( ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم )

ظل ( تشيكوف ) حيا لأن (جوليا فاسيليفنا ) لم تمت .. لأن التساؤل المشدوه لوالد الأطفال لم يخسر خلوده : ( أيعقل ذلك ؟! .. أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام .. لماذا لم تعترضي ؟! .. لم كل ذلك الصمت الرهيب ؟! .. أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب ؟! .. إنسان في سذاجتك وخضوعك ؟! ) .

لم تكن تعرف مربية الأطفال أن تعذيبها كان مجرد مقلب أراد أبوهم أن يعطيها درس من خلاله .. لكن شكرها له على غشه ونهبه مالها كان هو الدرس فعلا .. أعطته الحكمة الأزلية حينما ردت على سؤاله عن سبب الشكر بأنه في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لها شيئا البتة .. في قصة ( الساذجة ) من المستبعد في تصوري الشعور بعدم التصديق تجاه أي من الشخصيتين : المربية المسكينة التي كانت أضعف من أن تتصدى للظلم وتدافع عن حقها ، وصاحب العمل البرجوازي الذي ظل يقطّع بمنتهى القسوة من لحم المربية بإعصار بارد من الخصومات الظالمة ليجعل راتبها في النهاية 11 روبل بعد أن كانت مستحقاتها 80 روبل .. حتى الإحساس الذي قد يتملكنا بالمبالغة الكاريكاتورية أظن أنه لن يصمد طويلا أمام التفكير في ثبات الاستغلال الطبقي مقابل الاختلاف البديهي لصوره وتجلياته عبر الزمن .. الاختلاف الذي يحفز طوال الوقت دوافعنا للتساؤل حول العلاقة بين المعرفة والسلطة والإرادة الفردية والوعي الجماعي .. كأن للتاريخ حتمية ما ذات وجود متغير تحافظ دائما على توجيه السلطة للمعرفة الانتقائية ـ التعتيمية بالضرورة ـ وصياغتها على مستوى اللغة كرموز مقدسة .. هذا ما جعل والد الأطفال في القصة ( رب ) عمل بالمعنى الإلهي أي يحق له أن يفعل ما يشاء دون حساب ، وجعل كذلك من مربية الأطفال ( خادمة ) بالمعنى العبودي التي عليها طاعته ولا يحق لها مناقشة مشيئته .. التعتيم هنا يتعلق بالمساواة ومعيار القيمة وتراتبية العمل .. من لديه الحق في فرض نظام أو قانون غير عادل ، أو في منح امتيازات لعمل ما ونزعها من آخر ، أو في وضع مهنة ما بمكانة تفوق مكانة مهنة أخرى ؟ .. يحاول خطاب السلطة دائما ـ ربما أكثر مما تؤديه الممارسات غير الخطابية ـ أن يخلق واقعً مفروغا منه ـ مصدق ومستسلم له شعبيا ـ قائم على مسلمات تجمع بين التقاليد والأعراف الاستهلاكية ، وبين الاحتمالات المتناقضة الملتبسة لها والتي يسهل عليها انتاج حالات متباينة من الجدل الضبابي والصراعات المشوشة .. هناك إرادة ما وقفت وراء تشكيل الذات التي تحملها (جوليا فاسيليفنا ) .. حصار راسخ من الزيف البلاغي ـ وهو ما كان موضوعا أساسيا لـ ( تشيكوف ) في أعماله التي تناول خلالها بتهكم فاضح خضوع البشر لأنماط وقوالب كلامية مدمرة لإنسانيتهم ـ وكذلك أداءات متعددة للقهر النفسي والجسدي .. لم يكن غريبا إذن أن تتسم ( جوليا ) بكل هذا القدر من الخنوع الذي أجبرها أن تقبل بمهانة أخذ ما سمح به ( سيدها ) .

( ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثنى عشر روبلا .. كما وأن ( كوليا ) قد مرض فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس .. شغلت إبان ذلك بـ ( تانيا ) فقط ، هناك أيضا أيام ثلاثة شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة اعفتك زوجتي خلالها من العمل بعد الظهر .. اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر ، واطرحي ذلك فيتبقى بعد ذلك … آ … واحد وأربعون روبلا … أصبح ذلك
واحمرت العين اليسرى ( لجوليا فاسيليفنا ) ثم .. غرقت بالدمع ، فيما تشنج ذقنها وارتعش .. وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها .. إلا أنها .. لم تنبس بحرف ) .

هذه الذات كتوثيق لمشهد جمعي تدفعنا لاقتفاء أثر الهيمنة التي لا زالت تحرك الوعي العام وتلزمه بالإنخراط فيما هو مقدر ومفروض ومرضي عنه .. ليس الإنخراط فيه فحسب وإنما التعايش معه والشغف برتابة تفاصيله وأحداثه أحيانا ، والتعلق به لدرجة التوحد والخوف من الانفلات منه .. الكرامة هنا تبدو حلما عسيرا أو معجزة غير قابلة للتحقق ، وهذا ما جعل ( جوليا ) تأخذ الظرف الذي يحوي راتبها كاملا وهي غير مصدقة أن حديث والد الأطفال كان مجرد خدعة .. جعلها تتلعثم وهي تكرر الشكر لنردد في النهاية مع راوي القصة مقولته الأخيرة : (حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم ) .

* * *

ممدوح رزق

http://www.shortstory77.blogspot.com

العدد الأول من جريدة التقدم
وبمناسبة عيد العمال العالمي