تم تتويج الربيع العربي في المغرب بوصول اتجاه من الإسلاميين إلى سدة الحكم بعد سنين من التحقيقات و الاعتقالات و المحاكمات الصورية لتفادي تنامي هذا التيار داخل أوسط الشعب المغربي وإرغامه على البقاء في دائرة التشكيك الأمني ومن تم قطع الطريق على أي حكومة يقودها الاتجاه الإسلامي أو في أحسن الأحوال السماح له بهامش التحرك في إطار المعارضة و التربع على قيادتها في أحسن الأحوال. وقد عمل في هذا الإطار كل من الاتجاه العلماني الاقصائي المتطرف و الخط المخزني الموالي للغرب ودعاة الحداثة المفرطة في التوغل والاختراق الهويتي. لكن الرياح جرت بما لاشتهي السفن .فبعد الحصيلة النهائية لصناديق الاقتراع صوت نصف الشارع المنتخب لصالح الاتجاه الإسلامي المتمثل في حزب العدالة والتنمية وكان التصويت بخلفية الانتماء الديني لا البرنامجي السياسي ولان البرامج الحزبية في الدعاية الانتخابية كانت متشابهة إلى حد ما وكنا في مقال سابق قد اشرنا إلى التحول السوسيو ثقافي في المغرب الذي لعب دوارا كبيرا في اختيار الناخب المغربي خصوصا والشارع العربي عموما وهذا التحول السوسيو-ثقافي يكمن في تحقق تطور الظاهرة الدينية في المغرب ومسالة التدين داخل المجتمع المغربي ثم السياق العام لظاهرة المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني بكل أشكالها التي تقودها المقاومة بعنوان “الإسلامية”.اذا كل هذه العوامل شاءت أن تكون اذات فاعلة ورافعة للشأن السياسي الإسلامي .

خصوم العدالة والتنمية ومرحلة تشكيل الحكومة

فبعد أن حصلت العدالة والتنمية على ما يقارب النصف لمقاعد البرلمان وبمقتضى الدستور طلب من السيد بن كير رئيس الحزب بتسريع وثيرة تشكيل الحكومة في الوقت الذي استغرب فيه المراقبون السياسيون و كل الأطراف الحزبية بما في دالك المشكلة للحكومة السابقة التحاق المتهم الأول السيد “علي الهمة ” في ما سمي بملفات الفساد والاستبداد إلى الدائرة الاستشارية للملك وهكذا في عملية استباقية لتجنب أي طلب رفع دعوى قضائية ضد السيد الهمة و من ثم تجنب كارثة كبيرة تسقط فيها رؤوس كبيرة من العيار الثقيل في السلطة وبمختلف مواقعها . و سرعان ما اختلطت الأوراق بداء من الكتلة التاريخية المشكلة للحكومة السابقة بحيث قام الاتحاد الاشتراكي بعملية انتحارية انهي بها مصير هده الكتلة والسؤال المطروح لمادا هذه القفزة على الكتلة ب الرغم من أن حزب الاستقلال احد مكونات الكتلة و المنتمي سياسيا إلى التيار اليميني المحافظ قد أقام تحالف مع الاتجاه اليساري الاشتراكي وفي الوقت الذي كان لا يسمح لقواعد الحركة الطلابية لحزب الاستقلال أن تنشط داخل الجامعات المغربية وكانت تنعت بحزب النظام والمخزن من طرف هدا الاتجاه نفسه فادا كانت الكتلة هو خيار ديمقراطي استراتيجي يستلزم التحالف مع أعداء الأمس التاريخيين وتقتضيه اللحظة السياسية فلماد لم ينخرط الاتحاد الاشتراكي في مشاورات تشكيل الحكومة بقيادة الإسلاميين وفي المجال السياسي هناك فرق بين حزب الاستقلال و حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي المغربي فلم يحصل أن قادة العدالة والتنمية حكومة مارست القمع السياسي والإعلامي والنقابي منذ استقلال المغرب ولم تلطخ يدها بالاستبداد والفساد فلماد هدا الامتناع التحالف مع حزب الاستقلال والامتناع عن التحالف مع الإسلاميين بالرغم من كثير من التقاطعات الموضعية بين اليسار والإسلاميين بخصوص القضية الفلسطينية والاعتقال السياسي والحريات العامة والتي كان ملفات مشتركة تمركزت حول نظارات الطرفين كل في موقعه.

كل ما في الأمر أن اختيارات الاتحاد الاشتراكي وموقفه في العمل الحكومي انطلقت من الخط الاديولوجي وليس من المصلحة السياسية كما يزعمون وإلا كانت مبرراتهم غير واقعية ولا منطقية ودالك بوجود مفارقات وتناقضات في المسلك السياسي لدى الحزب. منذ ما سمي ب مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى غاية الربيع العربي. فتموقع الاتحاد الاشتراكي خارج حكومة الإسلاميين ينهي بذالك مشروع الكتلة التاريخية والتي من أهدافها تحقيق مشاريع كبرى أعلن عليها في سياق التأسيس و هو مشروع اتحاد المغرب العربي ومشروع البناء الديمقراطي والتكتل الاقتصادي لدالك فالاتحاد الاشتراكي قرر تقديم مصلحة الحزب على مصلحة الكتلة التاريخية لتسقط الايدولوجيا من جديد أمام البراغماتية السياسية. مما يسمح لنا بالتشكيك في قدرت السياسي للتنزيل الثقافي والاديولوجي للمقولات التحررية و الديمقراطية وحتى المقولات الإنسانية.

لكن المفارقة الأكثر ذهولا وهو تلك الحملة الإعلامية والكلامية للتشكيك في قدرات الحكومة لحل القضايا العالقة والتي تسببت فيها الحكومة السابقة والتي كان الاتحاد الاشتراكي الدور الأبرز في تكريسها بالرغم من أن الحكومة لم تتم المصادقة عليها في البرلمان نهيك عن الحملة التي يحركها أطراف لم يستسيغوا وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم فتحركت الأصوات المنادية لإنصاف المرأة و فك أزمة الشغل والمطالبة بلغة الأرقام سواء في ما يتعلق بمؤشر التنمية والعطالة لكنهم لم تكن لهم الشجاعة عن الأرقام المرتبطة بالديون الخارجية ونسبة الفائدة المرتبطة بإعادة جدولة الديون التي خلفتها وزارة المالية السابقة لمجموعة السيد” مزوار” وحجم التعويضات الخيالية التي تم تمريرها قبل نهاية الولاية الحكومية والاستفادة من مواقع أعالي البحار وأعالي اليابسة من الأراضي وآلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحة وما شابه .انه لشيء مؤسف أن يجنح هؤلاء إلى هذا الأسلوب الغير ديمقراطي واللا وطني واللا إنساني ولا أخلاقي. في عالم السياسة انه المكر والخديعة.

ما المطلوب حاليا؟

من المفترض أن تشتغل الحكومة الجديدة بعيدا عن الضوضاء و”ضغط الخطوط وخطوط الضغط” لتسرع من مقتضيات تنزيل الدستور بخصوص الحكامة و وتفكيك ملفات الفساد والدي سيدير على الحكومة الحالية كثيرا من الأموال إلى جانب ترشيد النفقات ومراقبة الصفقات العمومية التي شهد المغرب فيها كثيرا من هدر المال العمومي فضلا عن ترشيد التعويضات والنظر في التعويضات الخيالية كما أن ملفات الشغل ينبغي معالجتها وفق منظور حكامي يستحضر فيها العمل المشترك مع المقاولات في المجال القطاع الخاص وحثها على تشجيع التشغيل في مقابل خفض الضرائب على كاهل المقولات المتوسطة و العمل على الحد من الهروب الضريبي للشراكات الكبرى الأجنبية والوطنية على حد سواء. تم على الحكومة مراجعة مشاريع التعويضات والمساعدات المالية المخصصة في إطار تشجيع الاستثمار إذ لا يعقل أن يتم تعويض الشركات الكبرى القادرة بإمكانياتها المالية على انجاز مشاريع كبرى بل يتم تعويض هدا الأمر بالتخفيف الضريبي وتسهيل المساطر المنظمة للاستثمارات. ومن هدا الموقع تتحدد خارطة عالم التشغيل والانكباب على التخطيط المسبق للتوظيف وتنظيم سوق الشغل لأنه لا يعقل أن تكون حصة بعض المؤسسات العمومية من الضرائب والعائدات تفوق غيرها في الوقت الذي تعجز عن توفير الخدمات بسبب افتقار لهده المؤسسات على موظفين يمكن استيعاب الطوابير الكبيرة من المواطنين فمثلا مصلحة الضرائب المرتبطة بالنقل تعيش اكتظاظ غير معقول وكأننا أمام طابور من المواطنين يذكرنا بعام ” الجوع” وما مصلحة الجمارك ببعيد من هدا الأمر.فضلا عن المؤسسات الأخرى التابعة للقطاع العمومي التي تعرف اكتضاضا وظيفيا في مقابل خدمات محدودة لهذا الأمر فإننا ندعو إلى ترشيد سوق الشغل بقطاعه الخاص والعمومي وإعطاء مزيد من الضمانات الاجتماعية للحد من الطرد التعسفي الذي يطال الشركات والمقاولات.

كما أن على الحكومة النظر في ملفات الفساد القضائي المتراكمة لعهود طويلة عرفت فيها المحسوبية والارتشاء وطي الملفات تحت ذريعة “عدم الاختصاص”أو تعقيد المساطر الناتجة عن التداخلات القانونية وصعوبة تحديد الدعوات القضائية ( الجنح و الجنايات).

أما بخصوص الحريات العامة والدي نعتبره المفصل الرئيس في العملية السياسية ومرحلة الانتقال الديمقراطي بالمغرب فإننا نرى إن من التزامات الحكومة توفير الضمانات السياسية والقانونية للعمل السياسي والاجتماعي بحيث لازال المغرب يعيش على إيقاع المنع السياسي والاجتماعي لتشكيل الجمعيات الثقافية والسياسية و إقصاء الأفراد من المشاركة السياسية والجمعوية بحجة قانون الإرهاب كما ندعو الحكومة إلى اليقظة في التعاطي مع الملفات الأمنية بشكل حذر يراعى فيه حقوق المواطن في الاستنطاق والاستدعاء الأمنية .واعادت النظر في الملفات السياسية العالقة وخصوصا ملفات الاحزب السياسية التي صدر في حقها الحظر القانوني كحزب “الأمة” وحزب “البديل الحضاري”.

على الساحة الدولية

إن من القضايا المصيرية والتي تحتاج إلى حزم والى دبلوماسية جد كبيرة ونوعية في الإدارة و التسيير القضية الوطنية الترابية ومسالة فلسطين ” فلا مساومة مع المبدأ ” ولن نسمح بالتجاوز على المسالتين فادا كانت الوحدة الترابية تعي الحفاظ على الكيان المغربي وعدم الاسترخاء لتجنب التجزئة والتجزئة من الداخل فإننا نرى أن القضية الوطنية من بين الأولويات في المعركة الدبلوماسية وخصوصا وان حركة البوليساريو تعيش نوعا من الضعف بعد مقتل العقيد ” القدافي” الممول الرئيسي لهده الحركة والمؤمن اللوجيستيكي لها وقد سبق أن اشرنا إلى هدا الموضوع في مقال سابق “الصحراء المغربية في خلفية الصراع” بالقول:

“إننا نرفض التجزئة من داخل التجزئة ونعتبر إن أي مساس لقضيتنا الترابية يدخل في خانة المشاريع الكبرى الصهيونية وقوى الاستكبار العالمي . لقد أضحى منطق الشرع والعقل المحدد الرئيس لرفض أي تقطيع لأراضينا ولن نسمح تحت أي عنوان بخلق بؤر لتوتر داخل وطننا العربي الإسلامي.لذالك نقول لدعاة الانفصاليين إن مشاريع التخريب في أراضينا الصحراوية هي جزء لا يتجزأ من الخيانة العظمى.

“وهكذا بالنسبة لقضيتنا في فلسطين إننا ندعو الحكومة إلى التعاطي بشكل حازم للقضية الفلسطينية وان أي مصافحة للعدو الصهيوني هو خيانة للشعب المغربي لان الشعب قال كلمته في عديد من المسيرات الشعبية والجماهيرية أن ” إسرائيل” شر مطلق ولا يمكن بأي حال التجاوز على مطالب الشعب المغربي ففلسطين كمطلب لا ينفك على المطلب السياسي والاجتماعي الذي جسدته حركة 20 فبراير والقوى الفاعلة فيها.

“إننا ندعو الحكومة إلى الانخراط اللامشروط في الدفاع عن أراضنا في الصحراء كأمة مغربية وأرضنا في فلسطين كأمة إسلامية لنا التزامات شرعية وتاريخية وإنسانية لن نحيد عنها وان أي جلوس مع الكيان الغاصب لا تبرره عناوين ” المقاصد ” أو ” الحيل الفقهية ” وما شاكل.”

كمال الغزالي
[email protected]