اجزم ان الجميع يعرف الخيال القصصي لزرقاء اليمامة, وقدرتها على رؤية الاشياء البعيدة عنها مئات الكيلومترات ,الا انني ارى ان الهدف الذي اضعة امامها ابعد من امكانياتها الخرافيه حتى وان إستَعانت بالتلسكوب الفضائي. وانا هنا لست في وضع متشائم ,كما قد يحلو للبعض ان يقفز من العنوان ,بل انني اضع نفسي او ربما اصفها ,بانني واقعي جدا او اصفها فلسفيا ” متطرف فكريا ” .فقد توقفت منذ مدة عن الطيران في الاحلام ولم اعد اجد في التاريخ ,تاريخنا تحديدا ,اي تراكم تصاعدي ,بل هو خط يشبة الى حد بعيد ما يظهرة جهاز قياس كفاءة القلب هذا الخط الصاعد الهابط جعلني ابحث عن مكمن المكابح التي تحول دون خروج مجتمعاتنا من مازقها .ولست اسعى لتناول المسؤوليات التاريخية في ذلك ضمن هذة ام تلك من المراحل ,الا انني عشت بعمق تفاعلى والم وصراع مرير الفترة لما بعد 2003 وما افرزتة من مظاهر ساعية لترسيخ مفهوم محدد للديموقراطية معتقلتا اياها في: اننا سنرى اسماء اعضاء جدد من نفس القوائم السابقة في البرلمان واختزال الشخصية الوطنية بالمكونات الفرعية للوطن وبالتالي اصبح المواطن شخصية دينية قومية .وهذا بالتالي حول احد المكونات الاساسية للديموقراطية من التبادل السلمي للسلطة الى تغيير الافراد وتحويل التوريث الفردي الى مفهوم جديد ” توريث القوائم “. وقادني هذا التطرف الفكري الى تسائل مهم وجوهري وسيقود حتما الى

تسائلات اخرى منه وتابعة لة : هل ان الشعوب تخلق الدكتاتوريات ,ام ان الحركات السياسية ذات الفكر الشمولي تضع المكابح امام الانطلاق الى المرحلة الاحقة ؟ هل ان هناك علمانية بدون ديموقراطية ؟
سينصب الاهتمام هنا على محاولة الاجابة على السؤالين الاول والثاني وسنترك الثالث المتعلق بالعلمانية والديموقراطية الى مقالة لاحقه.
تابعت بلهفه كل ما يتعلق بتناول هذه الموضوعه, موضوعة دكتاتوريه من اعلى ام صاعدة من اسفل, فوجدت العديد من يفضل هذه ام تلك من الحالتين او من يحاول الجمع فيما بينهم دون ان يستطيع ان يقنعني بلحظة انبعاث الدكتاتوريه . وارجو ان لا اقود الى سوء فهم في انني توصلت الى قناعة بعدم فائدة كل ما قراءته, بل العكس هو الصحيح. فجميعها كانت جاده ولكنها لم تقنعني اطلاقا. اما الفائدة التي اقتنيتها من كل تلك القراءة فهي استنتاج اتصوره مهم ان جميع تشكيلات الدوله منذ الامويه فالعباسيه …..الى الدولة الوطنية الحديثة لم تقضي على التشكيلات الاجتماعيه لما قبلها, والمقصود هنا العشيرة والقبيلة, او بتعبير اشمل التشكيلة الاجتماعية الابوية او البطريريكيه. لا بل اننا نشاهد ان قمة السلطه تُعيد انبعاث القبليه بين فترة واخرى كما حدث في العراق في فترة التسعينيات ثم تراجع دور العشيرة بعد السقوط لصالح المؤسسة الدينية ثم تمازجهما, ثم اعادة المكانه للعشيرة بعد زيادة عائدات النفط حاليا في تشكيل مجالس العشائر والاسناد والمؤتمرات العشائريه المتتاليه.
وهنا لا بد من الاشارة الى قضية مهمة متجلية بوضوح في الدول العربية المصدرة للنفط تتمحور بالتالي: كلما ازدادت عائدات النفط الناتجة عن زيادة الانتاج او ارتفاع اسعاره نجد موازيا لتلك الحاله تراجع مهم وملحوظ في الحريات والديموقراطيه, وهذا بالكامل عكس ما يحدث في الدول الغربيه او الديموقراطيات العريقه او اليبراليه او العلمانيه, حيث انه كلما كانت هناك ازمة اقتصاديه يسعى المواطنين الى انتزاع دور اكبر لهم

في تقرير مصائر بلدانهم, كما ان قمة السلطه تسعى الى عدم التضييق على الحريات.
السمتين المشار لهما اعلاه ” منبع الدكتاتوريه و تضيق الحريات بالارتباط مع الحالة الاقتصاديه ” شغل بالي منذ زمن فتوصلت الى بعض القناعات الا انها تحتاج الى المزيد من النقاش.
ان البنى التقليديه او البطريريكيه او العائليه المتجلية في رب العائلة و شيخ العشيرة و المرجعية انتجت بطريريكيات سياسيه افرغت العملية الساسيه في العراق من محتواها الديموقراطي. ولا اود هنا ان انهي الموضوع بتناول قد يبدو سياسي او بمعنى اخر بلا دليل بل ساقدم الادله عليها, او بعضا منها الان:
1- لا تحسم جلسات البرلمان العراقي في القضايا المهمه الا باجتماع رؤساء الكتل. فما اهمية البرلمان اذن ؟ من يمتلك السلطة العليا في البلاد البرلمان ام رؤساء الكتل ؟
2- لا توجد لاي كتلة سياسيه عراقيه قيادة منتخبه ولا نظام داخلي ولا برنامج ….بل هناك قيادات متوارثه. فهل يلائم ذلك متطلبات الديموقراطيه ؟
3- لا يوجد لدينا نظام او قانون للاحزاب لحد اليوم مما افرز شكل للتنظيمات السياسيه مشابه للقبيلة .
4- لم يفز بالبرلمان سوى 15 نائب بينما الاخرين حصلوا على بضع مئات من الاصوات الا ان نظام الانتخابات التعويضي مكنهم من ان يحتلوا مقعدا برلمانيا, مما يعني ان الناخب لم يختاره بل قيادة كتلته. وهذا ايضا افراز اخر للبطريريكيه المتجليه بقيادة الكتله السياسيه الغير المنتخبه اصلا من قواعدها بل ممسكة بالمقود لاسباب لا تعود للسياسة بصلة .

من كل ذلك, ومن دون الخوض بالتفاصيل, فانني اتحدى زرقاء اليمامة ان ترى الديموقراطية في العراق, ولكن الديموقراطية سنراها ان حطمنا البناء الاجتماعي للبطريريكيه, ثقافيا واقتصاديا ونفسيا.