وصلت الى نهاية, سلسلة المقالات هذه, فهذه ستكون الاخيره, والتي ساعنونها بعنوان فرعي = العزلــــــة =

وقبل ان اعرض وجهة نظري اود ان اوضح ان استخدامي لتعبير السلطة لا يقتصر فقط على السلطة السياسية, بل يشمل ايضا السلطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, والتي قد تظاهي احيانا او تتجلى فيها جميع السلطات الاخرى. فعلى سبيل المثال, الابويه, او العشيرة, هي سلطة مصغرة تتمحور فيها جميع السلطات الاخرى.ولنعد الان الى جوهر الموضوع العزلة.

ليس لدي معرفة في كون السلطات قد استخدمت العزلة في وعي او من دون وعي كعقاب يقل قليلا عن انهاء الحياة. فالمحكوم بالسجن الانفرادي يعاني من قسوة العزلة بدرجة اقل بقليل من الاعدام . واستخدمت القبائل العربية عقوبة العزلة على كل من يخالف نظامها الاجتماعي المتعارف علية والمتناقل ثقافيا من جيل الى اخر, ويعتبر سادة القبيلة, بالتعبير الذي يستخدم في التراث العربي, هم حراس تلك القيم الاجتماعية السائدة, لانها تضمن بقاء منافعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا السبب ظهرت حركات اجتماعيه مثل الصعاليك هم بالاصل من المعزولين من القبيلة والمطرودين منها, ولهذا فقد شكلوا تنظيما اجتماعيا معينا الا انه لم يصمد امام قسوة الصحراء والبداوة.

من ابرز مخاوف الانسان ان يعيش في عزلة, ولهذا فانه قد يتخلى عن حريته من اجل البقاء ضمن الجماعة. وقد يناقشني البعض بانه قد يتخلى عن جزء من حريتة وليس كلها, الا انني ومن وجهة نظري الحرية لا تتجزء. ولهذا فهو, وبمرور الزمن, سيتخلى عن حريته مقابل التخلي عن عزلته. الا ان المجتمعات المتطورة توفر للانسان بدائل تضمن انتماءه للجماعة او الجماعات مثل منظمات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات واحزاب ومنتديات …..الخ. وهذا ما توفره المجتمعات الحداثية. فما الذي عندنا.

فرضت قسوة الصحراء عمقا اضافيا للعزلة, حيث قربته من الاعدام. فالبداوة لا تفهم بل ترفض ان تفهم, ان للانسان كيان مستقل, الى حد ما, عن انتماءه البيولوجي. فالطبيعة الصحراوية القاسية لا تمكن الانسان من التفرد, او العزلة, هذا من جهة, ومن جهة اخرى, فقد اثبت العلم ان الانسان يخاف من المجهول. والصحراء مجهول واسع قاسي في عدم رحمته. والمجهول فيها تراتيبي ممل متكرر, رمال مترامية الاطراف متشابه الالوان تتناهى فيها الأبعاد والاتجاهات والرؤية فيها سراب. مما خلق بعدا ثقافيا في عدم اهمية المعرفة ” السراب”, فاصبح التكرار والرتابة هو السائد.

كما اشرت في مقالة سابقة, في ان العشيرة كتنظيم اجتماعي انتقلت الى المدينة والتقت بحاضنتها =الابوية = وتلاقح الاثنان مع الدولة البطريريكيه لتنجب مولودا مشوها غير قابل للحياة ولا للارتداد الى الماضي, فبقينا في الحلقة المفرغة ندور فيها, بين حداثه العصر, عصر المعلوماتية وبين البنى الاجتماعية الشديدة الوطئة كحائط الصين العظيم امام انتقالنا الى الدولة الحديثة, لا بل ان تلك البنئ الاجتماعية اصبحت تهدد الدولة نفسها بالانهيار مثل ما يواجه العراق وليبيا حاليا من مخاطر عدم القبول بالاخر وعدم الاعتراف بالاخر. وانفضحت لدينا ثقافة مجتمع لا يؤمن بالتنوع ولا بقبول الاخر واتهام الاخر على مجرد الشك والظن. وظهر لدينا مجموعة من المتشديين تبنو مهمة “ضبط” العادات والتقاليد حسب اهوائهم وقناعاتهم وثقافاتهم وطائفتهم, جاعلين من انفسهم قضاة ومنفذي الاحكام في ان واحد, زاعقين باعلى اصواتهم ” اننا دولة قانون” . فعلى سبيل المثال تصدر شعبة في وزارة الداخلية في العراق حكما اخلاقيا على الايمو, وتقوم هي بتنفيذه.

وهنا نصطدم بحقيقة مؤلمة اخرى, اين دور الجامعات التي مر عليها عشرات السنوات ولم تتصدى للظواهر المعيقة للحداثة؟ اين دور الاجيال التي خرجتها تلك الجامعات في التنوير ؟ اين دور الشباب في الدفاع عن مصالحه في مستقبل افضل ؟ يتوجب على ان انتهي من هذه النقطة قبل ان انتقل الى جوهر موضوع الجامعات في بلداننا, وهو ان هناك من سيقول لي ان الشباب المصري انطلق من الجامعات. طيب, ولكن هل انطلق من جامعة القاهرة الى ميدان التحرير ؟ العولمة التي لدي تقول لا, بل من الجامعة الامريكيه اولا. في هذه الاشكاليه التي يجب ان نتوقف عندها طويلا توضح لنا ان الشباب بشكل عام قادر وراغب في التغير ولكن قطاعات واسعة منه قد سجن عقلها. كيف ؟

ان المعلومة مهمة كمصدر للتعليم, لكنها تصبح عائقا فكريا ان كانت مبعثره لانها تتعب العقل. في الجامعات عندنا, مئات من الحقائق المبعثرة وغير المترابطة تحشى بها رؤوس الطلبة, ويجري الاستيلاء على وقتهم وطاقاتهم بتعليمهم المزيد من الحقائق لدرجة لا تترك لهم فراغا للتفكير. تأكدوا ان التفكير بدون معرفة الحقائق يظل فارغا وخياليا, ولكن المعلومات وحدها يمكن ان تشكل عقبة في وجه التفكير تماما مثل عدم وجودها. وهذا ما يحدث في مؤسساتنا التعليميه تماما, حيث يعتبر الطالب بنك لمعلومات الاستاذ دون تمكين الطالب من امتلاك امكانيات الحكم وتكوين الراي والحق في التعبير بحريه. فالعبرة ليست في تثبيت حق التعبير عن الراي في الدساتيرلان _ حق التعبير عن ارائنا لا يعني شيئا الا اذا كنا قادرين على ان تكون لنا افكار عن انفسنا وعن مجتمعنا_. وهذه الـ “ان تكون لنا” ان استطعنا ان نشكلها ستطئ اقدامنا الدولة الحديثة والا فسنعود نتغزل بالقمر قرب خيمة وفرس وسيف وجواري.