هذه المقالة,التي هي جزء من سلسلة المقالات, لا تجيب قدر ما تطرح تساؤلات , اتمنى ان تتم مناقشتها لغرض اغناء الموضوع من اجل ان لا يتكرر ما حدث ويحدث دائما, او كما وصف احد المثقفين الثوره بانها مثل العزف على القيثاره, توخذ باليد اليسرى ويعزف عليها باليد اليمنى , او ما حدث في مصر. حيث صنع الثورة الشباب المصري بتضحيات جمه وتفاني قل نظيره وتنظيم عالي الا انها سرقت منهم, من قوى بحسابات المرحلة تحاول سحب الحاظر ام قياسه حسب الماضي.

دعونا ناخذ الفياغرا الفكريه وننطلق لبحث واقعنا ومستقبله وتحليل الماضي, ليس لغرض التغطي به, بل لغرض فهم اين هي الكوابح , لماذا نكبو , والسؤال الاخطر من الكّل :لماذا هناك خوف قوي من الحرية ؟

قال كانت, احد فلاسفة التنوير واصفا اياه بـ ” هجرة الانسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها, والقصور هو حالة العجز عن استخدام العقل, والانسان القاصر مسؤول عن قصوره لان العلة في ذلك ليست في غياب “العقل” وانما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته, من دون قيادة الاخرين….لتكن تلك الشجاعة على استخدام عقلك بنفسك, ذلك هو شعار التنوير”. من هذا نستخلص ان كانت حدد عاملين مهمين للتنوير هما استخدام العقل من دون رقيب و بشجاعه, لان حالة القصور يتحملها الانسان نفسه لعدم استخدامه لعقلة. وهنا اود ان اضيف ان المقصود هنا “بالعقل” ليس الماده داخل الجمجمه بل فعل العقل اي التفكير العلمي وبمنهجيه علميه.

مر اكثر من مائة سنه على حركة التنوير, التي اجتاحت العالم الغربي بقوه هائلة, وزعزعت ركائز السلطة الابويه ورجل الدين, الا انها لم تمنع من اعادة انبعاث الحركات الشعبية الفاشية في اوربا في ثلاثينيات القرن الماضي, وصعودها الى السلطة بدعم شعبي قوي في كل من المانيا وايطاليا. فما الذي حدث ؟

في كتابه الخوف من الحريه, يقول اريك فروم ” وعلى اي حال فان الطبقات التي كانت تقاتل ضد الاضطهاد في مرحلة من المراحل نراها مع المعركة الطويلة والمستمرة من اجل الحرية تتأزر مع اعداء الحرية عندما يكتب لها النصر وتكون هناك امتيازات جديده تقتضي الدفاع عنها” . والكتاب هذا كتبه فروم في بدايه الاربعينيات من القرن الماضي, اي بعد صعود النازية الالمانية الى السلطة, مما يجعله وثيقةٌ هامةٌ جدا لفهم انبعاث التسلط من الاسفل, وهذا بالنسبة الى اوربا.

ولنقارن الان التجربة الالمانية بما يحدث عندنا. ان التجربة الالمانية والايطالية سابقا, والعراقية والتونسية والمصرية حاليا تشير بوضوح الى ان وصول موسوليني وهتلر الى السلطة, وكذلك القيادات الحاليه في مصر وتونس والعراق لم يصلوا الى السلطة عن طريق الخداع والوهم اطلاقا بل لأن هناك ملايين من الناس شغوفة بان تسلم حريتها بالقدر نفسه الذي كان اباء هذه الملايين يقاتلون من اجل الحرية. وانهم بدل ان يريدوا الحرية بحثوا عن طريق للهروب منها, وان هناك ملايين اخرى غير مكترثة ولا تؤمن بان الدفاع عن الحرية جدير بالقتال والموت من اجلها. نقطه راس السطر.

اننا هنا امام مواقف اجتماعيه معينه اما ان نحصرها بين الخوف من الحرية و عدم الاكتراث من قبل ملايين من الناس, تستغل قوى سياسية تلك الحاله في لحظة زمنيه معينة وتقود تلك المجاميع, ولتكتشف تلك الملايين بعد وهلة انها مقادة الى الهاوية. ولكن هذا لا يعني ان تلك الجماهير ستستفاد من تجربتها ولن تعيد الكرة مرة اخرى, ولا يعني ايضا ان تلك الجماهير لن تصل الى الحرية عبر الديموقراطية.

لنعاود محاججتنا في اهمية الحرية للانسان. اذا اتفقنا ان لا سيطرة على الانسان الا عقلة, اذن فان القضاء او التخلص من اية سيطرة خارجيه على الانسان تعني الحرية, اذن لنراجع المسيرة الانسانية بسرعه.

عندما حد الانسان من سطوة الطبيعة عليه او تحرر منها بفعل عمل واعي استطاع الانتقال الى, وبشكل مجازي, الى المكننة ومجتمع المدينة. وعندما تحرر الانسان من سطوة السياسه ورجال الدين بدا عصر التنوير.

الا اننا لاحظنا ان الانسان لا يزال يعاني من خوف داخلي من الحريه. وقد اشار جون ديوي ان ” التهديد الخطر الذي يواجه ديموقراطيتنا ليس هو وجود دولة تسلطيه خارجيه, بل ان الوجود داخل مواقفنا الشخصية وداخل مؤسساتنا هو الذي يعطي انتصاراً للسلطة الخارجية والنظام والهيمنة والاعتماد على “الزعيم” …..ومن ثم ايضا فان ساحة المعركة هي هنا …… داخل انفسنا ومؤسساتنا”. وفي رواية ” حفلة التيس” لـ ماريو باغاس يوسا والتي هي عبارة عن تدوين قصصي لتاريخ جمهورية الدومنيكان, يغضب الرئيس من احد وزراءه, ومن اجل استرضائه يقوم الوزير باهداءه ابنته ذات الاربعة عشر عاما فقط, هدية لليلة واحدة. وهنا نقتبس هذا القول للوزير لاهميته فيما يتعلق بموضوعنا, حيث يقول الوزير عن اهداء ابنته : ” ليس من اجل نيل ثقته, وليس لإثبات له بانني مستعد لاية تضحية من اجله. وانما ببساطه لانه ليس هناك ما يرضيني ويسعدني اكثر من جعل الزعيم يُمتع ابنتي ويستمتع بها. نقطه انتهى راي الوزير.”

هذا يطرح مجموعه من التساؤلات المهمة والجوهرية : ما الذي يدفع الانسان ان يكون خنوعا ؟ ما الذي يدفع الانسان ان يخلق له “زعيما” ؟ ولكي لا ابقي الا الأسباب التي سأناقشها في مقالة لاحقة, اود هنا ان اناقش رأي سائد, ربما, والمتجلي في علاقة الانسان بالطبيعة. ويطرح الرأي هذا على ان محدودية الموارد الطبيعية وعدم قدرتها على تلبية كل او جميع متطلبات البشر هي الاساس في خلق شهوة القتل والعدوانيه والخنوع لدى الانسان من اجل الحصول على اكبر المنافع والتمتع بها. ان الامتحان التاريخي لهذا الرأي يبطله, حيث ان تمتع الانسان بحريته ضد الطبيعة, بمعنى اخضاع الطبيعة له, مكنته من حل غالبية المشاكل التي تواجهه. كما ان قهر الانسان لتسلط السياسيين ورجال الدين على مصائره مكنه ايضا من بناء مجتمعات الرخاء والتنمية المستدامة وبالاساس المجتمع المدني.

لم يبقى لدينا هنا سوى حالة الميل نحو الخضوع للزعيم وحالة الخضوع للظروف الخارجيه. ما هو سببها ؟ اعتقد انها الخوف من العزلة لدى الانسان….

اثـــــير حـــــــــــداد