بعد 2003 اسس الامريكان, او ربما بتعبير ادق اعادوا تاسيس الدولة العراقية على اساس ديني_ طائفي_ قومي, مستندين على اجتماع لندن لقوى المعارضة العراقيه الذي اقر شكل الحكم بما يتماثل مع مجلس الحكم. هذا التاسيس المتسم بالعقم والناتج عن ضيق الافق الفكري,او الخارج من 11/9 باستنتاجات مترتبكة ,ادى الى نتائج كارثية على مصير الدولة العراقية بشكل يصعب اصلاحة وستضل نتائجة ملموسة زمنا طويلا . هذا ليس بسبب عوامل داخليه للعراق فقط بل ايضا بسبب تاثر العراق بالعوامل الاقليميه والعربيه والعالميه, والتي قد يمتد بعدها الى التاريخ قبل تاسيس الدولة العراقية الحديثة وامتد مع شكل وجوهر الدولة الامويه فالعباسيه وسقوطهما ودخول العراق في منطقة الصراع بين الدولة العثمانية والفارسية الى تشكل الدولة الاولى في العراق والتي حاولت ان تكون دولة مواطنه , الا ان فهم او تفسير.

” الكافر العادل و المسلم الظالم ” ادي الى خلق مكامن او حاضنات لفكر تراجعي لا يبني وطنا. ثم ظهرت الجمهوريه الاولى عام 1958بشخصية عبد الكريم قاسم الوطني_ العسكري, الذي كان يعتقد ان بناء الدولة يتم عبر اوامر عسكريه, وبتحريك القطعات العسكريه من –الى . فاطاح به القوميون العرب (من داخل العراق وخارجه) والقوميون الاكراد والدين السياسي.ولا انكر هنا دور الصراع الدولي ان ذاك بين الغرب والاتحاد السوفياتي الا انني, وحسب قناعتي يعتبر عاملا ثانويا او من الدرجة الثانبة في الاهميه, او ربما بدرجة الثالث من الاهميه بعد الداخلي ثم الاقليمي ومن ثم العالمي.
انتقل العراق بعد ذلك الى دولة القومية العربية منتقلا من البعث الى الفكر الناصري ثم الفكر القومي-الديني متجليا في الاخوين عارف المستمد لفكره السياسي من السعودية. ليعود مرتا ثانية الى فكر البعث القومي لينتهي قبل الاطاحة به في 2003 بدولة الرئيس . دولة تخدم فكر ومطامح وفهم ونفسية صدام حسين الذي اختزل الدولة فيه واليه. وحول الدوله ومواطنيها الى “تبّع” للرئيس. وكانت الدولة تنتقل برغماتيا من القومي الى الديني ومن الديني الى الطائفي لتنتهي قبل انهيارها المخزي بحملة ايمانيه يقودها ابنه عدي , تلك الحملة الايمانيه لم تخلو من ملامح طائفيه اطلاقا الا انه لم يكن جوهرها. بل ان جوهرا كان الصراع على السلطه

نفسها بشعار الصراع ” العربي الفارسي”. ووسمت السلطة كل معارض لها اما بانه فارسي لانه يطالب بحقوق ممارسة الشعائر الدينيه او بعميل امبريالي_ صهيوني لكل من يطالب بالحقوق المدنيه من حريه التعبير والمعتقد والتنظيم ..الى اخره. مما خلق مكبوتات اجتماعيه ونفسيه قويه داخل المجتمع العراقي مما ادى الى ارتدادات تلك الهويات (الدينيه_الطائفيه_ القوميه) الى نفسها بمعنى انكفائها على نفسها وتمحورها حول ذاتها دون الانفتاح على الوطن . وليس المقصود هنا ان ذاك فقط هو ما ادى الى الحال الان, بل ان هناك عوامل مهمة اخرى هي:
1- البنى البطريريكيه للمجتمع العراقي من العشيره والابويه العائليه.

2- الدولة الريعيه وعلاقتها بالديموقراطية .
ان تلك العوامل 1 و 2 لم تدرج حسب جدول اهميتها لانها متداخلة مع بعضها البعض ام بكلمة اخرى تتوالد من بعضها البعض او احيانا تتم العمليه بما يشبه التكاثر لدى دودة الارض. فدودة الارض حيوان يمتلك الجنسين معا “الذكر والانثى” ولتتم عمليه الاخصاب تحتاج الدودة الى دوده اخرى لتخصب لها جهازها الانثوي وتقوم الاولى بتخصيب الجهاز الانثوي للدودة الثانيه .
وللاجبة على التسائل: كيف هذا ؟ ,فان محاولة الاجابة على هذا التسائل تنقلنا للتامل في فشل ثقافة المدينه من الصمود امام زحف الثقافه الريفيه في العراق او ما اصطلح عليه الوردي تريّف المدينه, الى جانب ان مدن الحواضن الريفيه الملاصقه لبغداد مثلا هي ارياف مصغره تنتمي الى بعدها الجغرافي_ العشائري اكثر من انتمائها الى بغداد نفسها لا بل ان سكان هذه المناطق لا يمتون ثقافيا الى المدينه القاطنين في محيطها لا بل انهم يرتبطون بها اقصاديا فقط حيث يزودونها بايدي عامله غير مؤهله او بتعبير اقتصادي عماله غير كفوءه. ولكون الصناعات العراقيه لا تستند على مستويات عاليه من التطور, كما انها لا تستخدم كثافات عماليه عاليه ولا كثافه راسمال وتركيب راسمالها غير معقد فقد استطاعت تلك الصناعات التاقلم مع وضع او جاهزية القوى العامله القادمة من الارياف ولكن دون ان تحتويها,

بمعنى دون ان تحولها الى بناء اجتماعي مدني (بمعنى الانتماء للمدينه) فلم يظهر لهذه الفئه شعور قوي بالانتماء لواقعها الجديد العمالي بل بقي انتمائها الجغرافي والقبلي هو الاقوى, وبتوصيف اخر بقي انتمائها الفلاحي هو الطاغي على انتمائها الجديد كونها منتميه اقتصاديا على الاقل الى الطبقة العامله وان اجرها يتكون من عملها اليومي . بعد 2003 ظهر عدد من الذين اغتنوا وبثروات طائله فجاة, وهنا لا يهمنا مصدر الثروه بقدر اهتمامنا بشكل التصرف بها, ومن القاطنين في محيط بغداد, مكنتهم الزياده المفاجئه في ثروتهم من الانتقال من مناطق عيشهم السابقه الى مناطق المهندسين وزيونه والغدير وبغداد الجديده, الا انهم احتفضوا بنفس الثقافه الريفيه. فجلّهم جلب معه حيواناته لترعى في حدائق المنزل او الارصفه. كما ان لدي صديق وهو شيخ لاحد العشائر العراقيه العريقة لشرق العراق (اي دجله) ويمتلك ورشه لصيانة السيارات ومتخصص ب B M W اشترى منزلا فخما في منطقة 52 جعلة مضيفا لعشيرته . السؤال الذي بقي يتقاذفني, وربما مجموعه اسئله, كيف ولماذا لم تستقطبهم ثقافه المدينه لا بل لقحوا ثقافة المدينه بثقافه الريف القادمين منه ؟بمعنى لماذا لم تزيح ثقافه المدينة ثقافة الريف وتزيح العشيره وتخلق تنظيمات عماليه من نقابات للعمال بدل التضامن الاجتماعي للقبيله, كيف اكتفى العامل بالقبيلة لتدافع عن مصالحه بدل النقابه, كيف انتقلت ثقافه الريف من نهوه وكصه بكصه والانتقام وغسل العار لتصبح ثقافة مدينه ؟ لماذا لم تمتلك ثقافة المدينه اية خطوط دفاعيه امام الثقافه الريفيه ؟ لا بل انها احتصنتها وتاقلمت معها. واجد نفسي مضطرا لاضافة مثال اخر لمدى قوة العشيره في بغداد. احد الصناعين العراقين يمتلك مصنعا في منطقة معسكر الرشيد للمنظفات, جل عمال المصنع من قبيلة واحده ويمنع العمال اي عامل من قبيلة اخرى بالعمل في ذلك المصنع حتى ان تطلب الامر التهديد بالقتل, وهذا التنظيم القبلي داخل المصنع مكن العمال من الضغط على صاحب المصنع وانتزاع مطالبهم منه كما يشاءون, مما عرض المصنع للافلاس مما اضطره لتركه هاربا لانه لا يستطيع تسريح العمال فتعرض المصنع للنهب من القبيلة نفسها. وهذا يوضح مدى انتماء العمال الجدد الى الطبقة الجديده بامتياز شديد لانه برواسب قبليه هي الاقوى ابداً.
اعتقد, ان جوهر القضية كامن في الثقافة البطريركيه او الابويه الذي كان ولا يزال وسوف يستمر حاضنا للثقافة الريفة. فثقافه الابويه لا تختلف عن ثقافة القبيلة كما ان الشكل الاجتماعي او التنظيم الاجتماعي للاسره في المدينه لا يختلف عن التنظيم الاجتماعي للقبيلة في ان الكل للفرد المتمثل في شيخ القبيله و رب الاسره في التنظيم العائلي وحسب التسلسل العمري والمكانه ضمن العشيرة او العائلة. تلك المكانه متوارثه لا تنتمي للجانب العقلي اطلاقا, فكم من اكاديمي او مثقف يجلس ساكتا صاغرا ومنفذا لراي من هو اعلى منه في التنظيم العائلي والمكتسب وراثيا. وهذا واضح في التراتيبيه للعائلة العراقيه. الا ان المحاججه لا تصمد امام غياب بعد اقتصادي. بمعنى ان القبيلة قديما كانت تقوم بالسلب والنهب من القبائل الاخرى

وتوضع الغنائم لدى ” علية القوم” ليوزعونها استنادا على مكانة الفرد او الاسره في القبيلة نفسها فكان الشيخ الاعلى حصتا ثم عائلته ثم المقاتلين ومن ثم الاوطئ في تسلسل القبيلة… ان تبقى ما يوزع طبعا. ومن الطبيعي ضمن هذا التقسيم الاجتماعي القبلي ان النساء كانوا الاقل حصتا. وبنفس هذه الملامح نجد العائلة الابويه في المدينه مع تنحي جانب السبي الاقتصادي لصالح عائدات النفط, لانه الاسهل والاوفر وبالتالي يوفر امكانيات اكبر .
المشكله اكتملت بالدولة الريعيه. دولة تعتمد في دخلها وتراكم ثروتها على تصدير النفط الذي يحدده, اقصد كميات النفط, السوق العالميه, ويسعر بعمله اخرى لا علاقة لها بالعملة الوطنيه, فتتربع على قمة السلطه جباة للعائد النفطي لا دور لهم سوى حساب حجم الصادرات وتسعيرت النفط وبالتالي معرفة مقدار العوائد والتمني ان السوق العالميه لن تشهد ركودا في الطلب على النفط لان ذلك سيخفض من عائدات “شيخ العشيره” الجديد الذي اعاد تلقيب نفسه بمعالي او حرسه الله او مبجل.
وهنا فان الخطر يكمن في هذا البناء الذي يمكن قمة السلطه من امتلاك سلطه سياسيه مطلقه لانها مدعمه بسلطة اقتصاديه هائلة لا دور لها فيها سوى الجبايه. الا يشبه هذا دور شيخ لعشيره ؟, او دور بطريريكي للعائلة في المدينه ؟. وقبل ان انهي موضوعتي اود ان اشير من التاريخ الى ذلك الخطر المتحدث عنه وهو ان , صدام حسين بدا بالانتقال الى قمه جبروته مع تزايد كبير في عائدات العراق النفطيه في النصف الثاني من السبعينيات لانه حدد احتكار السلطة السياسيه به وقدمت الدوله الريعيه سندا او دعامة لذلك الجبروت, حيث امتلك ليس فقط رقاب الناس بل ارزاقهم ايضا. ومن التاريخ ايضا نستنتج ان في الدول الريعيه ترتبط الديموقراطيه عكسيا مع العائد النفطي, بمعنى كلما ارتفع العائد النفطي قل هامش الديموقراطيه.

(وضعت رقما غير منتهيا لانني بعد ان انتهي من واحده من هذه السلسه اجدني غير
مكملٍ للفكره …وعند الانتهاء من هذه وجدت ان من الضروري تناول مفهوم
الاسلام السياسي والطائفيه السياسيه في العراق )