لست طبيبا نفسيا ولا حتى متخصصا بعلم النفس أو في أي من مجالاته، إلا أنني كإنسان يمكنني أن أتحدث عن المشاعر الإنسانية.
ما أود الحديث عنه هو مقدار التناقضات في النفس البشرية، ما بين حب وكره، كرم وبخل، أخذ وعطاء، شبع وجشع، أنانية وإحساس بالآخرين.
من المدهش كيف يستطيع الإنسان أن يجمع كل التناقضات في داخله، وكما تحدث عنها الأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون في روايته دكتور جيكل ومستر هايد عام 1886. يبدو أن الإنسان يستطيع أن يكون شيئا ثم ينقلب إلى النقيض بمجرد أن يشعر أن أمرا ما قد مسّ أمرا من أموره الشخصية، فتجده كريما فيما يتعلق في مال غيره لكنه بخيلا فيما يتعلق في ماله الشخصي. تجده مثاليا حين يتحدث عن الأخلاق، وينقلب إلى انعدام الأخلاق في حياته السرية والخاصة. تجده يصرح بنظرياته في الصدق – كما أفعل أنا الآن – بينما يمارس الكذب في أشنع حالاته سرا – أرجو ألا أكون كذلك الآن -. تجده يتظاهر في الأمانة، بينما هو لص كبير في المخفي من حياته.
والمدهش أكثر هو كيف يستطيع أن يقلب الأمور حين يتعاطى مع القضايا التي تميل إليها نفسه فيصف موقفه بالعادل، لكنه في ذات الوقت يمارس الظلم في أسوأ حالاته حين لا تميل نفسه للأمر. تجده يتعامل مع كاذب بود بينما يتعامل مع الصادق بحقد، تجده يتحدث عن المساواة بينما هو أكبر منحاز. يقلب الأمور ويقولبها في منطق عجيب ليثبت أنه على صواب عكس ما كان يقول به قبل ذلك. ما هي العوامل التي تدفعه لأنه يتناقض مع ذاته، هل هو الحسد؟ هل هي الغيرة؟ أو عوامل أخرى؟ لماذا لا يستطيع أن يجرّد قراراته من أهوائه الشخصية حين يتعامل معها؟
يقال أن الإنسان كتلة أو مخزون هائل من الشر. ويقال أيضا أن في الإنسان كم هائل من الخير… لمن يستطيع أن يستخرجه.
هل ستستطيع البشرية والعلم مستقبلا أن تتدخلا في برمجة الإنسان، فتصنع لنا بشرا خاليا من الحقد والكذب والظلم والجشع؟ لم أعرّج على الجشع إلا لأنه باب واسع للحديث. من المثير أن يجمع الإنسان المليارات ليورثّها بعد عمر قصير مهما طال للآخرين، وكأن كلّ همّه ليس ذاته وإنّما الآخرين. متناقضان كبيران. كيف يفكّر في الآخرين بينما في ذات الوقت لا يفكّر إلا في نفسه. بليونير واحد من هؤلاء يستطيع أن يحلّ مشاكل دول وشعوب بأكملها.
جشع السلطان عالم قائم في ذاته. تجده يحاضر في العدل والمساواة وخدمة بني قومه، بينما يتمكن في ذات الوقت من قتل وإيذاء عشرات الآلاف وأحيانا الملايين، دون أن يرفّ له جفن! يمارس حياته بشكل طبيعي بل ومثالي، لا بل يصلّي صلاة المؤمنين ويتعبّد لإلهه ويطلب المغفرة منه، بينما يداه وتاريخه كله ملوثين بدماء الآخرين. حتى لو اختلف معهم في أمر ما، فمن يعطيه الحق بأن يوغل في دماء الناس؟ هل حب السلطان وحده كاف لذلك!
النفس البشرية غاية في التعقيد. الفايروسات والخلايا السرطانية تهاجم الخلايا الأخرى في صراع للبقاء، أما الإنسان فيقضي على ما حوله لمجرد المتعة أحيانا وأحيانا أخرى للتباهي حتى لو أدّى ذلك للقضاء على بيئته وهوائه وأحيانا أهله. الفايروسات والخلايا السرطانية أعقل من الإنسان.
جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
[email protected]