إبان فترة الجامعة كُنتُ أرى نماذج سياسية ثنائية فقط لدينا بالجامعة هما الاخوان و الحزب الوطني و بقدر ما كنت أعلم بأن الأول محظور و الثاني محظوظ فقد كنتُ أعلم أن الإثنين مراهقين سياسيين لم يبلغا القدر الكافي ليصيرا حزبين دون ذكر أن يحكم أحدهما و ظننت مخطئاً وقتها أن الاخوان لو حكموا سيتأقلموا سريعاً و نرى حراكا سياسيا متصوراً أن هذا مستحيل مع النظام الحديدي ، اليوم نجح شباب في صناعة يوم 25 يناير ليجئ شعب يوم 28 يناير و يكمل ما بدأه الشباب ثم يظهر من ينسب اليمين لنفسه ثم يطحن عظام من صنع اليوم الأول !

بعيداً عن هذا إستمرت المراهقة السياسية فتيارات لم أكن أسمع عنها ظهرت و نشطت و صنعت ثورة قفز عليها كل من رفضها من البداية و تشاجروا ثم فاز الاخوان بالجزء الاكبر من الكعكة يليهم أولاد العمومة الاسلامية ثم في القاع بعض الاحزاب الصغيرة و تحت القاع باقي من الفتات لمن صنع يوم 25 يناير !

الآن بدأ الكل يستعدون لمعركة ستحسم -حسب تصورهم- رحيل العسكر من السلطة  هي معركة الرئاسة حيث أن العسكر -و أنا أصدقهم- تعهدوا بتسليم السلطة لرئيس منتخب في يونيو -شهر يكرهه الجيش لأسباب خاصة-  يومها يكون العسكر قد رحلوا و تقام الافراح و ينبري شباب كل الاحزاب و الجماعات ليؤكدوا أن هذا اليوم ثمرة كفاح شعب كامل الخ الخ ، هل هذا سيحدث؟..نعم ، هل فعلاً سيسلم العسكر السلطة لشخص منتخب؟..نعم ، كل الأمور تقود لهذا فالعسكر لا يقوون على تحمل البقاء كمجلس ميانمار فلا صين تدعمهم بينما داعمهم يشدد على تسليم السلطة لرئيس و هذا فقط -من وجهة نظري- السبب الوحيد لمغادرة العسكر لكرسي السلطة الرئيسي لكن هل سيسقط حكم العسكر؟..لا .

..

إن من أوبئة السياسة الحديثة الإهتمام بالشكل، فالسياسي يهتم بتسجيل كلمته بالبرلمان و المرشح يهتم بصورة تجعله حبيباً للشعب و الخطيب المفوة يهتم بقوة المايكروفون لكن من يهتم بحقائق الامور؟..لا أحد.

كيف يسقط حكم العسكر هل بتسليم الحكم لرئيس منتخب؟..إن الساذج وحده من يتصور هذا فمنذ متى كان الجيش يحكم مباشرة في مصر؟..هل هناك جنرال تولى الحكم مباشرة بعد عبد الناصر -الذي ترك الجيش منذ 1953 و لم يعد له- هل هناك رجل عسكري إنتقل من الثكنة للحكم؟..السادات مارس السياسة طوال عمره و انتقل للجيش 3 سنوات في سلاح الاشارة ثم اعتزل الجيش ، مبارك ظل بعيدا عن الجيش كنائب رئيس ثم رئيس و مارس الوظيفة السياسية لسنوات فعملياً لم يكن هناك رجل ينتقل من الثكنة للقصر ، مع هذا فالجيش يحكم مصر و نحن نرى هذا لكن السؤال ماذا سيتغير لو سلم المجلس السلطة بمعنى ما الفارق بين مدني كرئيس بنفس وضعية الجيش منذ 1952 و بين عسكري سابق كرئيس بنفس الوضعية؟..لا فارق.

إن رحيل العسكر ينبغي أن يشمل -في الحالة المصرية- عدة نقاط بالغة الأهمية:

-1- نص الدستور على كون المحافظين منتخبين و ليسوا معينيين تجنباً لتعيينات عسكرية لجنرالات سابقين و بالتالي نضمن خروج العسكر من الحكم الفعلي.

-2- نص الدستور على كون المجالس المحلية كاملة منتخبة و كون كل الادارة المحلية منتخبة و حل وزارة الإدارة و الحكم المحلي تجنباً لتداخل وزاري معين قد يكون مفروض عسكرياً على شئون الادارة المحلية لمصر.

-3- إعتبار كل الملفات الامنية الداخلية و الحدودية مسئولية وزارة الداخلية فقط مع حظر أي تداخل بين القوات المسلحة و عمل الشرطة فمطروح و سيناء و أسوان ملفات حدودية أمنية للجيش دور الحراسة و التقرير فيها -بإستثناء سيناء لأسباب محرجة !- لكن صاحب القرار هو المنتخب و حكومته فقط دون أي تدخل من الجيش.

-4- إعتبار وزارة الدفاع وزارة سيادة خاضعة لرئيس الوزراء و رئيس الجمهورية بصلاحيات كاملة تشمل التعيينات و التصرف فليس ممكنناً أن نتصور وزير دفاع له سلطة تفوق سلطة الرئيس و رئيس وزراؤه تمنعهما من إقالته فهنا الرئيس الحقيقي هو الوزير !

-5- رصد ميزانية للجيش كحد أدنى قابلة للزيادة دستورياً بموافقة البرلمان فقط و إعتبار مشروعات الجيش جزء من الثروة الوطنية لا تخص القوات المسلحة بل تخص الجمهورية وحدها.

-6- إعادة تشكيل مجلس الامن القومي المصري بشكل يجعل المدنيين المنتخبين أكثر من النصف مع رئاسة المجلس لرئيس الوزراء بحيث لا تتحول مسألة الامن القومي لمخلب قط للتدخل في ملفات داخلية.

-7- قصر محاسبة العسكريين على المحاكم العسكرية في أي جريمة داخل الثكنات مع حق المؤسسة العسكرية في تمثيلها لحضور جلسات محاكمة أي عسكري متهم بجريمة أو مخالفة خارج الثكنة و حق المؤسسة العسكرية في الدفاع عنه.

-8- لا يختص الجيش بمهام داخلية أو وطنية دون موافقة برلمانية خاصة أو علنية بصورة تشمل التعاقدات و العمليات و التفاوضات مع الغاء التفويض البرلماني للرئيس الخاص بالتسليح فلا منطق في مؤسسة عسكرية تلزم برلمان بتصرفات سرية أو غير معلنة و لا برلمان يفرض قرار على المؤسسة فلسنا أقل من 90% من دول العالم خاصةً مع كون الطرف الذي لا تُعلن له الامر هو الطرف المصري و أي إرتباط يُعلن الطرف الاخر لبرلمانه تفاصيله !!

-9- التأكيد الدستوري على كون الرئيس هو القائد الاعلى للقوات المسلحة بكل تفاصيل القيادة و سلطاتها في كل العهود السابقة.

-10- حل المجلس العسكري و عودة أعضائه إلى وظائفهم العادية قبل فبراير 2011 بحيث لا يكون للمجلس أي إستمرار في حياة الدولة المدنية منعاً للتدخل في شئون السياسة بالنفوذ السابق له.

* وحدها هذه النقاط تخرج العسكر من الحكم المحلي و إدارة المحافظات و التحكم في ملفات إقتصادية و عسكرية تمس بشدة الجانب المدني و تجعل العسكريين في وضعية خاصة لا تتجاوز الدولة و لا تفرض على المُنتخب شئ و لا تجعل للمنتخب سلطة أقل على المؤسسة العسكرية لأنه مدني  العكس بالعكس..أما كفاح المهرجين الذي يدور حول تنظيم انتخابات فهو شئ مضحك إذ أن المجلس العسكري لأسباب خارجية سبق توضيحها مضطر لتسليم السلطة فمن يكافح يكافح في سبيل شئ وافق المجلس عليه فعلاً على غرار نظرية أنا جدع فالمطالبة بشئ متحقق أمر كوميدي خصوصاً مع تجاهل مفرط للمطالب الحقيقية..

و الله من وراء القصد.