سمّى استاذنا الكبير علي الوردي، ضعف الدفاعات للثقافة المدنية امام اجتياح الثقافة الريفيه، بظاهرة تريّف المدينة، بمعنى ان تصبح ثقافة المدينه ثقافة ريفيه نتيجة لتلاقحها مع الابويه السائده في المدينه والتي كانت ولا تزال المفرخة للارتدادات نحو الاستبداد بصور مختلفة حزبيه عسكريه دينيه مناطقيه او قوميه . الى جانب ذلك فان شكل واليات عمل الدولة الريعيه وكذلك جوهرها امد الاستبداد – التوتاليتاري بدم عمل مستدام للاجيال, لابل ان خطره كامن في امتلاكه امكانيات خلق اجيال جديده من التوتاليتاريين والتُبّع من من يعتقدون انهم يمتلكون الحقيقة المطلقه, من مرددي شعارات لا محتوى لها على الواقع الحياتي المادي مثل:

“انتخبونا في الارض ننتخبكم في السماء.”

ولكي اوضح خاصيه توتاليتنا, ساجري مقارنه بين صدام حسين والاسد وستالين وهتلر, من اجل تدعيم وجهة نظري الخاصة وهي مثل دودة الارض, بمعنى او بمقصد انها تتوالد من نفسها لانها تمتلك الجنسين معا الا انها تحتاج الى دودة اخرى, وليس جنس اخر, للتكاثر. وبتوضيح اكثر للتقارب او التشبيه, تحتاج الابويه عندنا الى الجانب الاقتصادي لتستمر في الحياة, ولما كانت الدولة الريعية تمتلك نفس خواص الابويه فقد تزاوجا فانجبا الدولة التوتاليتاريه.

دعونا نبدا بهتلر وستالين كمثال تاريخي بارز هنا لمرحله ماضيه ثم لننتقل الى ابناء جلدتنا. ستالين من منطقة جورجيا, جمهوريه سابقه من الاتحاد السوفياتي, صعد سلم السلطة عبر الحزب الشيوعي السوفياتي ليصبح اهم رجل فيها واستطاع ان يسّير الحزب والدولة التي ابتلعا الحزب كما يشاء. الى هنا والمعلومة قديمه وليس فيها من جديد. خلال صعود ستالين وحكمه استند على بعض الجورجين, بمعنى لم يستند على جورجيا اطلاقا كمكون اجتماعي قومي ولم يخضع لا الحزب ولا الدوله لحكم جورجيا, ولا لعائلته لا بل ان ابنته كانت من ابرز المعاضين له .

هتلر, استند في سياسته على المشاعر القوميه المهانه في الحرب العالمية الاولى, وبنى حزبا جماهريا كبيرا وحكم به وشن حروبه بعد ان اخضع السلطة له. كل ذلك تم من دون الاستناد لا على العائلة ولا منطقته.

بشار الاسد, او ربما الادق عائلة الاسد، استولى الاسد الاب على السلطة عبر انقلاب عسكري فاخضع الجهاز العسكري له اولا ثم استولى على الحزب ليخضع الدولة والحزب له. اعتمد في صعوده وسيطرته على منطقته بشكل مكثف وعلى افراد عائلته في قيادة قمم السلطه. ولدى وفاة الاسد الاب عدل البرلمان السوري خلال عشر دقائق النص الدستوري الخاص بسن رئيس الدوله لينطبق على بشار الابن, وليستمر بشار في نفس منهج والده بالاستناد على المنطقه – الفئه- العائلة في حكمه. الى درجة انه وكما تفرز الاحداث الاخيره استهجانه بكل ما عداهم من الشعب السوري والنظر اليهم كمواطنين من الدرجة العاشرة يتوجب قهر مطاليبهم لانهم عبيد له ولعائلته.

صدام حسين. ذو تاريخ غامض فيه العديد من الفجوات والتواريخ الغائبة. برز في الستينيات كشقي يعادي كل ديموقراطي ويساري ولم يظهر له اي منحى او اتجاة او تبلور فكري. ولما استولى حزب البعث مرة ثانية على السلطة كان البكر من كبار قادة الانقلاب وهو من نفس منطقة صدام ولديهم صلة قربى, فاعتمده البكر وركن اليه لهذا السبب, واسند له مهام مهمه لا يستحقها حسب تسلسلة الحزبي, فثارت ثائره الاقدم منه حزبيا, فعمد صدام الى تصفية كل معارضيه بالاستناد الى جهاز (ظل) بناه واشرف عليه هو شخصيا من رجال من نفس عشيرته, ولما كانت العشائر مغلقه بمعنى لا تزوج بناتها لغير افراد العشيره نفسها, فلم يجد صدام صعوبة في ان يكون المقربون منه من عشيرته واقرباءه. وبعد ان احتكر صدام قمة السلطة والحزب, اناط باقرباءه المهام الحساسة من جيش وشرطه ومخابرات وامن . ولن اطيل في تفصيل سير هذه العملية لان هناك عدد من الكتب التي تناولت ذلك مثل “جمهوريه الخوف” و ” دولة الاذاعه” و غيرها . الا ان ما اود ان اثبته ان توتاليرتنا ( صدام والاسد كنموذجين) لم تستطع الابتعاد عن القبيلة – الاسره او البطريريكيه المتجلية باروع وانقى صورها فيهم, اي في العائلة الشرقيه وبناءها الاجتماعي والاقتصادي , ولا عن العشيرة اطلاقا, رغم وجود تنظيم معاصر الا وهو الحزب السياسي الذي ابقوه كاسم تابع لهم.

وكخلاصه, فان خواص توتايتارية صدام والاسد هي الاستناد على العشيرة والعائلة في الحكم, في مجتمعات مبنيه على البطريريكيه في المدينه وعلى العشيرة خارجها. وما مكن صدام حسين ايضا هو الدولة الريعية التي اعطته مطلقية القوة الاقتصادية على بقية قطاعات المجتمع, المدنية والريفية. اما في سوريا فرغم الاختلاف الضاهري في الجانب الاقتصادي الا ان الجوهر واحد, حيث ان الاسد الاب بدهائه استطاع الاستفادة من عوائد النفط الخليجي ثم الايراني بحجه الصراع العربي الاسرائيلي او العربي الامبريالي, والحرب الاهلية في لبنان وحرب تحرير الكويت , فحققا التزاوج بين دودتي الارض, بين الابويه والريع النفطي.

ولكي لا اخرج من الموضوع من دون حتى لمس الحاضر في دور البطريلايكيه الحاليه عندنا في العراق, ودورها في السياسه ولوي رقبتها لخدمة البطريريكيه العشيرة – العائلة, ساشير الى بعض تجلياتها الحالية في :

1- غالبية الاحزاب الكبيره او التيارات السياسيه هي عباره ملكيات عائليه., ولم تعقد جميعها مؤتمراتها ولم تنتخب قياداتها.

2- جلسات البرلمان العراقي, التصويت على القرارات تحددها قيادات الكتل, حتى وان كانت تلك القيادات ليست من اعضاء البرلمان.

3- تحولت الوزارت الى اقطاعيات عائلية عشائريه مذهبيه.

4- نظام الانتخاب في العراق هو نظام القائمة المغلقه. مما يعني ان التصويت يذهب الى القائمه, وهذا يفسح المجال لهيمنة قادة الكتل على قاعدة القائمه وتسيرهم كما يشاؤون .

قواعد التنظيمات السياسيه, ليس لهم اي دور في رسم سياسه التنظيم, فهم عباره عن دعاة للتنظيم نفسه, فهم يشبهون الى حد بعيد الباعه المتجولون في الولايات المتحده, حيث يطرقون ابواب الزبائن المحتملين ويشرحون لهم فوائد سلعهم.

وسيستمر التحدي لزرقاء اليمامة.