في منتصف التسعينيات اطلق محمود درويش صيحته عالياً أن المعنى ينتحر ، كان يصيح في وجه أصوات السلام مع إسرائيل التي إستبدلته لسلام مجزأ بين سلام إقتصادي لشيمون بيريز و سلام سياسي بيد المؤسسة العسكرية و السياسية الرسمية بإسرائيل ، اليوم مع تداعي ربيع العرب و إنتقاله لخريف أصولي متأسلم لا بد أن أطلق في وجه من يرفع راية الثورة تلك الصيحة المنطلقة من ضمير شاعر و إنسان : إنتحار المعنى .. إنتحار الثورة.

لا أملك قبل الإنطلاق معكم إلا ان أجول بكم جولة لنرى كيف ينتحر معنى الربيع الديموقراطي و كيف تنتحر معاني الالفاظ ، الثورة و الحرية..

إن العرب لم يروا ربيعاً بمعنى الكلمة بل إحتجاجات جوعى و مقهورين تذكرني بحركة موسى الصدر حركة المحرومين التي صنعت لشيعة لبنان قوتهم الكبرى التي نراها اليوم ، إحتجاجات حركة المحرومين العرب خرجت و صاحت بالشعارات و أدت لإنتخابات و معها أفرزت حقائق غيرت المسار و طافت بالمحرومين على نفس الموائد جاعلة المعنى يفعل الشئ الأمثل..ينتحر !

*في سوريا خرجت مجموعات بشرية تريد التخلص من طبيعة نظام البعث الذي لم يجب التساؤلات السياسية للشعب السوري المرتبك في تركيبته الطائفية المعقدة و أعطى إجابات إقتصادية مشوشة لم تصنع الاجابة النموذجية لينتهي الأمر بفشل الطالب و محاولة طرده من دار العلم ، لكن الطالب مشاغب و يصر على البقاء محتجاً بظروف الدراسة و تصدت قوات الجيش للمتظاهرين في مشد أعطانا بدايةً و لعدة شهور مشهد الثورة إلى أن حدث ما لا يعقله مراقب ، تحولت الثورة لمهزلة إسلامية أصولية ممولة علناً تركياً و سعودياً و قطرياً و بيد غربية لخلع نظام هو الوحيد الرافض لسلام مستمر مع إسرائيل و هو الوحيد الداعم لمقاومة لبنانية و فلسطينية و هو الوحيد المصر على الروابط للنفوذ الروسي بالمنطقة لتتوالى صفعات على وجه الثورة بيد أصوليي ليبيا القادمين للجهاد و أصوليي القاعدة من يمنيين و أردنيين و قوقازيين في مشهد عبثي زاد الطالب شغباً و جعله يصيح في وجه رفاقه أنظروا ها هي الثورة تندلع من الأطراف بدعم من تعرفوهم و بيد من خبرتم نواياهم بينما شعبه له الحق المطلق في الثورة التي يوم اندلعت عارضت مصالح الجمهور المجاور له لينتحر المعنى و تنتحر كلمة ثورة وسط رصاص الارهاب في حلب و دمشق و حمص و حماة في تكرار مريع لإرهاب الستينيات و الثمانينيات الاصولي الذي قوبل بإرهاب مماثل من النظام بشكل يجعلنا امام جملة فرج فودة في توصيف حرب العراق و إيران قائلاً إنها حرب عبثية لكن من أجل التنوير و الحضار تُجرى بين رمز للماضي و رمز للمستقبل ، كذلك إنتحر المعنى في الثورة و باتت الثورة السورية تصفية حسابات في جولتها الثالثة .. و إنتحر معنى الثورة !

*في ليبيا هبطت وفود الثورة ببنغازي عبر مصطفى عبد الجليل و معه أعلام الملكية و شعار الثورة و الحرية لينتفض شعب عانى قهراً هائلاً و أذى بيد حاكم نصف مجنون و عائلة إمبراطورية أشبة بعائلة بوكاسا الامبراطورية ، سارت الثورة بيد السلاح في مشهد مسرحي يليق بشكسبير و إن سالت الدماء غزيرة فهذا مشهد درامي يليق بنهاية حكم زعيم ملوك إفريقيا ، لم ينجح سلاح الثوار في صد سلاح الامبراطور و إمتد حتى قارب بنغازي التي كانت تبتسم في سخرية ناظرة الى جيران الشمال الذين أقروا في الحلف المسيحي كما وصفه أيزنهاور ضرورة رحيل الامبراطور لتتدخل قواتهم وسط مهزلة مبكية حين يتقاسم ملوك فرنسا و المانيا و تركيا و دولة ما وراء الاطلسي الغنيمة و توزع الادوار و يخرج بعضهم غاضباً ثم يعود و يمد أحدهم يده الاناضولية للإمبراطور الافريقي ثم يسحبها و يصفعه و تستمر الضربات و يتقدم ثوار الحلف المسيحي و معهم ينتحر المعنى ، تلك الثورة تحولت إلى حرب من أوروبا القديمة -كما وصفها رامسفيلد و سيده بوش إبان غزوة العراق- لإعادة تقسيم المقسم و توزيع الغنائم المغنومة سلفاً و يتكلل المشهد بقتل مبث الافريقي على يد مكدف نصف الاوروبي و ترفع رايات الثورة و بالخلفية تنقسم البلاد حسب توزيع البترول و السلاح إلى برقة و ما وراء برقة و تتطاحن الفئات الثورية و يسود الفكر الاصولي حاكماً رافعاً للسلاح بإسم الربيع و الثورة .. و إنتحر معنى الثورة !

*في اليمن ظلت جماهير عشاق الحرية و القات تصيح بالثورة و رحيل الطاغية و بالخلفية يعزف كبير صنعاء بحجة الارهاب ليس لدى كبير صنعاء جيش فهو جيش  الامة و بالتالي يضرب الامة و ليس لدى ثواره غرض بل حرية فالجنوب حر في طلب الانفصال و الشمال حر في طلب الاصولية و سيد الاطلسي حر في دعم سيد صنعاء خوفاً من سلاح أصولي هو نفسه السلاح الذي خدمه في ليبيا و يخدمه في سوريا ، حشود البشر تقاتل و جيش السيد يضرب و ينقسم بينما قبائل البلاد تخرج في أزهى عصور القبيلة لتعطي سيد صنعاء درساً في حرية إن طالتهم خنقوها ، أصيب السيد في حادث عائلي و غادر للعلاج عند شقيقة حاكم الحجاز و بقت الثورة تمضغ القات حتى نسيت لما قامت و راقبت مخدرة سيد صنعاء يظهر محروقاً و يعود في ولادة جديدة كولادة سيد الاطلسي السابق المسيحية بوش و من صنعاء يقبل حاكم البلاد نائبه و يرحل في أداء راقص تاركاً ال 99.8% تهلل في إنتخابات مزكاه لنائبة و الثورة تترنح و قد فقدت المعنى فالديكتاتورك خلف ديكتاتور و العرب هائمون في الثورية التي إنتحرت و تداعت بينما تُكتب كوميديا الاخطاء الشكسبيرية بقلم يمني و رعاية سيد الاطلسي و سيد الحجاز ، سقطت ثورة في فخ القبيلة و قات الثوار و يلهوا الثوار بين أنتيفولوس و دروميو عابثين مخطئين و الثورة قد ماتت يوم رحل السيد و ترك السيد الاخر .. و إنتحر معنى الثورة !

*في البحرين خرج أناس يُقال لهم بحرينيين طالبين ألا يُورثوا كالأشياء شاخصين لأرض الكنانة و الشام فرحين بما يرون فجاء الرد من شيخ الجوار أنها فتنة لعن الله من أيقظها و أن آل فارس دبروها ضد آل التوحيد و بطش جنود الأمير الواثق من نصر الحجاز بمن ثاروا لكن الامور خرجت عن الحد و بات أمير الجزيرة قلقاً إلا أن نصر الحجاز قريب فجاء جُند مملكة الرمال الحجازية كدروع للجزيرة العتيقة قمعاً و كسراً للعظام مُجبرين ثوار الجزيرة الصغيرة على الكف و الصمت مدججين بسلاح الارض الذي صنعه سيد الاطلسي و سلاح الرب الذي أفتى به شيخهم الذي أنهى لتوه فتوى لصالح سادة اوروبا القديمة ، بالدين و الموت سقطت الثورة بالبحرين لا تسأل كيف و متى فالكل يعلمون فهم شهود ، قال مصطفى خلف في مرافعته ضد الحكومة أننا كلنا آثمون مخطئون مشتركون بالجريمة فمن لم يجرم قام بجريمة الصمت مشاركاً أصيلاً في الجريمة فحكمت له المحكمة لكن في البحرين تكلم مصطفى خلف فألقوه بالسجن مع رفاق الفتنة الفارسية و شيخ المشيخة المجاورة يسبح بحمد الله و الناتو رافعاً يده لله بالحمد أن من عليهم بنصر على الثوار و فتح للبحرين قريب ، ماتت الثورة و لعلها إنتحرت بصمت إخوانها في بلاد الشام و الكنانة .. و إنتحر معنى الثورة !

*في مصر ثار الناس بالتحرير رافعين الحذاء للفرعون بعد الاخير طالبين العيش و الحرية و العدالة الاجتماعية ووقف ميلاد بكتف محمود و صاح مينا مع محمد و حضرت الانثي المصرية بجوار ذكرها الثائر حتى رحل فرعون ما بعد النهاية ، رحل فرعون و حضر فراعين .. كلا و العياذ بالله فهي حضارة عفنة لنقل أن فرعون رحل و أتي أعراب متمصرون رافعين اللحى و المصاحف و الفتنة و شيخ المشيخة يبارك و يهنئ للناتو بالجوار و لهم بالقرب و إرتفعت هاماتهم إذ إرتفع طولهم إذ وقفوا على جثث ميلاد و مينا و محمد ، ثارت جموع المحرومين في مصر و جنت جموع المستعربين الارباح و رقص الفرعون في محبسه الاختياري فرحاً و طرباً و جنوده يقمعون و يكسرون و شيوخ الانس يبررون و يفتون حتى خفت بريق مفتي المشيخة بجوارهم ، عبثاً صارت الثورة و عبثاً صار الثوار و عبثاً كانت النهاية ان حكم البلاد عسكر فرعون بعد الاخير و شيوخ المستعربين ، تاهت الثورة المصرية في دوامة السياسة و غدر الاخوة و انقلاب الاشقاء الثوار و نفاق السلطة العسكرية حتى سأل الناس أقامت ثورة أرأينا ثورة؟!

تاهت الثورة و رحل الثوار بين هارب و مرحوم و فقيد و أسير .. و إنتحر معنى الثورة !

أختم معتذراً عن الاطالة بأن المحرومين لا يصنعون ثورة فالثورات الشعبية لها فلسفة تصنع رأياً يصنع تحركاً ثوراً له قائد أو قواد يحكمون بدلاً من نظم البطش ثم يطبقون فلسفة الثورة ، أما حركات المحرومين فهي تنتج حزباً لله أو حركةًللأمل و يتقاتلان ثم يتصالحان دون أن يكونا قادرين على حكم جموع المحرومين..