في ظل هذه الثورات الشعبية المنتفضة في وجه الاستبداد و صعود الحركات الإسلامية و ركوبها لهذا الحراك، و يعود ذلك للأرضية الدينية لهذه الكتل الجماعية، مما يسهل عملية الاستيلاء على المجهود اللاواعي لدى الأفراد المتلخص بهذه الانتفاضات, من قبل الإسلام السياسي وذلك لضبابية الرؤية السياسية عند هذه الشعوب و لعدم امتلاكها أية نظم سياسية واضحة المعالم.
من هنا أرى ان محاولة تعرية هذه الحركات التي تشكل خطراً على مجتمعاتنا خاصة و على الفكر الإنساني بوجه عام, هي لحاجة ملحة, فهي ( أي تلك الحركات) هادمة للحضارات الإنسانية و حارقة لكل منتوج علمي، رغم ادعائها الباطل بحماية العلم و الاختلاف و الفرد معاً.

محاولاتنا الهادفة لتعرية الوجه لحقيقي لهذه الحركات الإسلامية المتشددة ليس هجوماً على الإسلام نفسه، بل على العكس هي رغبة في تحرير الإسلام من جذوره و منابعه القبلية كي يستطيع التماشي مع حركة التاريخ و معطياته المتجددة. ولربما وجب علينا أيضاً أن نقوم بدراسة للشخصية العربية_الإسلامية التي تحمل في طياتها إدراك معين و وعي لواقع تجاوزها. و مع أن هذه الشخصية العربية-الإسلامية موزعة على مجتمعات عدة، و أن الموروث الجماعي لهذه المجتمعات يختلف عن بعضه البعض و ذلك لاختلاف الهيكلة الاجتماعية بين مجتمع و آخر، إلا أن هذه المجتمعات جميعها أصيبت بعلل و أمراض متقاربة ومتماثلة أحيانا، فالمؤثرات هي واحدة تتمركز بشكل أساسي في عاملين موحدين، الدين و اللغة، و التي تحت سقفهما تجتمع كل المجتمعات العربية.

وقد يكون من الضروري قبل ذي بدء ان نقوم بتسليط الضوء على أثر اللغة عند أفراد الجماعات و آلية توحيد الإدراك فيما بينهم.
فنحن نعلم ان اللغة لها التأثير الفعال النافذ لتقارب الأفراد، فهي تحمل في طياتها تجارب و خبرات تتناقلها الأجيال عن طريق العبارات و المفردات المتداولة، و كما نعلم ان النماذج المختزنة في الذاكرة تأتي إما من مخزون بصري أو من مخزون شفهي و الممزوجة أحياناً بمشاعر و أحاسيس.
لقد استطاع الإنسان تدوين عباراته منذ اختراعه الكتابة و بذلك استطاع تدوين سلوكياته ليتم تسجيلها في الذاكرة الجماعية معلنة عن نفسها من خلال العادات التي نشأت من جراء آلية غربلة جماعية لتجارب و خبرات فردية، فيؤخذ منها ما يتماشى مع البيئة الخارجية و يطرح ما هو غير ملائم، و هكذا تتحول هذه التجارب الى قوانين و أخلاق جماعية تفرض على الأفراد.

ما يحاول الإسلام فعله أو بالأصح ما حاوله عبر قرون عديدة، (طبعاً لا يختلف الإسلام عن الأديان الأخرى في محاولته زرع أو غرس صوراً عقلية غير صحيحة، إلا اننا اليوم بصدد الحديث عن الإسلام تخصيصا كونه يشكل عاملاً اقصائيا للآخر المغاير, ما لا تشكله الأديان الأخرى في هذا العصر, حيث انها لعبت نفس الدور في وقت مضى قبل أن يتم اقصائها عن الهيكلة السياسية لتجبر على اخذ طابعاً أكثر روحانية يتلائم مع الطبيعة النفسية لكل فرد، أي ان الهدف هو إعادة الأديان و الآلهة الى منبعها الأول و هو المنبع النفس للإنسان) اذاً هو خلق تمثيلات عقلية تمنح الفرد الرضى النفسي في واقع مؤلم مليئ بالحرمان و عدم الاكتفاء.
لهذا يتوجب علينا النظر الى مادة التاريخ المقررة في مدارس البلدان العربية ذات الثقافة الإسلامية، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة التفاوت فيما بينها، حيث نجد ان مادة التاريخ قائمة بحد ذاتها على الاعتماد المقصود و الموجه لخلق تصورات لانتصارات إسلامية مع اضفاء شعور التفوق و التميز لدى المسلم على الآخر المختلف، و هذا يلخص بعبارة بسيطة يستخدمها كل مسلم ” الحمد لله على نعمة الإسلام”. هذه العبارة تحمل في طياتها صيغة تمييزية ضد الآخر و شوفينية واضحة.
لا شك ان معاناة المسلم من واقعه و شعوره بالإحباط المتكرر الناتج عن نقص القدرة على الانتاج و العطاء الإبداعي و الحضاري و مشاركة الآخرين من أبناء المجتمعات الأخري المختلفة عنه، تجعله سجيناً لإدراك داخلي محدود. أعيد و أكرر ان المشكلة ليست في الدين الإسلامي بالتحديد، بل نرى ان هذه الاشكالية هي نواة الأديان جميعها القائمة على حرمان الفرد من أبسط اكتفاءاته الجسدية, ليقوم الدين بتأطير الفرد داخل قوقعة يتمكن رجال الدين من خلالها في نشر نفوذهم على الجماعات و الأفراد.

ولا بد لي من التنويه ان أغلبية الأديان والعقائد تعتمد على الغاء ما سبقها، بعدما أن تبنت جميع الأفكار التي وجدت من قبلها, لتضفي على نفسها صفة المخلص أو النور أو المعرفة, و هذا ما نراه بشكل واضح و علني عند وصف الإسلام لكل ما سبقه بالجاهلية في شبه الجزيرة العربية ناسفاً بذلك كل معرفة تمت من قبله متجاهلاً انه نفسه صنيعة ذاك التراث. ولا شك ان شعور الفخر لانتماءاتنا هو لناتج عن عملية التبجيل لنواتنا المركزية الأنوية، فنجد ان الفرد يميل للاعتراف الى كل ما يشابه تركيبته الثقافية و النفسية و يميل لمناقضة و نفي كل ما لا يشبهه أو يعرفه، و هذا ما نلقبه بالإدراك، فزيادة الإدراك و توسعه يعتمد على مبدأ الاكتساب لكل ما هو غريب عن الفرد، فتشنج الأفراد لمعارفهم و ثقافتهم و معتقداتهم متعلقة بما يسمى بالتلقين المشروط.

عودة الى التمثيلات العقلية المستمدة من تاريخ قد تم تحريفه و تم تلقينه الى الأطفال من خلال المناهج الدراسية, أو من خلال أماكن العبادة أو المتأتية من الثقافة العامة للمجتمعات المتأسلمة. فإننا نجد و حسب الدراسات العصبية الأخيرة التي تطرقت لتفسير آلية تخزين هذه التمثيلات التي تختزن في ذاكرتنا الطويلة الجماعية و ذلك من خلال تكرارها بشكل دائم حتى تصبح ركائزاً و أسساً مطلقة لا يجوز الجدال فيها، و لا يمكن التطرق لمجرد البحث عن صحتها، بل أكثر من ذلك تصبح أيضاً أعمدة سلوكياتنا.
ان التمثيلات العقلية المسجلة و المختزنة في الذاكرة الجماعية لها أثرا كبيرا في توجيه الإدراك و تبني سلوكيات معينة ضمن خطوط رسمت للأفراد، و هنا نجد ان الثقافة الإسلامية اعتمدت على تجريد الشعوب المتأسلمة من تاريخها، لتجعل نفسها نقطة البداية للمعرفة و العلوم نافية بذلك العطاء الإنساني السابق لها. محاولة بذلك ايجاد خط واحد لآلية التفكير وبالتالي تكون قدرة التحكم بالأفراد اكثر يسرا.
طبعاً هناك الكثير الذي يمكن أن يقال و يبحث به في هذا المجال، الا ان مساحة المقال لا يمكنها اعطاء كل مايجب اعطائه.