ربما, هذه امتداد لما سبق واعتقدت انني انتهيت من تساؤلاتي التي دونتها في “التحدي لزرقاء اليمامه ان ترى بدون تلسكوب“, الا ان التساؤلات بقيت تدق راسي في ضاهرتين اجتماعيتين سياسيتين, متداخلتين متباعدتين في ان واحد, الا وهما:

1-ما اعقب التغير في 9نيسان في العراق من سلب ونهب لاموال الدوله وممتلكاتها من العراقيين انفسهم والاحساس بالرضى والتفاخر في تدمير مؤسسات الدوله. وما اعقب ذلك من فساد مالي واداري هائل يمول الارهاب نفسه والعنف ضد نفس المجموعه وضد الاخر.

2- احداث الثورتين المصرية والتونسيه بخطوطهما العامه التي صنعها شباب واعي متعلم طموح واثق من نفسه غير مؤدلج الا بالمستقبل الافضل والحداثه التي تبهره الا انه واثق من نفسه بإمكانيته تحقيق الحداثه, الا ان ثورتهم سرقت من قوى لم تدخل الثوره في مراحلها المبكره, الا انها اسندت من قوى اجتماعيه جاءت الثوره لصالحهم الا ان تلك القوى فضلت على الشباب قوى اكثر استبدادا لتحكمها باسم “ناس بتوع ربنا…..”. ورضوا ان يحكموا ليس فقط من قبل اجهزه امنيه متسلطه بل بقوى سياسيه تتحكم بتفكيره وبغرفته الزوجيه ودخوله الحمام والاختلاط بين الخضراوات واستخدام الجزر جنسيا واغتصاب الزوجه ومعاشرة الجثة.

وبدا, انني هنا غير مهتم بالدين كايمان, بل جّل اهتمامي بالفكر الديني, اي ما يفهمه الانسان من الدين وتمظهر ذلك على مستويات من السلوك والمواقف والوعي الاجتماعي والفردي, الطائفي والعرقي.

وبما انني عراقي, الا انني امتلك واستند على فكر انساني, لذا ستكون مقالتي هذه منصبه على العراق تحديدا, لانني عشت بعمق وعاطفه وفكر مرحلة ما بعد 9نيسان, وخسرت الكثير اثنائها مما لا يعوض الى درجة انني اخشى على نفسي, كما انني اشعر ان العراق ليس وطني لانهم حذفوا وشطبوا قسرا انتمائي الى وطن. فالانتماء للوطن هوا انتماء عاطفي حبي فيه جوانب مصلحية من مساوات اقتصاديه واجتماعيه وجوانب انسانيه من حريه الرأي والمعتقد والتعبير والعيش الكريم. الا ان ذلك لا يعني, اطلاقا ان لا اشير الى تجارب اخرى طبعا.

تمنيت بقوه, ان لا يعدم صدام بإدانته بجريمة الدجيل بل ان تتم محاكمة النظام سياسيا واجتماعيا, ومفكريا. الا ان القوى المتخذة للقرار اختزلت النظام بشخصه, بشخص الحاكم وعائلته ورموزه. وهذا اكبر خطا ناتج عن هزالة الثقافه السياسية السائدة, لا بل ضحالتها الى ابعد الحدود, وذلك ناتج عن كارثة التصحر والبداوة الفكريه والمعرفية والسياسية. لانها تفهم النظام بشخص وليس منظومه من العلاقات الاقتصادية والاجتماعيه والفكرية. مما يدل على غياب العلمية على مستوى الوعي واعتبار الحاكم مجموعه من العلاقات الاخلاقية من كافر/شرير. مما سهل عمليه الانتقال الشكلي لما بعد 9نيسان دون المساس بجوهر البنى الاجتماعيه والفكرية الحاضنة للاستبداد الكامن الذي يتمظهر بين الفينة والفينة في هذا المجال ام ذاك, في هذا التصريح ام ذلك.
طرحت بعد9نيسان, شعارات عميقة مثل الحرية والمساواة والديموقراطية والدولة المدنية. الا انها بقيت مجرد شعارات على المستوى السياسي, كما ان منظمات المجتمع المدني في العراق بقيت شكلية المحتوى والتنظيم والانجاز, ويحاول قادتها القاء اللوم على الدول المانحة في فرضها لشروط المشروع الا ان الحقيقة غير ذلك, لان بنى تلك المنظمات لم تخرج من عباءة البنى التقليده للمجتمع نفسه. بمعنى ان تلك الشعارات الفذه في انسانيتها وطموحها لمستقبل افضل لم تكن تستند على ارضيه من التحولات, فالثورة في اوربا جاءت مستندة على تراكمات من الانجاز الفكري الانساني من ثقافه وفن واقتصاد ودين وفكر. الا ان ذلك عندنا غير موجود او جاء خجولا. ولهذا لم تتمكن الشعوب من الامساك بزمام مصيرها ومستقبلها و وعادت الى الاستكانه مرتا اخرى بتبديل راس النظام وليس النظام نفسه. لان الارضيه عندنا هي الاستبداد من عشائري وابوي ودولة ريعية مترسخ في اصغر وحده اجتماعيه الى الاعلى, ويعيد الاستبداد انتاج نفسه منها مالم تحدث ثوره فكريه اجتماعيه بنيويه, ثوره في المفاهيم والافكار والسلوك, وبغير هذا لن نخرج من مثلث الموت: الاستبداد والعصبيات والاصوليات, والتي ساعد على بقاءها, رغم سكونها, اموال النفط.

اثـــير حـــداد