العلمانية هى مبدأ الفصل بين المؤسسات الحكومية و المؤسسات الدينية , فهى تؤكد على حق التحرر من الأحكام و التعاليم الدينية و الحق فى التحرر من فرض ديانه ما من قبل الحكومة على الناس داخل الدولة, و بمعنى آخر فإن العلمانية تشير الى رأى مفاده أن الأنشطه البشرية و القرارات العامه و لا سيما القرارات السياسيه ينبغى الا تكون متأثرة بتعاليم ديانة محدده طالما ان الأشخاص اختارو مبدا الدولة العلمانية او الدوله الحيادية دينيا.
أغلب الناس و بالذات المثقفين منهم يعلمون ان جذور العلمانية تمتد الى العصور اليونانيه و الرومانيه و كمثال على ذلك اراء الفيلسوف الرومانى ماركوس اوريليوس و الفيلسوف اليونانى أبيقور, فيجوز أن نطلق عليهم انهم اول من نادو بمبدا العلمانية و ضرورة تطبيقه, و لكن ما لا يعرفه الكثير من الناس ان رائد التنوير الاسلامى العالم ابن رشد كان ايضا من اشد المؤيدين لعلمانية الدولة تعاطفا مع الاقليات المسيحية التى كانت متواجده فى ذلك الوقت .
و بمراجعة بسيطه لمعظم اراء هؤلاء العلماء و العديد من علماء العصر الحديث امثال فولتيير و جيمس ماديسون و توماس بين و برتراند راسل و غيرهم الكثير, نجد ان العلمانيه هى حركه تدعو الى الاتجاه فى سبيل التحديث الشامل سياسيا و مجتمعيا و اخلاقيا بعيدا عن القيم الدينية التقليدية, اى ابقاء السلطه الدينية قائمة ولا شك و لكن فى مجال الدعوة الدينية فقط دون التدخل فى أى من الأمور السياسيه او المجتمعيه او الفلسفيه, بل و على العكس نجد أن العلمانيةفى بعض الدول انقذت السلطة الدينية من التدخلات الحكومية لفرض سياسه ما او جعل السلطه الدينية تظهر بشكل المؤيد لسياسه ما.
و لكن هل العلمانية هى فعلا فكرة فصل الدين عن الدولة و جعل كل منهما مختص بذاته فقط ؟
للاجابة عن هذا السؤال اجد نفسى متفقا مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى فى طرح قضيه منهجيه خاصه بالتعريف, اذ يوجد نوعان من التعريفات تداخلا نتيجه الجهل السياسى فى اوطاننا و نتج عن هذا الاختلاط نوع من انواع الفوضى الفكرية و التى ربطت العلمانية بالالحاد و الكفر.
فهناك التعريف البدائى للعلمانية و هى فكرة فصل الدين عن الدولة كما ذكرت سابقا و هذا التعريف فى حد ذاته يدعو الجميع للتصور ان هذا التعبير لا محالة سيعمل على نشر الحريه و الديموقراطية و حل مشكلات المجتمع و بالتالى يحل السلام العالمى و تنتشر روح المحبه و الاخوه و التسامح بين الجميع دون تفرقه.
و لكن كلمه دولة التى تم استخدامها فى التعريف الخاص بالعلمانية لها مضمون تاريخى و حضارى محدد الا و هو ان الدولة هى كلمة عامه شامله تضم المؤسسات و الاجراءات السياسية و الاقتصادية المباشرة و نجد ان العلمانية التزمت الصمت التام فى مواضيع عديدة مثل حياة الانسان الخاصه و الاسئله الكونية الكبرى و المرجعيات التى يمكن للشخص تفسير بها هذه الاسئله, بل ان العلمانية اتخدت الموقف الحيادى تجاه المرجعيات الدينية فلم تفرض مرجعية دينية يمكن ان يحتكم اليها اعضاء المجتمع الواحد او يستخرجون منها منظومة القيم التى يعتمد عليها هذا المجتمع.
و لكن ظل هذا التعريف مجرد تصوير جزئى للعلمانية الصحيحة التى تعتبر ميثاقا عاما اغلبنا يطالب بتطبيقه , فالعلمانية الحقه تدعو الى ثلاث مبادئ اساسيه الا و هى (حرية المعتقد دون تمييز بين الديانات – المساواة بين كافة البشر مهما كانت معتقداتهم الروحية او الدينية – تحقيق العدالة الاجتماعية بما يحافظ على انسانية كل البشر دون تمييز) و هنا اقتبس من الكاتب الفرنسى هنري بينا-رويث ان “تطبيق هذه المبادئ فى مجتمع يخلق جو من التعايش السلمى بين الافراد”, و عند النظر الى كثير من الدول المطبقه لهذه المبادئ نجد ان العيش فى هذه الدول امرا يسعى اليه الكثير من الاشخاص بل و نجد ان اغلب زعماء الاصوليات الدينية يتمتعون بالعيش فى هذه البلاد لما يلمسونه من موقف الدولة المحايد و التطبيق الحقيقى لهذه المبادئ.

و بالنظر لهذه المبادئ نجد ان العلمانية ليست مجرد شعار سياسى بل ان العلمانية هى توفير جو عام و شامل من الرقى و التفاهم و انفتاح على المستقبل او بمفهوم اشمل و اعم هى بناء دولة متقدمه فى جميع مجالات الحياه العامه من فهى توفر عده اشياء منها اجراءات سياسيه محايده و قرارات اقتصاديه تسمو بـ اقتصاد البلاد و تحقيق قضاء مستقل يشمل جميع اطياف الشعب و دعنا لا ننسى اهم منظومه تفرضها العلمانيه الا و هى تطوير التعليم التربوى لتوفير اساس سليم من المبادئ المتفق عليها من حرية دينية و قبول الراى الاخر.