يحكى أن رجلا قرر أن ينسى الماضي تماما .. أن يمحو من ذاكرته كافة محتوياتها الجميلة والسيئة والغير مفهومة ، ويبدأ من جديد .. كان محظوظا بشكل ما لأن حياته كانت مهيأة لمساعدته على التخلص منها : أبواه ميتان وله أخ واحد فقط مشغول بعمله وأسرته ، أما أصدقائه فكانوا قليلين جدا .. بالنسبة لزوجته فقد عاش معها فترة قصيرة ولم ينجبا فكان من السهل أن يطلقها .. ترك عمله وحزم أمتعته ورحل إلى قرية بعيدة تطل على البحر .. اشترى بيتً وعاش فيه بمفرده مدة طويلة نجح خلالها في تكوين علاقات جيدة بأهل القرية كما نجح في الحصول على عمل جديد بها .. كان سعيدا للغاية بما فعل ، وكانت سعادته تزداد كلما نجح في مقاومة ذكرياته وإبعادها تماما عن ذهنه في لحظات صحوها .. كانت براعته في الاندماج بعالمه الجديد توفر له حصانة كاملة ضد الحنين والندم مما جعل الذكريات تتوقف نهائيا عن الصحو .. حينما أراد أن يتزوج اختار فتاة جميلة وطيبة كأهلها ؛ فعاشت معه حياة هادئة وأنجبت له أطفالا يشبهونه بدرجة كبيرة .

مرت عليه السنوات بشكل مثالي في كل شيء : أسرته وعمله وأصدقائه من أهل القرية وشعوره الدائم بالسلام والرضى تجاه نفسه وحياته .. كبر أولاده وتزوجوا في قرى أخرى فبقي هو وزوجته في بيتهما الجميل وحدهما .. حينما شعر بأنه أصبح عجوزا بما يكفي لدنو الأجل قرر أن يكتب قصة قصيرة عن حياته .. ليست عن حكايته منذ مجيئه إلى القرية فحسب بل عن الماضي الذي سبقها أيضا .. بدأ يكتب قصته القصيرة ، وكان من الغريب حقا أن ينجح بهذه البساطة في استعادة الذكريات التي منعها بكفاءة خارقة من اقتحام حياته طوال السنوات الطويلة التي عاشها في القرية ، لكنه أدرك أن ما نجح فيه ليس قتل الماضي بل دفنه في حفرة بعيدة وعميقة جدا .. عرف أنه حينما سيعود لاستخراجه مرة أخرى سيجده لا يزال حيا مهما طال الوقت .. لكن هذا لم يسبب له أي مشكلة لأنه كان يعرف أن استرجاع الذكريات الآن لم يعد مؤثرا أو يمثل أي تهديد لسعادته الحالية .. بعد أن انتهى من الكتابة جلس يفكر في كيفية نشر قصته .. لم يكن يهمه أن يقرأها أحد سوى سكان القرية فحسب فاستبعد فكرة نشرها في جريدة أو مجلة وقرر توزيعها عليهم بيده ..  اشترى ماكينة تصوير وأعد نسخا كثيرة ثم وقف في الشارع ليعطي كل عابر نسخة .. في البداية استغرب الناس جدا من هذا الفعل الذي اعتبروه غير لائق برجل عجوز أمضى حياته بينهم متحليا برجاحة العقل والاتزان النفسي ، لكن استغرابهم تضاعف كثيرا حينما اكتشفوا عند قراءة القصة القصيرة أنه لم يتعمد عدم الالتزام بقواعد النحو أو عدم وضع علامات الترقيم فحسب بل أن الجمل نفسها كانت غير مفهومة .. كانت قصته عبارة عن كلمات ليس بينها رابط واضح ومتراصة بجوار بعضها فحسب .. حينما حاولوا أن يستفهموا منه عن معنى كتابته ولماذا يوزعها عليهم بهذه الطريقة رفض تماما أن يعطيهم أي إجابة وواصل التوزيع حتى انتهت جميع النسخ التي بحوذته .. تحدثوا مع زوجته واتصلوا بأبنائه فاكتشفوا أنهم لم يفهموا أيضا ما كُتب في هذه القصة فضلا عن أنهم لم ينجحوا في الحصول على أي توضيح منه .. قرر رجال القرية الاجتماع لمناقشة ما حدث وتركوا المجال في البداية  للمشهود لهم بالثقافة والمعروفين بقراءة الكتب الكثيرة كي يحاولوا تحليل القصة فاختلفوا في تأويلها ولم يتفقوا على نتائج محددة .. بقية الرجال رأى البعض منهم أن الرجل ذهب عقله بعدما كبر في السن ، لكن البعض الآخر أصر على أنه لا يزال عاقلا بدليل أنه لم يصدر منه أي فعل أو كلمة تدل على ذهاب عقله بخلاف ما حدث اليوم .. ظلوا يتباحثون من أجل الوصول إلى التصرف الصحيح الذي ينبغي أن يقوموا به تجاه هذه القصة .. رأى البعض أن يتم رميها في القمامة لإنهاء الموضوع ونسيانه في حين أصر البعض الآخر على ضرورة معرفة حقيقة ما فيها قبل التخلص منها لأنه من الوارد أن يكرر الرجل كتابة كهذه ويقوم بتوزيع أوراقها عليهم ثانية .. اتفقوا أخيرا على ذهاب وفد منهم إلى بيته للتفاهم معه ومحاولة إقناعه بتفسير ما كتبه لكنهم حينما دخلوا منزله واستقبلهم بترحاب شديد ومودة معتادة كرر رفضه أن يتحدث في الموضوع تماما .. بعد خروجهم من عنده خائبي الأمل قرروا أن يستدعوا طبيبا نفسيا للكشف عليه كي يتأكدوا من سلامة قواه العقلية .. جاء الطبيب إليه فاستقبله أحسن استقبال وسمح له بمنتهى الكرم أن يكشف عليه فوجده الطبيب أعقل منه ولكن ، خاب أمله هو الآخر حينما رفض الرجل التكلم عن القصة القصيرة التي قام بتوزيعها .. لم يجدوا حلا سوى أن يذهبوا إلى شيخ القرية ليعرضوا عليه إحدى النسخ فتعجب الشيخ من جهلهم ومن سذاجتهم وسألهم بسخرية كيف لم يعرفوا حتى الآن أن هذا الرجل ليس إلا ساحرا شريرا ، وأن صفاته الطيبة وأخلاقه الحميدة التي عاش بها طوال حياته بينهم لم تكن سوى ستار سميك يحجب به حقيقته .. بدأ الجميع على الفور في استرجاع جميع الأحداث السيئة والمصائب التي شهدتها القرية والتي ظلت أسبابها تمثل لغزا كبيرا حتى الآن : احتراق منازل .. اختفاء أشخاص .. عجز جنسي .. عنوسة فتيات جميلات .. عقم .. سرقات .. انهيار بيوت .. غرق أطفال .. إصابات بالجنون دون تمهيد .. حوادث سيارات ..عاهات وأمراض نادرة أو مستعصية ليس لها علاج .. رؤية أشباح .. فقدان وظائف .. سماع أصوات غريبة ومفزعة مجهولة المصدر خاصة في الليل .. فشل في التعليم .. موت مفاجيء لمن كانوا في أتم صحة وعافية .

قرروا أن هذا الرجل بالتأكيد هو المسؤول عن وقوع هذه الحوادث حتى تلك التي شهدوها قبل مجيئه إلى القرية  .. تذكروا أنه حضر إليهم فجاة في شبابه ولا يعرفون شيئا عن حياته قبل ذلك .. بعد مناقشات طويلة استقروا على أن الحل المناسب هو أن يطلبوا منه وزوجته ترك القرية والذهاب للعيش عند أحد أبنائه .. رفض الرجل بابتسامة خفيفة هذا الطلب لكن زوجته وافقت وتركت البيت فترك ذلك في نفسه مزيجا غاية في الانسجام من الفرح والحزن .. كان هذا هو شعوره أيضا حينما قرر أبناءه مقاطعته اعتراضا منهم على كتابته وتوزيعه هذه الأوراق .. هدده سكان القرية بطرده بالقوة وأعطوه مهلة محددة لكنه ظل مقيما في بيته حتى انتهت المدة .. حينما تجمعوا للتوجه إليه خطر في بالهم حقيقة أن طرده لن يفيد لأنه من الممكن أن يعود إلى القرية مرة أخرى أو ينتقم منهم بسحره الشرير من أي مكان آخر سوف ينتقل إليه .. عرفوا أن قتله هو الحل الوحيد ، وحتى لا يتورط أي منهم بشكل محدد قرروا حرق منزله وهو بالداخل .. ظلت النيران تواصل الاشتعال وتلتهم البيت ، ورغم أنه كان يرى أمامه أكثر من طريق للفرار إلا أنه ظل جالسا مكانه دون أن يدرك هل كان ذلك يرجع إلى رغبة أم عجز .. بعد أن انتهت النيران من التهامه كان من الطبيعي أن يرفضوا دفن جثته المتفحمة في مقابرهم ، وفي نفس الوقت رفضوا تسليمها لأسرته لأنهم كانوا مقتنعين أشد الاقتناع بأنه لا ينبغي لأي بقعة على وجه الأرض أن يدفن فيها رجل كهذا وعلى هذا الأساس ألقوا بجثته في البحر .

لم يعد الرجل موجودا كما أن أسرته لم تدخل القرية مرة أخرى ، والبيت لم يعد له أي أثر .. ورغم  أن كل واحد تخلص من القصة القصيرة التي لديه إلا أنه حتى الآن لا تزال نسخا منها تنزل بغزارة من السماء فجأة على رؤوس أهل القرية وهم سائرون في شوارعها فعرفوا أنها لعنة ستظل تلاحقهم حتى نهاية الحياة .

 

* * *

ممدوح رزق

http://www.shortstory77.blogspot.com/