاحبة لهذا الفعل كأنها تتشبث بإله أو مخلّص ؛ هذا فضلا عن أن الشريك الجنسي لـ ( باركر ) في الأفلام التي صنعت شهرتها ـ مثل فيلم ( تابو ) بأجزاءه المتعاقبة ـ كان ابنها أو شاب يصغرها في العمر ..  نعرف أيضا أن الفنانة السورية أخبرت الراوي من قبل بأن شكسبير كان متجنيا على ( الليدي ماكبث ) وهنا تبدو كأنها تعيش حالة ضدية تلتحم فيها الصورتان النقيضتان لأم هاملت والليدي ماكبث أو بالأحرى تعيش الحقيقة المقموعة لديهما .. يثبت ( شكسبير ) ( جنايته ) حينما نقرأ في نهاية القصة : ( طوال بقية اليوم تعاملنا كأن شيئا سؤيا لم يحدث بيننا . ظلت لطيفة جدا معي رغم أن المقعد المجاور لها احتله الممثل الأسمر ” اللي يعقد ” ) .

هذا الممثل الذي صارحت الفنانة السورية الراوي بأنها معجبة به قبل أن يجمعهما سرير واحد ؛ هذا الممثل يصلح لأن يأخذ دور الأب / الغريم الذي يخلد ( العقدة ) الأصلية .. يمكنه أن يكون الملك أوالعم أو هاملت آخر بينما يصير ما حدث بين الراوي والفنانة السورية حلما استفهاميا عابرا لتاريخ الكبت .

في مقاربتها لتقنية ( ما وراء القص ) أشارت ( فيكتوريا اورلوفسكي ) إلى أن من أبرز الانتهاكات السردية التي تمارسها : التطفل بالتعليق على الكتابة ، والتورط مع الشخصية الروائية ، ومخاطبة القاريء مباشرة …

في ( مثلث العشق ) لا تتيح تقنية ما وراء القص للكاتب أن يكون خالقا أو مفسرا أو لاعبا فحسب بل تمكنه أيضا من أن يكون أحد أضلاع هذا المثلث ، وأن يبدل طوال الوقت وجوده بين هذه الأضلاع أو أن يوزع ذاته بينها .. على جانب آخر تتيح له هذه الآليات أن يأخذ مكان المتلقي أو الخالق الموازي للنص ، وأن يقاوم طوال الوقت أي تحديد لطبيعة دوره داخل هذه الحالات المتعددة .. يظل أيضا ممثلا للاستفهامات الرمزية اللاوعية بكافة أشباحها أو للاحتمالات الغامضة التي تتجسد كظلال لانهائية ممتدة حول النص .. لكن الذي أجد أنه من الضروري التأكيد عليه هو أن تدخل السارد لا يتخذ مظهرا محددا أو شكلا ثابتا ، وأعني بذلك أن الأمر لا يتوقف عند القصد المعلن للكاتب في تعريف القاريء على ملاحظات انتقائية أو ممارسات معينة يضمها ( مختبره السردي ) بوضوح ، ولكن من الممكن أيضا أن يتخذ هذا التدخل شكلا إيحائيا وضمنيا غير ملموس .. الحالة القصصية التي تشعر فيها بوجود الكاتب في النص ـ في شكل رغبة أو انحياز مثلا أو على هيئة شخصية خفية ـ دون أن يخبرك أنه موجود بالفعل ، ولكنه ترك للغة السرد ـ بما تشمله من فراغات وإشارات وعلامات ـ مهمة إبلاغك بذلك .

قدم ( شريف صالح ) في هذه المجموعة العديد من النماذج القصصية القادرة على خلق انشغال غير محدود بابتكارات ما وراء القص .. أهم هذه النماذج في تصوري قصص ( شعر غجري تتطاير منه الحجارة ) ، ( متاهة الثيران ) ، ( مينادا ) .. هذه القصص الملتزمة بالتأرجح الخادع بين الواقع والخيال ، والتي يكشف فيها عما يمكن أن نطلق عليه ( حياة ما وراء الكتابة ) تبدو كحيل نصية يجربها السارد ـ في تنقله بين أضلاع مثلث العشق كما سبق وأشرت ، وكذلك في تأملاته الذاتية وتشكيله للمفارقات الساخرة ـ ليدافع بواسطتها عن نفسه وعن ما يمتلكه من ذكريات وقناعات وبشر وهواجس متناقضة .. يحاول إقامة حائط صد كتابي يوفر له السكينة داخل جحيم اليومي ، ويبقي كذلك حواسه قابضة على ثقوب متعددة في هذا الحائط ليمرر من خلالها تساؤلاته وأفكاره ومشاعره عن ضعفه الشخصي وعن غياب الحلول الحاسمة .. الغياب الذي بقدر ما هو سبب دائم للتعاسة بقدر ما هو مبرر للاستمتاع بإعادة خلق العالم .

 

* * *

ممدوح رزق