عندما استمر الأردنيون في اعتصاماتهم، وكتابهم في كتابة مقالاتهم ومن يصل إلى الأجهزة الإعلامية بصورته يحدثنا شفاهة أمام الكاميرات، كلهم تقريبا كان لديهم مطلب واحد هو، نريد رأسا واحدا كبيرا يتدحرج أمامنا.
لم يقتنع الجميع بتمثيلية محاكمة خالد شاهين وما رافقها من عمليات استعراض بتهريب ثم استعادة في طريقة بوليسية قد تكون وراءها ألغاز كثيرة قد تخالف ما أعلن عنه إن صدقت تصريحات خالد شاهين نفسه.
كما استهزأ الجميع بعملية محاكمة أبطال عملية المصفاة، الذين حوكموا بطريقة أقل ما فيها أنها لا تحترم القضاء نفسه وعرف الجميع أنها ليست أكثر من عملية تصفية حسابات بين مجموعة من الفاسدين تختلف درجة فسادهم بكبر الموقع الذي يكونون فيه، فكلما كان المنصب أكبر، كان فساده أكبر ولذلك حوسب الصغار على تهم بالنوايا ونفد الفاسد الأكبر دون توجيه حتى تهمة إليه. وكان الناس قد استهزؤوا بما فيه الكفاية بمحاكمة البطيخي وعقوبته الفريدة في سجن مفتوح فضاؤه العالم. يسافر أينما يشاء ويمارس حياة أكثر من طبيعية ثم يقال لنا أنه محكوم وغالبية الشعب يتمنون أن يحكموا بذات الحكم ويعيشوا ذات العز الذي يعيشه الباشا واستمر في معيشته.
إلا أنه وشيئا فشيئا بدأت الرؤوس تتدحرج، فأطل أشرف أبو حمدان برأسه ثم تلاه المعاني ثم مساعده البشير ومع ذلك، لا زال الجمهور ينتظر رؤوسا تتدحرج وليس مجرد قصقصة لشعرها وتهذيب لشكلها.
خلال ذلك تم القبض على بعض الصغار من هنا وهناك كمدير دائرة الآثار السابق الذي عنفنا أخلاقا وقيما، ومثّل علينا ببراعة دور الشريف الغيور على أموال الدولة، لنتفاجأ به خلف القضبان وفي يديه القيود ويحاكم بتهم المجرمين والفاسدين كأي مجرم عادي.
وفجأة أطل الباشا الذهبي بوجهه الجميل وطلته البهية فعلا وبكل البراءة التي في محياه، أطل برأسه وأدنا كفيه ليقيد بذات القيد الذي استخدم في قيد مئات الآلاف من المجرمين.
لست من المتشفين ولا أكتب هذا المقال تشفيا به ولا في غيره، فلا ديني يسمح لي بذلك ولا أي دين يسمح به ولا حتى أخلاقي ولا إنسانيتي تسمح لي بهذا العمل. إلا أنني لا بد أن أكتب في ذلك رأيي الخاص مع أنني أتمنى أن تفرّج كربته ويعود لأهله… بعد أن يأخذ القضاء والقانون حقه. وإن كنت سأغضب البعض بكلماتي هذه فإنني قد لا أكون معنيا في سجن الباشا لأيام ولا لسنوات. ما يهمني شخصيا أمران، الأول أن يعيد ما اختلسه إن ثبت في حقه إلى خزينة الدولة، كل الأموال المختلسة وفوائدها. قد يكون بريئا عندها له علينا حق الإعتذار ومن ثم التوقير والإحترام، أما إن ثبت فساده بمبلغ ما، فعليه وعلى ولي الأمر استعادة كل فلس نهبه وأرباحه منذ اختلس تلك الأموال حتى السداد التام. يجب استعادة كافة الأراضي والقصور والسيارات وحتى الجواهر والحلي من عائلته، بل يجب محاسبته على سكنه لتلك القصور طيلة السنوات السابقة وأخذ أجر منه يعادل أجرها الحقيقي، ويجب استرداد ما أنفقته الدولة أو حتى ما أنفقه على تعليم أولاده لأن تلك الأموال تكون في حال ثبات فسادها من حق الدولة والدولة أحق باستردادها. يجب متابعة كل تلك الأموال حتى التي هربت لزوجته وأبنائه وأبناء وبنات إخوانه وحتى إخوانه. كانت المسألة أشبه بالعصابة وعلى أفراد العصابة أن يعيدوا كل ما اغتصبوه من أموال الشعب ولا يبق لهم إلا ما تركه لهم الوالد الكريم في محل الحلاقة.
وفي رأيي فإن اختلاس الأموال وغسيلها وتهريبها أمر يسير معالجته، أما الأمر الأكبر والأخطر فهو إعتراف الباشا بكل عمليات التزوير في الإنتخابات إن قام بها سواء كانت انتخابات بلدية أم نيابية أم تعيين موظفين في غير ما حق لهم. إن أختلاس الأموال أمر يسير أمام تزوير إرادة شعب. هؤلاء المزور لهم قاموا بتزوير قوانين وأجروا تعديلات على الدستور بينما في حقيقة الأمر تكون كل القوانين التي شرعوها مزورة وفاسدة بحكم أن الفاعل فاسد فلا بد أن الفعل والمفعول به فاسد تلقائيا.
أنا أدعو السلطات القضائية للتركيز على هذه الأمور في تحقيقاتها ومن ثم عرض الوضع الجديد أمام المحاكم الدستورية الأعلى لإصدار الأحكام في شرعية هؤلاء النواب والمجالس البلدية إن كان وجودهم في تلك المواقع شرعيا أم مخالفة يجب إصلاحها وبأسرع وقت.
لقد تكرر مسلسل فساد الكبار كثيرا على مدى عشرات من السنين، فما أن يتبوأوا منصبا مهما حتى يصبحوا من سكان عبدون ودير غبار ودابوق، ولهم أفخم القصور وأعلى الأراضي والمزارع. وكما سمعت بقائد كبير، كبير جدا كان في منصب هام جدا، تقاضى في إحدى السنوات القديمة من الحكومة العراقية مبلغ مائة وستين مليونا من الدولارات نظير فقط غض النظر عن مرور الجلبي المشهور من مطار عمان لحضور مؤتمر دولي إبان كان في الحكومة العراقية، تقاسم هذا المبلغ ذلك المسؤول الكبير ومسؤول آخر، أما مسؤولهم الأصغر فقد خرج من الغنيمة بمزرعة صغيرة في الأغوار قنع بها يستمتع بها مع أحفاده بمائها وعصافيرها عصفورة عصفورة.
نأمل بأن نرى كثيرا من هؤلاء الرؤوس على مقصلة القانون، لكننا نأمل أكثر أن نراهم في داخل السجن، أن نرى أرصدتهم وأموالهم المنقولة وغير المنقولة تتحول إلى إسم الحكومة الأردنية، وأن نرى أبنائهم موظفين عاديين في شتى مصالح الوطن الخاصة والعامة دون أي تمييز على إخوتهم من أبناء الوطن.
وليد السبول
رئيس جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
[email protected]