نشر على موقع  الحوار المتمدن – العدد: 3659 – 2012 / 3 / 6 , مقال للكاتبه نهى سيلين الزبرقان حول موضع المثليّة الجنسيّة و قصة لوط الخرافية ,,وبعد قرأئه بحث الكاتبه ومعالجتها …كان لي التعقيب التالي بالتعاون مع الباحث العراقي الشاب دكتور علي طالب …والدي قام مشكورا بتقديم تحليل ثاني للموضع …انطلاقا من روح الرأي والرأي الاخر ..في جو الاحترام المتبادل.

اقرأ المقال هنا.

التعقيب :

(أولاُ) موضوع تاريخية شخصية النبي إبراهيم والنبي لوط عليهما السلام ..صحيح إنه لا يمكن تاريخياً إثبات وجودهما ، لكن الصحيح أيضاً أنه لا يمكن تاريخياً إثبات العكس .. وهذه أحد الأساليب الكثيرة التي يلجأ إليها المشككون بالجدل ، والتعسف في إنكارهما تاريخياً  غير مستند الى الدليل العلمي ولا يختلف بدوره عن  نبره طروحات  المتدينين.

(ثانياً) التسليم من صاحب المقال بأن الحكم الإسلامي في اللواط والسحاق هو الإعدام أمر غير صحيح ، وإذا رجعنا للقرآن الكريم فهناك آيتين فيهما حكمي السحاق واللواط ولم يرد القتل فيهما ، راجع سورة النساء الآية 15 (في السحاق) والآية 16 (في اللواط) ، هذا علاوة على أن الأحكام القرآنية في القصاص (كالجلد وقطع اليد) تخضع اليوم لجدل كبير بين المفكرين المسلمين المعاصرين ، فبعضهم يعتبر الناسخ والمنسوخ في القرآن (من جهة) وإجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب المشهورة (من جهة أخرى) في مخالفته لنص القرآن (إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وتعطيل حكم قطع اليد وتعطيل الحكم الشرعي في توزيع غنائم الحرب على المقاتلين عند فتح العراق) وعدم إعتراض الصحابة على ذلك ، دليل على أن أحكام القران في القصاص ظرفية وليست أزلية وقابلة للتجميد أو التبديل بحسب ما يرتئيه الحاكم الشرعي للمسلمين .

(ثالثاً) قضية زنا لوط مع بناته وإشكالاتها التاريخية والأخلاقية (وقد ألح كاتب المقال على هذه الحادثة) قضية لا تعني القرآن الكريم ولا الإسلام لأنها لم ترد فيه ، وإنما هي من وجهة النظر الإسلامية قضية مفبركة ، لم ترد إلا في التوراة ، بل هي أحد مآخذ المسلمين على أهل الكتاب وجود مثل تلك القصص التافهة في الكتاب المقدس ، والقرآن أكد أن يد التحريف قد طالت التوراة وكذلك الكنيسة الكاثوليكية قد أقرت بأن هناك إزدياداً تدريجياً في الشريعة الموسوية كان يحدث بمرور الزمن بعد موسى (أنظر هامش مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس باللغة العربية) ..

(رابعاً) يقول كاتب المقال  ، أن القرآن الكريم أولى إهتماماً كبيراً بلوط رغم أنه لم يؤمن به أحد ، وكأن صاحب المقال يتصور النبي لوط أنه مثل عامل في متجر ، كلما كان زبائنه أكثر كلما كانت علاقته بمالك المتجر أقوى .. والقرآن الكريم يقول “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” فالعبرة تكون بالقصة ، لا بأعداد المؤمنين والكافرين .

(خامساً) ثم يتطرق كاتب المقال الى قصة النبي لوط كما وردت في الكتاب المقدس بتفاصيلها وتناقضاتها ، وكما ذكرت فإن هذا الأمر لا يعني المسلمين بشيء ، إنما يعني اليهود والمسيحيين وهو هنا يحاول تشويش الذهن بتفاصيل التوراة وخلط الأوراق لا أكثر ..

(سادساً) التناقض المرعب الذي إكتشفه صاحب المقال في القرآن ، والمتمثل في الحوار الذي دار بين الرسل الملائكة وبين لوط ، فهو مرة كان قبل مجيء قوم لوط لحصار بيته ، ومرة كان أثناء الحصار ، وهذا التغابي المقصود من الكاتب ليس له مبرر إلا الرغبة في خلط المزيد من الأوراق ، فطبيعي جداً أن يكون الرسل قد إستمروا بالحديث مع لوط الى وقت وصول قومه ، ولا سيما من غير المتوقع بعد رصد قوم لوط للغرباء في المدينة وهم يتوجهون الى بيت لوط أن يتأخر قدومهم لحصار بيت لوط .

(سابعاً) يتساءل كاتب المقال مشككاً عن جدوى هلاك زوجة لوط مع اللوطيين في القرية رغم أنها لم تكن لوطية أو سحاقياً ، وهذا التشكيك والتساؤل قائم على إفتراض خاطئ من الأساس من قبل صاحب المقال ، وهو أن اللواط كان سبب هلاك قوم لوط ، وهذا غير صحيح ، فهم قد أهلكوا بسبب كفرهم بالله واليوم الآخر وعدم إيمانهم برسالة لوط عليه السلام بنحو عام ، تماماً كما حدث مع قوم نوح وهود وصالح ولم تكن تللك الأقوام تشتهر باللواط ..

(ثامنا) يوقع صاحب المقال نفسه هنا في تناقض ، فهو من جهة يعتبر قصة لوط قصة خرافية ، ومن جهة ثانية يتساءل لماذا أغفل النبي محمد في القرآن ذكر قصة زنا لوط مع بناته الواردة في التوراة ؟ ولا نعرف ما الذي يريده كاتب المقال بالضبط ؟ أليس جيداً أن لا يذكر النبي محمد تفاصيل قصة يعتبرها صاحب المقال خرافية ؟وهذا التناقض الذي وقع به صاحب المقال مبني بدوره على إفتراض آخر غير مؤكد وضعيف ، من أن النبي محمد (ص) قد قرأ التوراة وأعاد كتابتها بعد التنقيح في شكل كتاب أسماه القرآن ، كما يردد المسيحيون ..وهذه الشبهة ردت عليها كتب كثيرة ، أهمها كتاب قيم جداً للمسيحي الذي أسلم : الطبيب الفرنسي موريس بوكاي في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) ..

(تاسعاً) كون فاحشة قوم لوط ما سبقها بهم أحد من العالمين ، لا تعني بالضرورة أنه لم تكن موجودة قبل قوم لوط ، وإنما أسبقية قوم لوط بهذه الفاحشة كونها كانت على ما يبدو مشرعنة ومعلنة ومقبولة إجتماعياً فيما بينهم ، ويبدو أن هذه كانت سابقة خطيرة في الأمم القديمة ، تماماً كما يحدث اليوم في الغرب حيث يتم توثيق زواج المثليين جنسياً في المحاكم ..

(عاشراً) كيف يعرض النبي لوط بناته (المؤمنات) على قومه (الكافرين) ، وفي الواقع ربما كانت هذه هي النقطة الوحيدة الجديرة بالنقاش التي وردت في هذا المقال والتي إضطرتني للرجوع الى كتب التفسير ، فأولاً يفترض صاحب المقال أن لوط عرض بناته بالحرام على قومه ، وهذا إفتراض ليس إلا ، والمفسرون للقرآن الكريم قديماً وحديثاً أكدوا أن عرض النبي لوط لبناته كان مقصده الزواج ، وهذه طبيعة النص القرآني المعروفة عنه ، فهو لا يدخل في توضيح التفاصيل الدقيقة للحوار عند سرده للقصص بعكس النص التوراتي .. أما كون بناته مؤمنات وقومه كافرين فيبدو أن هذا النوع من الزواج لم يكن محرماً في عهد لوط وبداية الإسلام ، فزوجة لوط نفسها كانت كافرة ، والنبي (ص) في بداية الدعوة الإسلامية زوج إبنته زينب من أبي العاص قبل أن يسلم .. ثم نزل التحريم في وقت متأخر ..

(أحد عشر) يقول صاحب المقال أنه يستحيل علمياً اليوم القول بأن كل أهل القرية كانوا مثليين جنسياً ، وهذا صحيح والقرآن الكريم حدثنا عن شيوع الظاهرة فقط في قوم لوط ولم يعطنا نسباً وبيانات بأعداد المثليين من قوم لوط ، وتساؤله إذن لماذا أهلكهم الله جميعاً ؟ فقد سبق وأن إجبنا أن ذلك كان بسبب كفرهم الإيمان بالله والتصديق برسالة لوط لا بسبب مثليتهم الجنسية ، تماماً كما هلك من قبلهم من الأقوام ولم يكونوا مثليين ..

(ثاني عشر) قصة تحول زوجة لوط لعمود ملح ومنافاتها للعلم ، هي قصة توراتية لم ترد في القرآن الكريم ، وهذه الثغرات العلمية والأخلاقية لا تعني المسلمين بشيء كما يظن كاتب المقال.

مع التقدير