سالني عدد من الاعزاء عن سبب وضع تناقض بين زرقاء اليمامة والتلسكوب, في سلسة المقالات هذه, ولم اكن انوي التوضيح بشكل سردي. الا انني قبل ايام قليلة شاهدت فلما وثائقيا عن كارثه تحدث في مدينة في الولايات المتحدة الامريكيه, وحال الانتهاء من الفلم عاد عنوان مقالاتي الى عقلي, فدعوني احكي لكم قصة ذلك الفلم.
مدينة بيب Beeb مدينة فلاحية صغيرة, يتميز سكانها بالتزامهم الديني الكاثوليكي الشديد. في عام 2010 وقبل ساعة من حلول السنة الجديدة, تمطر السماء جثثا لطائر الشحرور الاحمر الجناح, فتغطي جثث الاف منهم الشوارع واسطح المنازل والساحات والمزارع. فيخرج رجل الدين صارخا ان الله يرسل رسالته منبها بني البشر بانة يعاقبهم لانهم يعصون اوامره, ويستشهد رجل الدين هذا بايات من الانجيل تقول, عندما تسقط الطيور من السماء وتموت الاسماك في البحار فان يوم الحساب قادم. ولا ينسى الفلم ان يتسائل: لماذا الانتقام من مدينة جلها مؤمنون في ليلة راس السنة مع ان باريس ولندن وطوكيو وستوكهول وفينا وبراغ وكوبنهاكن احتفلت براس السنة دون تنبيه بعقاب. لن اطيل عليكم سرد وقائع الفلم, لانه يتحرى عن السبب. يكتشف عالم انواء جويه عند قرائته لخارطة الانواء الجويه المقدمة باسلوب علمي رائع من قبل تلسكوب هبل ان فوق مدينة بيب, في ذلك الوقت, كان هناك تغير مناخي ساعد على انتقال اصوات الاحتفالات والالعاب الناريه من المدن الاخرى اليها بقوى, مما ارعب طير الشحرور الاحمر الجناح في الليل,فطار مرتعبا وهو لا يرى في الظلام فارتطم بكل ما هو ساكن, وسقط ميتا.
الفلم الاخر يوضح كيف يعمل العقل البشري, بعد سنوات من غسل الدماغ المتواصل والجبري على العقل. في كوريا الشماليه تراكم عدد المصابين بالعمى ما بعد الولادي نتيجه لاسباب مختلفه. يتبرع طبيب من كوريا الجنوبيه للقيام بعمليات لعيونهم, ويجري مئات العلمليات. وفي يوم معرفة النتيجة يجلب جميع المرضى الى قاعه تتصدرها صورتين لكيم ايل صونغ وابنه بالحجم الكبير ويجلس الجميع واوجههم مقابل تلك الصورتين, ويحضر الحفل طبعا الطبيب وشخص يطلق عليه الفلم “المفتش” , الذي يشبه الى حد بعيد ضباط الامن للبعث ولعبد الناصر لتجهمه وشعوره باهميته.
يبدا الطبيب بازاله ضمادات العمليات الجراحيه, والجميع ينتظر معرفة نجاح العمليه, يرفع ضماده المريض الاول يقرب يديه من عينيه ويقول له هل ترى شيئا, بانفعال شديد ينهض المريض من مقعده, ويتجه صوب صور الزعيمين, كالمنوم مغناطيسيا, ويبدا بالصراخ والعويل: شكرا شكرا لك سيدي اني اعظّمك وسابقى طوال حياتي اخدّمك, وساعمل على ان يخدُمك احفادي من بعدي. تتكرر تلك “التراجيديا” مع كل مريض اخر مع اختلافات بسيطة في التفاصيل.
خارت قواي مع نهاية الفلم, ولكن عقلي استمر يعمل وصرخ: انهم يعبدونه رغم أنه لم يقدم لهم شيئا, كان يجب أن يشكروا الدكتور.فاول ما لمحت عيناهم صورتهم شعروا بالخوف تجاههم فاستجاب عقلهم لخوفهم بان من الواجب تقديم فروض الطاعة, فنسوا فضل الطبيب عليهم, وكان عقلهم يأمرهم بتقديم فروض الطاعة للمرعب وليس للمنقذ.والاكثر دلالتا على ذلك ان البعض منهم فقد بصره قبل ان يتوج كيم ايل صونج الابن منصب الزعيم,بمعنى انه لم يرى صورته من قبل, الا ان عقله المرتعب دله عليه بدلالة صوره ابيه المرعب ايضا.
هكذا يعمل العقل البشري في حالة الخوف المستمر, ان يقدم الشكر لجلادة لا لمنقذه.فلاكثر من 50سنه في كوريا الشماليه لا يعرف المواطن سوى حاكم واحد. تطلب منه الاشياء وهو الذي يهب ما يشاء ويقرر مصير الافراد والشعب, وما عليك سوى الطاعة والتنفيذ لسلسلة من الاوامر تشبه الى حد بعيد جعل العقل البشري يعمل كما يعمل اي برنامج للكومبيوتر.
الخطباء, عندنا, يصرخون ليلا نهار عن اهوال يوم القيامة. فجمدوا العقل رعبا وجهزوه للشل الفكري, فيصبح سهل القيادة. هم لا يتطرقون لاهوال حاضرنا من جهل وفقر ومرض ومعدلات جريمه واغتصاب ومعدلات اميه واوبئه متفشيه وارامل واطفال شوارع وتدليس وفساد مالي واداري وقلة مساكن للفقراء واستغلال الطفوله وانتشار الدعارة بين الاطفال وبيع الاطفال قطعتا واحده او حسب الطلب. لا, لا يذكرون ذلك بل يقدمون صوره, لم يراها احد, صوره افتراضيه لاهوال تجعل العقل البشري, بالاخص الامي, يرتعب منها ويرضى بواقعه على انه افضل من القادم, من يوم القيامة. فان هو عصى اوامرهم فان مصيره في الاخرة اصعب مما هو عليه الان. فاتخذ من الطاعة العاطفية مبدأً عَلها تنقذه من يوم اخرة مرعب, قدمه له خطيب بصورة ارضيه من حرق ونار واوتاد, ولم يقل له الخطيب كيف ان الا ماده, الروح, تحس بالالم, لان ذلك لا يخدم الخطيب, الذي يسعى نحو شل الفكر بالخوف.
ان المهام التي تقع على عاتق مثقفنا جسيمة من اجل التنمية المستدامة, ولا تتم تلك المهمة الا بتناول الفياكرا الفكريه التي سنستمر في توصيفها لاحقا.

اقرأ “أتحدى زرقاء اليمامة أن ترى الديموقراطية بدون تلسكوب 9 أ: الفياغرا الفكرية” من هنا.