متربعة على الأرض وحولي كثير من الوسائد.. أحتسي “الجَبَنَة” ومستمتعة بطعم الزنجبيل و الغورينجال. كنت أتفرج على “أليس في بلاد العجائب” وأنا ممسكة “بالريموت كونترول”، ربما تأكيدا للإمساك بزمام الأمر -ظننتها خدعة ايحائية تُستعمل كبرمجة- ولكن الممتع إحساس القائد عندما تكون أنت المُبَرمِج.

هل أصب كوبا آخر من الجَبنة؟ أشاورني
لا، لن افعل، فصنع “التِنَة” سيفوّت علي الحلْقة.

ها هو هامتي دامتي على حائطه. لكم يغيظني هذا المخلوق البيضاوي. هل هو حقا بيضة؟!. إذا كان الأمر هكذا، لماذا يعتلي الجدران؟ ألا يخاف أن يقع فيتهشم!!!
إنها حقا بلاد عجيبة!
فليمنعه أحد. قلت في نفسي.
ثم أنمْنِم : هو حر. و لا زلت ممسكة بالريموت كونترول.

فجأة طُرق الباب
فتحت.
وجوه ملمعة وأزياء غالية وشعور مرتبة بأفخر أنواع “الجل” في كل المناطق أعلى الرقبة.
هل هذا منزل نضال سامي؟
نعم أنا
نحن مندوبو مبيعات لإحدى شركات مساحيق الغسيل و مساحيق الماكياج ومساحيق أخرى.
أهلاً و سهلاً
تفضلوا نتحدث في الظل فالشموس في الخارج تزغلل العيون فقط و ليس لها دور غير الإذابة والحرق وكل وسائل التلاشي. كانت في السابق قبل “عهد الإحتباس الحراري” سودانية حميمة تحتاجها الكائنات للنمو و الإستنارة.

بدأوا يتذمرون من الحر في الداخل!

إفتحي ال ؛آيه سي؛
عفوا ليس لدي تكييف للبيت
فجأة لاحظت تغييرا في أشكالهم..فركت عينيّ فربما هذا من كثرة الكافيين أو البحلقة في شاشة التلفاز وانا ممسكة بالريموت كونترول!

ما هذا؟!!! مستحيل ان أفقد السيطرة على عقلي. مستحيل!
لكن لماذا يتحورون إلى مخلوقات أخرى؟!!
يمتسخون!!!

أنا خائفة .. مرعوبة بل مذعورة. أبحث عن صوتي. فقدت السيطرة على صوتي!!.

يقتربون وقد تحولوا إلى هلام مقرف ثم يمدون أذرعهم و أصابعهم المليئة بالدمامل. ولست أكيدة في أن ما بداخل تلك الدمامل بكتيريا أم شيء يخص بيئتهم.

حاولت أن أهرب و لكن ثمة فرق في التوقيت الداخلي بين إرادتي و التنفيذ. إلتفوا حولي, فتحول الذعر إلى شيء يعرقل دخول الهواء وإستثماره داخل رئتي.

الأمر يزداد سوءاً وأتنفس بصعوبة رائحتهم المُنَتِّنَة للهواء. أصواتهم النكراء التي تتكاثر مع تكاثرهم، فأزْعَجتْ الجيران الطيبين حتى توجهوا ناحية بيت جيراني – الذين ذهبوا ليباركوا زواج بنت أحد معارفهم لشخص يشبه النمر فقط لأنه مُهَرمَن!.
و تجمهروا ليكتشفوا حقيقة إفتراضاتهم، حتى وصلوا لبيتي، فوجدوا مخلوقاً مخاطياً يمسك برقبتي ويذيب إفرازات دمامله المنفجرة في جروحي النازفة، و هو يصدر صوتاً بمتعة و تشفٍ و لكنه ليس ضحكاً، فالضحك مؤنسن ولا علاقة له بمخلوقات أخرى.

مختنقة، جحظت عيوني ويسهل عد شعيراتها الدموية وهي مركزة على الجيران، علّهم يتحركون أو يهتزون، فهُم من لديهم “ريموت كونترول” وليست أنا.
ماذا ينتظرون ؟ أن تقف هذه الأشياء على جثتي؟!!.

ظهر أحد الخائفين من الجيران و تقيأ قصيدة. بل شيئاً به مباضع وإمكانيات أخصائي “جراح تجميل”، و أنفه يستطيل ويستطيل حتى إرتطم بالجدار الذي يبعد أربعة أمتار و إلتوى ليستطيل بالإتجاه المعاكس. وهُم يجهرون بذلك الصوتِ مكانَ الضحكِ، بمتعة وتشدق حتى بدأ آخرٌ من الجيران بالبكاء حتى القهقهة!. فشَرُ البلية ما يضحك!.

فاستغلوا حالة الهستيريا الطارئة هذه ليأمروا برميه في مَعَلّة عقلية. لكن وقبل التنفيذ قُطع التيار الكهربائي في المنطقة وتوقفت المروحة الكهربائية التي تحسرت في تلك اللويحظات الدهور على انني لم أستخدمها للإنتحار قبل هذا الإنهيار و الدمار للكنترول الذاتي الخاص بي.

لكن إصرار الشمس أن ترسل حرارتها وتستغل كتمة الغرفة لتثبت الجانب المشرق للإذابة والحرق أثّر حقاً. بدأوا يتلاشون ويذوبون أمامنا وأمام الشخص “الأفقي السطحي” المفترش أنفه الملفوف ليتوكأ عليه وظهره للأعلى حتى أرجله إرتفعت و لكنه مسطَّح. أفقي!

لقد ذابوا مثل حذاء الكاوتشوك القديم في “كوشة محروقة” وفقد ذلك الشيء داخل الدمامل مفعوله.

الرائحة تتلاشى و لكن ببطء!.

وجد الأكسجين سِكّته وأعادت الرئتين تأهيلهما
أنا حرة .. طليقة!
قهقهتُ قهقهة الإنعتاق وأنا أنظر إلى القوم المبتهجين وكأنما كُشِحت فيهم البهجة!. وكأنما عارهم قد تلاشى أيضاً!.

قهقهت حتى العويل!. فإدراك الإنعتاق ينبِّه الغبن!. لكن ليس بيننا من يرسلني إلى مَعَلّة أو أي مَجَنّة أو أي مكان آخر.

بدأت صيحات كصيحات الإنسان البدائي الحجري عندما يندهش أو يكتشف ولكن ليس عندما ينكسف!.

عندما إلتقطتُ هتافهم بتمييز وجدتهم يتحسفون و يتلولون بأكثر من لو، لكنها تفيد جملة واحدة: ( يا ريت كان ولّعنا لينا حاجة من الأول. كانوا تلاتة وبعدها ملوا البيت كله والغريبة كل شيء متمسحين بيهو وملمّعين بيهو قابل للإشتعال!!!!).

ليتنا أشعلنا شيئاً.. ليتنا أشعلنا شيئاً .. ليتنا اشعلنا شيئاً!

مارس 2007
————————————————————————-

مفردات للشرح:

جَبَنة: قهوة بالعامية السودانية

التِنَة: إضافة ماء للمتبقي في الكنكة-الغلاية- ليغلي ويشرب للمرة الثانية في طقوس شرب القهوة.

غورينجال نوع من البهارات التي تضاف للقهوة والعرقسوس و المأكولات.

مُهرمَن: مغذى بهرمونات اضافية. إشارة للمصطلح القديم “للقطط السمان”

كُوشة تختلف من كوشة الأعراس. هذه الكُوشة عبارة عن تجمع للقمامة و النفايات وأكياس النايلون في كثير من الأماكن المهملة والمهمشة من البلديات.

إستطالة الأنف كمان نعلم رمز للكذب إستهلكناه من بعد شخصية الكاتب كارلو كلودي الشهيرة من ديزني “بينوكيو”.

* اللوحة المدرجة, رسمتها يناير 2010 على الكمبيوتر بيدي المكسورة في المظاهرة السلمية التي نظمها عدد من الأحزاب السياسية مع منظمات المجتمع المدني والحركات المعارضة المتوجهة للبرلمان لإلغاء قوانين مقيدة للحريات ولأجل إنتخابات نزيهة, ديسمبر 2009