قد يجهل الإنسان أقرب ما يكون إليه ، وهي نفسه التي بين جنبيه ، والمشكلة فيمن يجهل نفسه أنه لايعرف أنه يجهل نفسه في معظم الأحوال ، فتتوالى عليه الخسائر المادية والمعنوية .

إن الإنسان في حاجة ماسة إلى اكتشاف ذاته ، وسبر أغوارها  ، ومعرفة مكامن الضعف فيها ، فيعمل على معالجتها أو السعى إلى إصلاحها ، ومعرفة أماكن القوة منها ، فيعمل على تعزيزها ، والاستفادة منها بأقصى ما يمكن الاستفادة .

ولا يتوقف اكتشاف الإنسان لذاته على مرة واحدة ، بل الإنسان البصير يكتشف نفسه أكثر من مرة وفي أكثر من اتجاه ، أي يمكن أن نقول أن الإنسان البصير يكتشف نفسه أفقيا ورأسياً بطريقة دائمة .

فهناك من يعيش ويموت ، وقد يكون لديه موهبة ما ، ولا يعرف ولم يدرك عنها شيئا ، ولا شك أن تلك كارثة قد تجعلنا نخسر الكثير من المخترعين والفنانين والمبدعين المحتملين .

إن أي إنسان وصل لنجاح مبهر ، لا بد أن تجد في سيرته ألواناً من المكابدة بل والطرائف أحياناً في سبيل الوصول لما وصل إليه من مكانة ، سواء على المستوى الشخصي الداخلي أو على المستوى العام وما يحيط به ، فعلى المستوى الشخصي هو في تحد ٍ بينه وبين نفسه ، ولا بد أن يثبت لنفسه أولاً قبل أن يثبت للآخرين أنه قادر على الانتصار وتحقيق النجاح ، وعلى المستوى العام قد يجد من المعوقات ما يلقى به إلى الفشل أو اليأس ، أو من يحقدون عليه ، ويحاولون عرقلته ، ولكن الذي يعرف نفسه ويؤمن بقدراته ، لايمكن أن يغزوه اليأس ، ويصنع قاعدة عسكرية بداخله ، مهما كانت وطأة الظروف .

“اعرف نفسك ” تلك هي المعضلة والحل ، فالجهل بالنفس قاتل ، ويجعل صاحبه فريسة رأي عابر أو فعل طائش أو واقع متقلب ، وتنعدم الشخصية الفعالة في حوزته ، ولكن كيف يعرف الإنسان نفسه ؟ ليصبح لديه الحل الذي يجعله ينجو من تناقضات نفسه أحياناً وكذلك تناقضات الحياة ؟؟

أولاً : طول التأمل في الأمور ، وألا يسجن المرء عقله في أي سجن ، ولوكان قصراً فكرياً أو مذهبياً مطلياً بذهب القداسة المزيفة .

ثانياً : البحث والكشف سواء في داخل الإنسان أو خارجه فما تظن أنك غير قادر  أن تفعله أو تجده، قد تصبح أنت أقدر من يفعله وأول من يجده

ثالثاً : التجريب فالتجربة ما أكثر ما أعطت الإنسان ، ومنها طور حياته ، ووصل إلى ما وصل له من تقدم ونجاح ، وما يصدق على العام الإنساني يصدق على الخاص الفردي ، فعلى الفرد أن يجرب، ويجرب لكي يحصل على المجال الذي يستطيع أن يعطيه أفضل ما لديه ،ويأخذ منه ما يشبع أحلامه ، وينعش روحه وفكره ، وإذا فشل في مجال فعليه أن يجرب في مجال آخر ،فكما يقول المثل الشعبي ” الحياة تجارب ”

رابعا : عدم الاقتناع بما وصلت له أو الرضا النهائي عما أنجرت لأن هذا هو بدايه النهاية ، فالناجح الحقيقي كلما حقق نجاحاً ينظر إلى نجاح أبعد وأصعب وأروع ، وكلما وصل إلى قمة يشتهي قمماً أخرى، ولا يشبع أبداً من الإنجاز .

خامساً : الإيمان بالعمل الجاد والمتواصل ، وأن يخلّف الإنسان منجراً لمن يأتون بعده ، من خلال مشروع حياتي ّ يدأب على العمل من أجله والتضحية في سبيل  تحقيقه .

وأخيراً يظل لكل إنسان طريقته الخاصة في اكتشاف ذاته فما ينطبق عليك ، قد لا ينطبق على غيرك بالضرورة ، فالحياة أم الاختلاف ، وإنما هذه مجرد لافتات على الطريق ، وغيض من فيض ، على أمل اكتمال الصورة .

 

بقلم : ياسر الششتاوي