تذكرت بينما أتصنت عليه هو وصديقه من وراء باب حجرة الصالون أنني بلا أصدقاء .. عندي شخص واحد أقول أنه صديقي في حين أنني أفرض صداقتي عليه في حقيقة الأمر .. ابني العاطل لديه أصدقاء كثيرين ، وكان هذا سببا وجيها للانتقام منه .. أقصد معاقبته .. تهذيبه وإصلاحه بمعنى أصح .. عموما لم أكن أحتاج لبذل جهد كبير .. كان يكفي حينما أراه سائرا في الشارع مع أصدقائه أو واقفا معهم تحت البلكونة أو يجلس بصحبتهم في حجرة الصالون أو يكلّم أحدهم في التليفون كان يكفي أن أقول له بعد ذلك كلمة واحدة : ( إنت دلدول ) .. خمسة حروف سحرية كافية لإحراقه تماما وإبقائه مشتعلا مهما حاول إطفاء نفسه .. ربنا عرفوه بالعقل : كيف يمكن لشخص أن يكون لديه كل هذا الكم من الأصدقاء ويأخذون أغلب وقته هكذا دون أن تضيع شخصيته بينهم ؟ .. دون أن يأتمر بأمرهم ويسير على هواهم ؟ .. أولا هو واحد وهم كثرة ، ثانيا كلما نادى عليه أحد من تحت ينزل ليقف معه .. كلما اتصل به أحد يرد عليه .. كلما جاءه أحد يستقبله .. لا يقول ( لا ) أبدا فكيف لا يكون ( دلدولا ) ؟ ..  كان لقب ( ذيل ) كبيرا عليه لذا فهو لم يستحق سوى هذه الصفة التصغيرية ، مع العلم أنني أتحدث فقط عن الشكل الخارجي لعلاقته بأصدقائه ومدى خضوعه لهم والله أعلم بالتأكيد في أي شيء يطيعهم أكثر من ذلك .. متعة كبيرة أن ترى وجهه بعد أن يسمعها مني : ( انت دلدول ) .. إحساس رائع باللذة وأنت تتأمله وهو يكتم غيظه بصعوبة مانعا نفسه من القيام برد فعل يعيد رتق كرامته التي مزقتها وبعثرتها بسهولة كلمة واحدة .. متعة كبيرة وإحساس رائع باللذة لك أو لأي أحد آخر وليس بالنسبة لي .. لا شيء يمكنه أن ينقذني .. لا يوجد في العالم ما يمكنه معالجة أن يتهرب منك صديق ويرسل لك وأنت واقف على بابه من يكذب عليك ويخبرك بأنه غير موجود في حين أنك كنت تسمع صوته بوضوح تام قبل أن ترن الجرس .. لا شيء يقدر على تخفيف مرارة أن تظل تذهب كل يوم إلى صديقك الذي يتهرب منك حتى يرضى أن يقابلك في النهاية فتبتسم في وجهه بسعادة وامتنان وتستفسر بود كبير عن أحواله دون أن ترغب حتى في سؤاله عن السبب الذي يجعله ينكر وجوده كلما جئت إليه حتى لا يتضايق أو يغضب منك .. متعة كبيرة وإحساس رائع باللذة لك أو لأي أحد آخر وليس بالنسبة لي .. مهانة ابني العاطل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفرحني .

 

* * *

ممدوح رزق

جزء من رواية ” خلق الموتى “

تصدر قريبا